أصوات عالقة بذاكرة العراقيين توثق مهناً اندثرت!

العربي الجديد:لم يكن أصحاب المهن والحرف العراقيين في السابق في حاجة إلى إعلان، أو محل واضح العنوان؛ كان يكفي أن يتجول الحرفي في حارات الأحياء السكنية وأزقتها مطلقاً النداء المميز، فتتجه إليه الناس. اليوم، اختفت أصوات نداء الحرفيين مع تبدل أساليب ممارستهم لتلك المهن، والتي اختفى بعضها أيضاً. لكن لا تزال بعض الأصوات حاضرة في الذاكرة كأنها تسجيلات فنية قديمة تستعاد كلما مر طيف من الماضي.

تستعيد العراقية هيفاء عمران أوقات طفولتها في ستينيات القرن الماضي، وتقول لـ"العربي الجديد": "كنا كأطفال نميز أصحاب المهن من نبرات أصواتهم حتى قبل أن نراهم. صوت شاحذ السكاكين الجوال كان من أكثر الأصوات التي تلفت انتباهي، إذ كان يمر في الأزقة وهو يطلق نداءً منغماً يعرفه الناس، فيخرج إليه من لديهم سكين أو أداة تحتاج إلى الشحذ. أتذكر أيضاً الرجل الذي كان يجوب الأحياء ليبادل الملابس القديمة بمواد منزلية يحتاج إليها الناس، فضلاً عن أصوات جامعي العلب الزجاجية والمواد البلاستيكية".

وتضيف: "جامع الخبز اليابس كان له حضور مختلف؛ فالناس كانوا يجمعون فائض الخبز أو زوائده ويعطونها له كي يستخدمها لاحقاً في إطعام الماشية التي كانت تربى في مناطق تقع على أطراف المدن. هذه الأصوات كانت تتكرر طوال اليوم حتى تصبح جزءاً من حياة البيت، وما زلت أذكرها بين الحين والآخر، خاصة عندما أسمع صوتاً يشبهها".

وبينما رافقت تلك النداءات الحياة اليومية للناس، تحول بعضها إلى ما يشبه الأغنيات الشعبية القصيرة التي تتوارثها الأجيال. يتذكر عبد القادر الهماوندي (74 سنة) واحداً من أكثر الأصوات رسوخاً في ذاكرته، وهو صوت مصلح "الفرفوري"، وهي المواد الفخارية، مثل الأواني والصحون والأباريق، والتي كانت مهنة إصلاحها شائعة قديماً.

يقول الهماوندي لـ"العربي الجديد"، إنه لا يتذكر اسم الرجل الذي كان يمر في حيهم بقدر ما يتذكر نداءه الغريب المحبب، ويقلد الصوت كما كان الرجل ينطقه، "فااار... وري" مع إضافة حرف ألف مع مده، وإسقاط الفاء الثانية، فيما ينطق "وري" بسرعة وبنغمة خاصة. يضحك وهو يستعيد المشهد، موضحاً أن الأطفال كانوا يقلدون الرجل في الشارع، وأن صاحب المهنة كان يسعد بتفاعلهم معه. ويشير إلى أن "مهنة إصلاح الفرفوري اختفت منذ أكثر من ثلاثين سنة، لكنها بقيت موثقة في بعض الكتب التي تتناول التراث العراقي، فيما يبقى نداء صاحبها حياً في ذاكرة من سمعه".

من بين المهن التي ارتبط أصحابها بأصوات لا تقل خصوصية، مهنة إصلاح مواقد الطبخ التي ظلت منتشرة حتى تسعينيات القرن الماضي. ويقول رافع سعدي (53 سنة) إن "لكل مصلح تقريباً طريقة خاصة في النداء، حتى إن بعضهم كان يمكن فهم ما يقوله، بينما كان نداء آخرين أشبه بشفرة صوتية لا يفهمها إلا أهل المنطقة، لكنها مع ذلك كانت تؤدي وظيفتها في لفت الانتباه".
ويتذكر سعدي تحديداً مصلح المواقد، أو "الطباخات" كما كانت تعرف شعبياً، المعروف باسم "فلوحي"، بينما في الأصل اسمه فالح، وكان نداؤه بعيداً عن اسم مهنته، إذ كان يجزئ اسمه صوتياً فيقول: "فل أو حي"، بمد اللام في "فل"، ثم وقفة قصيرة، قبل أن يمد الواو مع إضافة حرف ألف قبلها في "أو" وينهيها بلفظ سريع لـ"حي". ويقول: "أهل المنطقة كانوا يعرفونه بمجرد سماع النداء، وكان صوته مصدر ألفة وسعادة. لكن نهاية الحكاية لم تكن سعيدة، إذ إن فلوحي توفي في تسعينيات القرن الماضي عن عمر بلغ 48 سنة تاركاً محبة كبيرة بين من عاصروه، ويتذكر كثيرون حتى اليوم نداءه المحبب".
ولم تكن بعض النداءات مرتبطة بمهنة محددة بقدر ارتباطها بتجارة كاملة. يقول مهند الكعبي (55 سنة) لـ"العربي الجديد"، إن شراء الأغراض المستعملة كان مهنة عائلته، وكان والده وأعمامه يملكون ثلاث سيارات حوضية يجوبون بها الشوارع والأزقة لجمع ما يريد الناس بيعه من أثاث أو أجهزة كهربائية أو أغراض منزلية مختلفة. ويستعيد الكعبي طفولته حين كان يقف مع أبناء عمومته أو أعمامه في حوض السيارة لينادوا بصوت منغم: "حاجات للبيع. أغراض للبيع. ثلاجات للبيع. تلفزيونات للبيع. طباخات للبيع. أثاث للبيع". وكانوا يضيفون إلى القائمة كل ما يخطر لهم من مسميات، لأنهم كانوا يشترون كل شيء تقريباً، وبعد جمع الأغراض، ينقلونها إلى أسواق مخصصة لبيع المستعمل.

يضيف: "كانت أصواتنا مختلفة، لكننا اعتدنا أن ننادي بنغمة واحدة معروفة ميزها الناس، وكان نداؤنا أشبه بالحوار. مثلاً أقول أنا طباخات، فيرد ابن عمي للبيع، فأقول ثلاجات، فيقول للبيع، وهكذا، لكن بأسلوب ونغمة خاصة. كنا نستمتع كثيراً بالنداء، خاصة حين نرى ردات فعل الناس التي تتفاعل بشكل إيجابي معنا".
ويؤكد الباحث في التراث العراقي حسين غازي لـ"العربي الجديد"، أن "غالبية تلك الأصوات اختفت حالياً، واختفت كذلك بعض المهن التي كانت سبباً في ظهورها، وهذا من جراء التطور الاجتماعي والاقتصادي، وتغير أنماط المهن، رغم أن الباعة الجوالين لم يختفوا تماماً؛ فما زال بعضهم يظهرون بين الأزقة، لكن مكبر الصوت بات يحل في كثير من الأحيان محل الحنجرة، وأصبح بعض الباعة يختار أغنية أو موسيقى معينة لتكون علامته السمعية".

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

938 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع