مجلد و الكتب في سوق السراي … حين كانت الأيدي تحفظ ذاكرة بغداد

 مجلد و الكتب في سوق السراي … حين كانت الأيدي تحفظ ذاكرة بغداد

كان صباح الجمعة في بغداد يختلف عن سائر أيام الأسبوع. فقبل أن تمتلئ مقاهي شارع المتنبي بروادها، وقبل أن تتزاحم أقدام الباحثين عن كتاب نادر، كانت أبواب سوق السراي تُفتح بهدوء، لتعلن بداية يوم جديد في أقدم سوق للكتاب في العراق.

هناك، حيث تمتزج رائحة الورق القديم بالحبر والغراء والجلد الطبيعي، لم يكن الكتاب سلعة تباع وتشترى فحسب، بل كان كائنًا حيًا يحتاج إلى من يداويه كلما أرهقته السنون. وفي زاوية متواضعة من السوق، بعيدًا عن ضجيج الباعة، جلس رجل هادئ لا يعرفه كثيرون، لكنه كان سببًا في بقاء آلاف الكتب بين أيدي القراء. إنه مجلد الكتب، الحرفي الذي كان يخيط الذاكرة قبل أن يخيط الأوراق.

لم يكن الداخل إلى سوق السراي في أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي يمر بدكان تجليد دون أن يتوقف لحظات. كانت الكتب مصطفة فوق المناضد الخشبية، بعضها بلا أغلفة، وبعضها مفكك الصفحات، وأخرى تنتظر دورها تحت مكبس خشبي ثقيل. وبين تلك الأكوام يجلس الحرفي، يضع نظارته على طرف أنفه، ويمسك إبرة طويلة وخيطًا كتانيًا متينًا، وكأنه جراح يجري عملية دقيقة لمريض يعرف أن حياته تتوقف على ثبات يده.
كانت بغداد، منذ العصر العباسي، مدينةً للوراقين والنساخ والمجلدين. وإذا كان الوراق قد حفظ العلم بنسخه، فإن المجلد حفظه بإطالة عمره. فالكتاب الذي يكثر تداوله لا تلبث صفحاته أن تتفكك، ويبدأ غلافه بالتمزق، وهنا تبدأ رحلة الإنقاذ. لم يكن المجلد يكتفي بإلصاق الغلاف، بل يفك الكتاب صفحة صفحة، ويرتب ملازمه، ويعيد خياطتها بخيوط متينة، ثم يصنع له غلافًا جديدًا من الجلد أو القماش المقوى، ليعود إلى صاحبه أقوى مما كان.

وكانت أدواته بسيطة لكنها تحمل خبرة السنين: مكبس خشبي، وإبرة غليظة، وخيوط كتانية، وغراء عربي، وسكين دقيقة لتشذيب الحواف، ومسطرة نحاسية، ومطرقة صغيرة لتسوية ظهر الكتاب، وألواح من الجلد الطبيعي كانت تُجلب من دباغي بغداد. ولم يكن استخدام هذه الأدوات أمرًا ميكانيكيًا، بل كان فنًا يتطلب الصبر، لأن خطأً واحدًا في ترتيب الملازم قد يضيع فصلًا كاملًا من الكتاب.
وكان طلاب المدارس من أكثر زبائن المجلدين. ففي بداية كل عام دراسي يحمل التلميذ كتبه الجديدة ليغلفها ويحميها، وفي نهايته يعود بها بعد أن أنهكها الاستعمال. أما أساتذة المدارس ورجال الدين والقضاة والمحامون، فكانوا يأتون بكتبهم الخاصة التي يصعب تعويضها، ويتركونها بين يدي المجلد مطمئنين إلى أمانته. وكان من المألوف أن يبقى الكتاب في الورشة أيامًا أو أسابيع، لأن التجليد اليدوي لا يعرف العجلة.

ويروي قاسم محمد الرجب، صاحب مكتبة المثنى، في مذكراته عن الحياة الثقافية في سوق السراي، أن السوق لم يكن مجرد مكان لبيع الكتب، بل كان ملتقى للمؤلفين والقراء وأصحاب المكتبات، وأن الحرف المرتبطة بالكتاب، ومنها التجليد، كانت جزءًا أصيلًا من هذا العالم الثقافي. فالمكتبة التي تبيع الكتب كانت تعتمد على المجلد لإصلاح النسخ الثمينة، كما كان العلماء والباحثون يحرصون على تجليد مكتباتهم الخاصة حفاظًا عليها من التلف.

ولم يكن المجلد يميز بين كتاب كبير وآخر صغير، ولا بين مؤلف مشهور وآخر مغمور. فالكتاب عنده أمانة. ولهذا كانت العلاقة بينه وبين زبائنه تقوم على الثقة. فإذا جاءه رجل يحمل مصحفًا ورثه عن أبيه، أدرك أنه لا يتعامل مع أوراق، بل مع ذكرى عائلية. وإذا جاءه طالب يحمل معجمًا مهترئًا، علم أنه يعيد إليه وسيلة طلب العلم.
وكان بعض الحرفيين يملكون ذوقًا فنيًا رفيعًا، فيزينون الأغلفة بخطوط ذهبية رقيقة، أو يطبعون عنوان الكتاب بحروف بارزة، أو يحيطون الغلاف بإطار زخرفي بسيط. ولم يكن هذا التجميل من باب الترف، بل من باب الاحترام للكتاب، حتى إن بعض الأسر البغدادية كانت تعد مكتبتها جزءًا من أثاث البيت، وتحرص على أن تكون الكتب متناسقة في أغلفتها كما تتناسق قطع الأثاث.
ومن الطرائف التي يرويها كبار السن أن بعض المجلدين كانوا يعرفون أصحاب الكتب من طريقة استعمالهم لها. فالكتاب الذي امتلأت هوامشه بالتعليقات يدل على قارئ نَهِم، والكتاب الذي كثرت فيه علامات الطي يدل على طالب علم، أما الكتاب النظيف الذي لم تُقلب صفحاته إلا قليلًا، فكان يقول عنه المجلد ضاحكًا: “هذا كتاب للزينة أكثر منه للقراءة.”

ولم تقتصر المهنة على الكتب وحدها، بل شملت سجلات المحاكم، ودفاتر المدارس، وقيود التجار، ووثائق الأوقاف، لأن الورق كان وعاءً لذاكرة الدولة والمجتمع. وكان تلف سجل واحد قد يضيع حقوق الناس، لذلك كانت المؤسسات الرسمية تلجأ إلى المجلدين المهرة لإعادة تجليد سجلاتها وحفظها سنوات طويلة.
لكن الزمن تغيّر. فقد جاءت آلات التجليد الحديثة، ثم الأغلفة الصناعية، ثم الحاسوب، وأخيرًا الكتب الإلكترونية، فتراجع الطلب على التجليد اليدوي. وأصبح كثير من الناس يفضلون شراء نسخة جديدة على إصلاح نسخة قديمة. ومع مرور السنوات أغلقت ورش كثيرة أبوابها، واختفى صوت المكبس الخشبي الذي ظل عقودًا يرافق حياة سوق السراي.
ومع ذلك، فإن من يتجول اليوم في السوق سيجد بعض الورش الصغيرة التي ما زالت تقاوم الزمن. يجلس فيها حرفيون تجاوز بعضهم السبعين من العمر، يمارسون المهنة نفسها التي تعلموها صغارًا، وكأنهم يرفضون أن تنقطع السلسلة التي بدأت منذ مئات السنين. لا يعملون من أجل الربح وحده، بل من أجل متعة إنقاذ كتاب كان على وشك الضياع.
لقد حفظ المؤرخون أسماء الخلفاء والوزراء والعلماء، لكنهم قلما كتبوا عن أولئك الرجال الذين حفظوا الكتب نفسها من التمزق. ولو اختفت مهنتهم في زمن مبكر، لفقدت بغداد كثيرًا من مخطوطاتها ودفاترها وكتبها التي بقيت شاهدة على تاريخها. ولهذا فإن مجلد الكتب يستحق أن يُذكر بوصفه واحدًا من الجنود المجهولين الذين خدموا الثقافة العراقية بصمت.

إن المدن لا تحفظ ذاكرتها بالحجارة وحدها، وإنما بالأيدي التي تعرف قيمة الورق. وكان مجلد الكتب واحدًا من تلك الأيدي التي آمنت بأن كل كتاب يستحق فرصة جديدة، وأن الصفحة الممزقة يمكن أن تعود للحياة إذا وجدت حرفيًا يحب عمله. وربما لهذا السبب بقي سوق السراي، رغم تغير الأزمنة، رمزًا لذاكرة بغداد الثقافية، وبقي المجلد، وإن قلّ عدد أصحابه، شاهدًا على زمن كانت فيه صيانة الكتاب تعني صيانة الوطن نفسه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

790 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع