
إنكايا ... ستة قرون من الظل

في الطريق الصاعد من مدينة بورصة التركية نحو جبل أولوداغ، تنحسر المدينة قليلًا، ويأخذ الأخضر مكانه على جانبي الطريق، فيما تظهر البيوت من بين الأشجار قبل أن تختفي خلف منعطف آخر. ومع استمرار الصعود، تطل قرية إنكايا من بين الخضرة، هادئةً كأنها تستريح في منتصف المسافة إلى القمة. تنتشر المقاهي الصغيرة على جانبي الطريق، قبل أن تنفتح القرية فجأة على مشهد يطغى على ما حوله، وتنجذب إليه الأنظار من اللحظة الأولى.

شجرة دُلب هائلة تتوسط المكان، تفرد أغصانها في الجهات، حتى يبدو تاجها سقفًا أخضر، أقامته الطبيعة فوق رؤوس القادمين. وكلما اقترب الزائر منها، بدا جذعها أضخم مما توحي به الصور؛ عريضًا، متشقق القشرة، يحمل آثار قرون من الزمن وقسوة الطبيعة. ولأن السنين أثقلت بعض أغصانها، لم يتركها الإنسان تواجه شيخوختها وحدها؛ فأقام تحتها مساند من الحديد، تحمل عنها شيئًا من ثقلها، وتعينها على البقاء ممدودة في الفضاء، بعد أن أضعفت السنون قدرتها على حمل نفسها.
تأخذ هذه الدُّلبة العتيقة اسمها من قرية إنكايا التي تحتضنها، ويمنحها عمرها المديد مكانةً بين أشهر الأشجار المعمّرة في بورصة وتركيا.
تقول اللوحة الموضوعة عند جذعها إن عمرها يناهز ستمائة وأحد عشر عامًا، وإنها ترتفع سبعة وثلاثين مترًا، فيما يمتد تاجها ثلاثة وخمسين مترًا، ويزيد قطر جذعها على ثلاثة أمتار. لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تقول كل شيء. تضرب جذورها في هذه الأرض منذ بدايات القرن الخامس عشر تقريبًا، فيما الدولة العثمانية ما تزال في طور صعودها. تنمو أغصانها، وتعبر من حولها أجيال لا يحصيها أحد؛ يتغير الحكام، وتتبدل المدن والحدود. تندلع الحروب وتنطفئ، ويمضي البشر إلى مصائرهم، فيما تظل هي في مكانها، تضيف إلى جذعها عامًا جديدًا، وإلى عمرها حلقة أخرى لا يراها أحد.

تحتها اليوم مقاعد وطاولات، وحولها زائرون يلتقطون الصور. أطفال يركضون قريبًا من الجذع، وأيدٍ تمتد لتلمس قشرته الخشنة. وربما لا يخطر لكثيرين منهم أنهم يضعون أكفهم على كائن حي سبق وجوده الأجداد بقرون. وأمام هذا العمر الممتد، لا تعود إنكايا مجرد شجرة ضخمة تستحق أن تُرى، وإنما تبدو شاهدًا حيًا على زمن عبر من حولها ولم يعبر بها. ومن هنا تأتي هيبتها، مختلفةً عن هيبة الآثار؛ فالحجر القديم يحمل ذاكرة من بنوه ثم رحلوا، أما هي فتحمل ذاكرتها وهي ما تزال حية؛ تشرب الماء، وتورق، وتتساقط أوراقها، ثم تعود فتخضر في ربيع آخر. لا تحفظ الماضي في جدار أو نقش، وإنما تواصل العيش معه. وتحت ظلالها التي تتسع من حولها، لا يبقى التأمل حبيس المكان؛ إذ تمتد الذاكرة بعيدًا، إلى العراق، فتستعيد بساتين كانت تنتشر على ضفاف الأنهار، ونخيلًا يملأ الأفق، وأشجارًا تتوارثها العائلات جيلًا بعد جيل. ثم تزاحم تلك الصورَ أخرى أشد قسوة: بساتين تُجرف، وأشجار تُقتلع لتفسح الأرض للبناء النفعي، وغابات ومساحات خضراء تنهشها آفة الإهمال والتجاوز، حتى يختفي في سنوات قليلة ما احتاجت الطبيعة عقودًا طويلة كي تصنعه. وعند هذا الحد، تغادر المقارنة حدود المكان، لتصبح سؤالًا عن علاقتنا بالحياة والذاكرة. عندها لا يعود السؤال: كم تستطيع شجرة أن تعيش؟ بل يصبح السؤال الأثقل: كم تستطيع ذاكرة وطن أن تعيش، إذا ظل يقتلع الأشجار التي تحفظها؟

537 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع