
د. جابر ابي جابر
الاستبداد في رواية ألكسي تولستوي " الأمير سيربرياني"
يُعرف العصر الذهبي للأدب الروسي، في المقام الأول، بروايات دوستويفسكي النفسية، ومسرحيات أوستروفسكي، وقصص غوغول، وروايات تولستوي الفلسفية. ولكن في ظل هؤلاء الأدباء العمالقة ، تتلاشى ، للأسف، أسماء العديد من الكُتّاب النوابغ الآخرين. ومن هؤلاء الكاتب ألكسي قسطنطينوفتش تولستوي، وهو قريب للكاتب العالمي ليو تولستوي. وقد اشتهر ألكسي قسطنطينوفتش برواياته ومسرحياته التاريخية العديدة، التي تناولت فترةً معقدةً من التاريخ الروسي، وهي النصف الثاني من القرن السادس عشر، التي تضم عهود إيفان الرهيب، وفيودور إيفانوفيتش، وبوريس غودونوف. وقد أصبحت روايته "الأمير سيربرياني" عملاً رائداً في هذا المجال.
وًلد ألكسي قسطنطينوفتش في 24 أغسطس (5 سبتمبر) 1817 في سانت بطرسبرغ. .وكان والده الكونت قسطنطين بتروفيتش تولستوي، الشقيق الأكبر للرسام فيودور تولستوي، وكانت والدته آنا أليكسييفنا بيروفسكايا، الابنة غير الشرعية للكونت ألكسندر رازوموفسكي. ولأسباب غير معروفة، تركت آنا ألكسييفنا زوجها فور ولادة ابنها وانتقلت إلى عزبة أخيها في مقاطعة تِشيرنيغوف.
كان خال أليوشا الصغير، الكاتب المعروف ألكسي بيروفسكي، الذي كان ينشر أعماله تحت الاسم المستعار "أنتوني بوغوريلسكي"، بمثابة والده. وقد ألّف لابن أخته الحبيب كتاباً رائعاً بعنوان "الدجاجة السوداء، أو سكان الأنفاق"، والذي أصبح كنزاً ثميناً في أدب الأطفال. وقد كرّس ألكسي ألكسييفتش الكثير من وقته لتربية أليوشا، غارساً فيه الصفات الأساسية للرجل النبيل. وعندما كبر أليوشا، نقل بيروفسكي أخته وابن أخته إلى سانت بطرسبرغ.. وهناك التقى الصبي بوشكين، وجوكوفسكي، وريليف، وغيرهم من الشخصيات البارزة في عصره.
تتضمن سيرة حياة ألكسي تولستوي صداقته مع القيصر الروسي القادم ألكسندر الثاني. فقد كان الصبيان رفيقي اللعب، وسرعان ما وجدا أرضية مشتركة، وحافظا على علاقة ودية طوال حياتهما.
في عام ١٨٢٧، رتب بيروفسكي رحلة إلى ألمانيا لعائلته. وهناك، عرّف أليوشا على غوته العظيم. حتى أن الصبِي تلقى هدية من الكاتب وهي قطعة من ناب ماموث، احتفظ بها ككنز طوال حياته. وبعد عدة سنوات، اصطحب الخال أليوشا في جولة إلى إيطاليا. أسر هذا البلد، بثقافته الغنية، الصبي لدرجة أنه ظل متأثراً تأثراً شديداً بما رآه لفترة طويلة.
في عام ١٨٣٦، اجتاز تولستوي امتحاناته النهائية في جامعة موسكو، وحصل على شهادة تؤهله للعمل كموظف مدني من الدرجة الأولى. وآنذاك حصل على وظيفة مؤقتة في البعثة الروسية بألمانيا. وعاش الشاب لمدة عامين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. وبطموحه الكبير، تدرج ألكسي بسرعة في المناصب. وقد بدأ مسيرته المهنية كمُقيّم جامعي، وبعد عشر سنوات فقط من الخدمة، تم قبوله في القسم الثاني من ديوان جلالة القيصر.
كتب ألكسي تولستوي أولى أعماله، "عائلة فوردالاك" و"لقاء بعد ثلاثمئة عام"، باللغة الفرنسية أثناء إقامته في ألمانيا. وقد نشر كتابه الأول، "مصاص الدماء"، عام ١٨٤١، حيث راجع فيه ذكريات طفولته، وخاصة تلك الفترة التي لعب فيها ولي العهد المقبل دوراً في مسرحيته.
على مدى السنوات القليلة التالية، استكشف ألكسي شغفه بالشعر، حيث نظّم حوالي 80 من القصائد الشعرية المغناة والأغاني الروسية. وبعد تقاعده الرسمي، ركّز على هدفه الرئيسي - العمل الأدبي. وأثمرت جهوده عن صدور الرواية التاريخية الأمير سيريبرياني"، وثلاثية "موت إيفان الرهيب"، ورواية نفسية شعرية بعنوان "وسط حفلة صاخبة...". وقد كشف العديد من أعمال الكاتب عن عيوب النظام الحاكم وسخر منها علناً، ولذلك لم تُنشر إلا بعد وفاته.
ومن أهم قصائد تولستوي " يوحنا الدمشقي" ، التي يتناول فيها سيرة حياة اللاهوتي الشهير مؤلف الأناشيد والأبحاث الدينية . وتتحدث القصيدة عن لحظة فارقة من من حياة يوحنا الدمشقي حين اضطر في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى ترك دمشق والالتحاق بدير مار سابا في فلسطين. وهناك قام المرشد العجوز القاسي بمنع يوحنا من ممارسة الكتابة الإبداعية (وضع نصوص التراتيل) معتبراً ذلك من تجليات الكبرياء.
وبدافع الشفقة على راهب فقدَ أخاه ينكث يوحنا نذر الصمت وينظم أبياتاً رثائية تتضمن المقطع الشهير " ما أحلى هذه الحياة الدنيا...وهو اقتباس من ترنيمة جنائية للقديس الدمشقي, ويتجلى المضمون الفكري لهذه الأبيات الرثائية في الطبيعة الإلهية للإبداع إذ يؤكد تولستوي أن الشاعر الحقيقي لا يسعه إلا أن يبدع نظراً لأن موهبته هبة إلهية و"لن تموت مكبلة".
وتتناول القصيدة الصراع بين العقائد الدينية الجامدة وبين الإحساس الشعري العميق. وفي الخاتمة يلمح الشاعر تولستوي إلى المصالحة إذ تظهر العذراء مريم للشيخ المرشد في الحلم وتوصيه إلا يحجب "الينبوع" المتدفق من شفتي يوحنا. وقد نظّمت القصيدة بأسلوب كلاسيكي يجمع بين وقار الترانيم الكنسية وشاعرية الشعر الروسي في القرن التاسع عشر. وهكذا فقد أصبح هذا العمل بالنسبة لتولستوي بمثابة بيان يعبر فيه عن آرائه حول دور الفنان في المجتمع.
في عام ١٨٥٠، وقع أليكسي تولستوي في حب صوفيا أندرييفنا ميلر، التي لم يتمكن من إتمام علاقتهما بالزواج منها لا بعد ١٢ عاماً.
كانت حصيلة إنتاج ألكسي تولستوي الأدبية كبيرة جداً ومتنوعة للغاية، فقد ضمت الأعمال الروائية والقصائد الشعرية والأعمال المشتركة مع الأخوين جمتشونيكوف وغيرهما باستخدام الاسم المستعار " كوزما بروتكوف، وكذلك ترجمات الأعمال الأدبية الأوروبية وخاصة نقل الشعر إلى اللغة الروسية بالإضافة، من جهة اخرى ، إلى ترجماته لأعماله الخاصة إلى هذه اللغات حيث كان يتقن عدة لغات أوروبية. وضمن هذه الترجمات إلى اللغة الروسية مؤلفات يوهان غوته وجورج بايرون وهاينرش هاينه وأندريه شينييه.
" الأمير سيربْرياني" رواية تاريخية تدور أحداثها خلال فترة الأوبريتشينا في عهد القيصر إيفان الرهيب . وقد نُشرت عام ١٨٦٢ في الأعداد ٨-١٠ من. مجلة "روسكي فيستنيك" ( البشير الروسي).. وصدرت الطبعة الأولى المنفصلة مع مقدمة المؤلف في عام ١٨٦٣. وتُعدّ هذه الرواية من أكثر الروايات التاريخية الروسية قراءةً، وأُعيد طبعها عشرات المرات. وهي تُمثّل علامة فارقة في تاريخ الرواية التاريخية الروسية، وتحديداً في مرحلة الكاتب الإنجليزي والتر سكوت المبكرة.
تبدأ أحداث الرواية بعودة القائد العسكري للقيصر، الأمير نيكيتا رومانوفيتش سيربْرياني، إلى الوطن من حرب ليفونيا في بلدان البلطيق على أثر فشل مفاوضات السلام. وبعد غياب استمر حوالي خمس سنوات يشهد الأمير قيام قوات الأوبريتشينا التابعة للقيصر، بقيادة ماتفي خومياك، بنهب وحرق قرية ميدفيديفكا. ويظن الأمير أنهم قطاع طرق، فيعاقب الجناة. وفي الطريق أيضاً يرى الأمير من حوله تدهوراً شاملًاً، وقسوةً، وظلماً هائلاً، نتيجةً ممارسات فرق الأوبريتشينا سيئة الذكر، التي تعيث في البلاد فساداً وقتلاً وتدميراً. فيُدرك أن ثمة خللاً ما في الدولة الروسية. ويشهد الأمير فظائع مُروّعة في بلاط إيفان الرهيب بضواحي موسكو(ألكساندروفسكايا سلوبودا). ورغم اشمئزازه الشديد من حاشية القيصر الإجرامية، بقيادة ماليوتا سكوراتوف، إلا أن الأمير يبقى وفياً للقيصر.
وعند وصوله إلى موسكو، يدرك أن سلطة القيصر إيفان فاسيليفتش مبنية على الخوف وإراقة الدماء، وأن شرفه وضميره السابقين قد استسلما للوشايات والإعدامات والفوضى.
يزور سيريرياني صديقه، البويار موروزوف، وزوجته إيلينا في موسكو. وكان الأمير قد اعتبر إيلينا بليشيفا خطيبته، ولكن خلال إقامته لخمس سنوات في الخارج، اضطرت لقبول عرض البويار العجوز لتجنب مغازلة فيازيمسكي، المقرب من القيصر. وبعد الزيارة، التي قام بها إلى منزله الأمير سيربرياني، تنتاب موروزوف الشكوك بصدد خيانة زوجته، فيُقيم "طقوس التقبيل" ليكتشف من هو الحبيب حقاً. ويُغمى على إيلينا عقب تقبيلها للامير.
ورغم تحذيرات أصدقائه، ظل الأمير سيربرياني وفياً لواجبه الوطني وقرر المثول أمام القيصر في مقر إقامته، ألكسندروفسكايا سلوبودا. وعند وصوله إلى القرية، شهد أهوال الأوبريتشينا. وخلال الولائم الصاخبة يتحول الموت إلى لعبة، ومشانق، وإعدامات. وعندما رأى ماتفي خومياك الأمير تذكر حادثة ميدفيديفكا، ومن جراء وشايته للقيصر، سُحب الأمير إلى الإعدام. ولكن سرعان ما تسنى لمكسيم الطيب إيقاف إعدامه وهو نجل زعيم الأوبريتشينا ماليوتا سكوراتوف. وفي هذه الأثناء، يستعيد القيصر رباطة جأشه وهدوءه ويعفو عن الأمير. إلا أن صراعاً جديداً ينشب في البلاط، إذ يقرر ماليوتا سكوراتوف قتل الشاب إيفان نجل القيصر، الذي يسخر من أصوله المتواضعة. فيقوم رجال الأوبريتشينا بخطفه، لكن سيريبرياني يتدخل وينقذه.
بعد أن نال نيكيتا رومانوفيتش احترام القيصر ونجله، يزور موروزوف مجدداً، حيث يلتقي بالمسؤول الكبير في قوات الأوبريتشينا أفاناسي فيازيمسكي، الذي، يقتحم ورجاله في تلك الليلة منزل موروزوف، ويختطفون إيلينا، ثم يشعلون النار.ويحاول الأمير إيقافهم، فيصيب فيازيمسكي بجروح خطيرة، لكنه يقع في الأسر. انزلق القيصر، الذي عذبته المخاوف والضمير، إلى هاوية الجنون. فصدّق افتراءات ماليوتا، وأمره بالتخلص من ولي العهد إيفان، الذي انضم إلى رجال مكسيم عازماً توجيههم لا للسرقة، وإنما للقتال ضد التتار. وفي المعركة، أظهر الأمير شجاعة ونبلاً حقيقيين، وانتصر، لكن مكسيم لقي حتفه في تلك المعركة.
وفي الغابة، يفقد فيازيمسكي قوته جراء الجروح التي ألحقها به سيربرياني، فتهرب إيلينا المختطفة وتجد نفسها عند الطاحون. حيث يقوم بمعالجتها الطحان، الذي يتضح أنه معالجٌ وساحر.
كان رينغ وكورشون، وهما لصان نبيلان أنقذا سيربرياني مراراً، ينشطان في الغابات. تشير الرواية إلى إنه بعد أن شهد الأمير فظائع الأوبريتشينا والصراع بين الشرف الشخصي والولاء للحاكم، من جهة، وبين الأخلاق المسيحية، من جهة أخرى، يصبح بطل الرواية، نيكيتا سيبرياني، الفارس المثالي الواقف في وجه مظاهر الفوضى والوحشية والاستبداد، التي ترمز إليها قوات الأوبريتشينا.
بعد سلسلة من المغامرات الجديدة، تتقاطع مسارات الشخصيات الرئيسية في ألكسندروفسكايا سلوبودا حيث تؤدي شكوك القيصر إلى إعدام موروزوف، وفيازيمسكي، وعائلة باسمانوف، وكورشون، والطحان، وآخرين. وقبل موته، يُدين موروزوف القيصر ويتنبأ بمصائب روسيا القادمة في ظل الأنظمة الاستبدادية. أما القيصر إيفان، فهو غير قادر على كبح جماحه، فيُدمر أفضل رجال دولته، لكنه يعجز عن تدمير عظمتهم الروحية.
يعود سيربرياني إلى القيصر مع فلول فرقته من قطاع الطرق، فيُعفى عنه ويُعين حاكماً لإحدى مناطق روسيا القديمة، لكنه يرفض عرض الانضمام إلى الحرس القيصري(الأوبريتشينا). ويأمل الأمير في لمّ شمله مع إيلينا، لكنه سرعان ما يعلم أنها التحقت بالدير بعد أن نذرت نفسها للرهبنة. وكان لقاؤهما الأخير وداعاً هادئاً لروحين طاهرتين فرّقتهما تقلبات القدر الدامية. وانطلق الأمير مع فصيله المحارب، ولم يجد عزاءً إلا في إدراكه لواجبه تجاه وطنه.
بعد سنوات عديدة، يصل مبعوثون من قبل الأتامان يرماك تيموفييف، الذي غزا خانية سيبيريا، إلى بلاط إيفان الرهيب، بقيادة النقيب إيفان كولتسو، الذي تعرف عليه القيصر المسن و"ذراعه اليمنى"، بوريس غودونوف، بأنه فانيوخا رينغ. وقد روى فانيوخا العديد من الحكايات العجيبة عن سيبيريا، ورفع كأساً تخليداً لذكرى الأمير سيربرياني، الذي لقي حتفه مع حاشيته قبل 17 عاماً في جيزدرا.
وبينما أشار البروفيسور فاسيلي كوليشوف إلى ضعف مشاهد الحب في الرواية والطابع الميلودرامي، إلا أنه أشاد عموماً بتولستوي كروائي حيث "حبكة الرواية مكتوبة ببراعة، وتتطور باهتمام درامي مثير، مع خيوط متشابكة من الدسائس والمؤامرات، وكل فصل، موجز في كلمة أو كلمتين، له موضوعه الكامل الخاص به ويساهم في السرد ككل" .
تعارضت آراء ألكسي تولستوي التاريخية الفلسفية تعارضاً مباشراً مع مفاهيم أنصار السلافية، الذين مجّدوا حقبة ما قبل عهد بطرس الأكبر. وخلال عمله على الرواية تحديداً، اتخذت هذه الأيديولوجية صيغتها النهائي واستحوذت على عقول العديد من المثقفين، بمن فيهم معارف المؤلف المقربون. فعلى النقيض من ذلك، يرى تولستوي أن حقبة موسكو في التاريخ الروسي، التي أعقبت تدمير مجلس مدينة نوفغورود الشعبي، هي "أحطّ حقبنا"، إذ تشبّعت بسموم "التترية". فقد استعار أمراء موسكو من الأورطة الذهبية المغولية أكثر أشكال الاستبداد ملاءمةً لأغراضهم، وحوّلوا الشعب الروسي إلى عبيد لهم. وكان لا يد أن يترك ذلك أثراً عميقاً في نفوس الروس عبر القرون.
في تصويرات ألكسي تولستوي لممارسات الحرس القيصري (الأوبريتشينا) الوحشية، كما هو الأمر في رواية "الشياطين" لدوستويفسكي، يجد المفسرون المعاصرون للرواية تنبؤاً بأهوال الشمولية. ففي تفسير تولستوي، قبل وصول البلاشفة إلى السلطة بزمن طويل، كانت السلطة العليا في روسيا قد "رغبت في تحقيق المساواة، ولكن ذلك النوع من المساواة الذي يسود بين سنابل القمح في حقل داسه الفرسان أو ضربه البَرَد" - وهذا ما أدى إلى مأساة زمن الاضطرابات. فإن الشر الذي ولّده وعي القيصر المريض، الذي خولط في عقله، ولعدم وجود أي إجراء مضاد جاد، يصيب كل من حوله: فإننا نرى في الرواية أن البويار(كبار القوم) يتخلون عن الشرف والكرامة، ويتسابق كل منهم من أجل البقاء والارتقاء على حساب رفاقه. وتتجسد أفكار الطاغية المريضة في صورة رجال الأوبريتشينا الشياطين، الذين يطلقهم على روسيا لإخضاع الجميع. وبينما يعذبون ويعدمون الناس الأبرياء، يصبح التشهير والوشاية أمراً شائعاً. و فضلاً عن ذلك فإن صورة الرعب، التي تصوّرها الرواية تنبئ، من نواحٍ عديدة، بقمع ستالين. وليس من قبيل المصادفة أن ستالين بالذات أمر بتبييض صورة إيفان الرهيب سينمائياً، وهو ما انعكس في فيلم المخرج السينمائي السوفيتي سيرجي ايزنشتاين.
تُصوّر رواية "الأمير سيربرياني" (1862) الممارسات الدموية للأوبريتشينا خلال عهد إيفان الرهيب. ويتمحور موضوعها الرئيسي حول الصراع بين الشرف والاستبداد. ويجسّد بطل الرواية، الأمير نيكيتا سيربرياني، مثال المحارب النبيل الذي يقف في وجه الفوضى والشر.. وتستكشف الرواية قضايا أخلاقية، وولاءً، وقيماً مسيحية في عصر الطغيان.
تُعدّ هذه الرواية التاريخية الكلاسيكية سرداً لأحداث الأوبريتشينا. ولا يركز تولستوي على الحقائق فحسب، بل يتناول أيضاً الجوانب النفسية لتلك الحقبة، مُصوّراً جواً يسوده الخوف والإفلات من العقاب.
في الرواية يُظهر الكاتب القيصر إيفان الرهيب كحاكم متناقض ومستبد، يُعاني من جنون الارتياب. كما يُصوَّر الأوبريتشينا (ماليوتا سكوراتوف وفيازيمسكي) كتجسيدٍ للقسوة والوحشية. أما الأمير نيكيتا سيربرياني فهو قائد عسكري نزيه يعود من بلاد البلطيق ليواجه أهوال الأوبريتشينا ويقود صراعاً صراعاً من أجل السعادة الشخصية (إيلينا موروزوفا) والعدالة.
يُقارن تولستوي بين مسارين:- خدمة الخير والشرف (سيربرياني) أو خدمة الشر بوعيٍ من أجل الربح (باسمانوف). وتتخلل الرواية مواضيع العناية الإلهية، والخطيئة، ويوم القيامة، وضرورة إدانة الأحكام الجائرة.. وتتناول أيضاً كيفية حفاظ المرء على إنسانيته في ظل الفوضى وانهيار القيم الأخلاقية.
يصور الكاتب القيصر إيفان الرهيب كشخصية متناقضة. فهو حاكم قاس للغاية وماكر جداً لكنه، في الوقت نفسه، قادر على إظهار الرحمة. وتُعيد الرواية بدقة تصوير الحياة اليومية والعادات والفلكلور وأجواء القرن السادس عشر في روسيا.
يكشف تولستوي في روايته عن أصول الاستبداد وعواقبه، فضلاً عن الاختيار بين الولاء الشخصي للحاكم ومقاومة الشر المتجسد بصورة رئيسية في ممارسات الأوبروتشينا البربرية.
تتميز رواية "الأمير سيربرياني" ببنية خطية كلاسيكية. ومن بين أساليب الكتابة الشائعة فيها الاستطرادات الأدبية، حيث يكشف تولستوي عن الحالة النفسية للشخصيات أو يروي أحداثاً خارج الحبكة الرئيسية. و تركز الرواية على بطل واحد فقط؛ ففي بعض الأحيان، يحوّل الكاتب انتباه القارئ إلى شخصيات أخرى، مما يتيح له فهم الأحداث بشكل أفضل.
يتمثل الصراع الأساسي في رواية "الأمير سيربراياني" في نضال رجل واحد ضد نظام اجتماعي جائر. ومع ذلك، ومن سمات الرواية المميزة، غياب الشخصيات المعادية بشكل واضح. فلكل شخصية معادية جانب إيجابي.
سُميت الرواية على اسم بطلها، الأمير نيكيتا رومانوفتش سيربراياني. وهذا ما يُمكّن الكاتب من تحديد الشخصية المحورية في العمل فوراً . وكعادة الروايات، تُشير صورة الأمير سيربْراياني إلى شخصية الأمير نيكيتا رومانوفيتش شبه الأسطورية، الذي أصبح في الفلكلور الروسي مدافعاً صادقاً عن العدالة. وهكذا، يُجسّد العنوان المُثل التي يتمسك بها البطل.
يصوَّر تولستوي الحب في الرواية على أنه مصدرٌ للألم والمعاناة. فحب إيلينا المتزوجة لنيكيتا سيربرياني يُعذِّب فتاةً وجدت للتوّ السلام في حياتها الأسرية. أما فيازيمسكي، فيُحوِّله حبه الجامح لإيلينا إلى وغدٍ وشرير. ويُبيِّن الكاتب بأنه في أغلب الأحيان لا يجد الحب الحقيقي مكاناً له في هذا العالم القاسي.
يكشف تولستوي عن تناقضات روسيا في تلك الحقبة التاريخية وتنوعها، باعتبارها مزيجاً من الصفات الإيجابية والسلبية. لقد رسم الكاتب مجموعةً من الصور المتناقضة والنابضة بالحياة التي ستبقى محفورةً في الذاكرة إلى الأبد. لا يسع المرء إلا أن يشعر بالرعب من الفظائع التي اجتاحت البلاد، ولكن في الوقت نفسه، لا يسعه إلا أن يُعجب بصمود ونبل أشخاصٍ مثل الأمير سيربرياني ودروجينا أندرييفيتش وغيرهما، من الذين عاشوا بصدقٍ وفقاً لتعاليم أجدادهم وخدموا الوطن والشعب.
يعيش شعب رواية "الأمير سيربرياني" معاناةً شديدة، من جراء ممارسات حاكمهم المستبد الوحشية. ومع ذلك، فإن تولستوي لا يُصوَّر الشعب الروسي كعبيد ضعفاء الإرادة يستسلمون للقدر. بل على العكس، فقد نفد صبر عامة الناس، وهم على استعداد للتخلي عن كل شيء والنضال من أجل حقوقهم، كما فعل اللصوص أو الصبي ميتكا. ومن المشاهد الدالة على ذلك، محاولة إيفان الرهيب، أثناء الإعدام، ضرب الرجل المقدس الذي كان يوبخه. فيثور الشعب، الذي كان صامتاً، في عاصفة من السخط والغضب، تُخيف حتى الطاغية القاسي إيفان الرهيب. ويطغى موضوع قلق الكاتب على مصير بلاده على العمل بأكمله. ولا يقتصر ذلك على القيصرية الروسية في القرن السادس عشر، بل على رفاهية الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر، التي اعتقد أنها تعاني هي الأخرى من طغيانٍ وحشي يقود البلاد المهمشة الصامتة إلى الهاوية.
. ويُظهر تولستوي كيف يعاني عامة الشعب الغارقين في الفقر، بينما يقضي القيصر وحاشيته أوقاتهم في الولائم والاحتفالات، غير مكترثين بظلم هذا الوضع. ومع ذلك، يُبيّن الكاتب أنه على الرغم من عدم المساواة المادية، لم ينقسم المجتمع بعد إلى فصيلين متناحرين. لذلك، يجد البويار موروزوف والقائد العسكري سيربرياني، المدافعان عن العدالة والباحثان عن مصلحة البلاد، أرضية مشتركة مع عامة الشعب الذين يسعون إلى تحقيق نفس الغاية.
كما يصور الكاتب يُصوَّر الأوبريتشينا في الرواية بصورة سلبية تماماً. فهم أوغاد وقحون وجشعون وجهلة لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية، ولن يتوانوا عن فعل أي شيء لتحقيقها. ويرى الكاتب أن الأوبريتشينا يجسدون الاستبداد الذي تنحدر إليه السلطة القيصرية.
على الرغم من أن تولستوي لا يُبدي معارضة مباشرة للنظام الملكي، إلا أنه يستخدم إيفان الرهيب كمثال ليُبين لنا ما يحدث عندما يبدأ الحاكم في الانقياد لأهوائه الشخصية بدلًا من الصالح العام والقوانين. ويرى الكاتب أن القانون والعدالة يجب أن يكونا في المقام الأول للحاكم النزيه.
تُعدّ رواية "الأمير سيربرياني" صورةً بديعةً وواضحةً للحياة بروسيا في القرن السادس عشر، وقد كان لها أثرٌ بالغٌ على جمهور القراء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعلى مرّ العصور شكّلت نظرة الناس إلى عهد إيفان الرهيب، ولا تزال هذه النظرة حاضرةً في كثير من جوانبها حتى اليوم، كعهد استبداد وطغيان. رسالة "الأمير سيربرياني" هي دعوةٌ للشعب الروسي في كل زمان: عليه أن يحافظ على كرامته وأن يرفع صوته ضد الظلم، حتى وإن بدت حرب الحرية محكوماً عليها بالفشل. فالنضال من أجل الحقوق هو السبيل الوحيد لتحسين الأوضاع، إن لم يكن ذلك فورياً، فعلى المدى البعيد.
في كتاباته عن القرن السادس عشر، تأمّل ألكسي تولستوي أيضاً روسيا التي عاش فيها، وناقش مشاكلها، وأعرب عن قلقه على مصيرها.و إنّ سرد أحداث ذلك القرن ليس إلا شكلاً من أشكال التعبير عن فكرةٍ لم يكن من الممكن التعبير عنها مباشرةً في القرن التاسع عشر. ويتمحور موضوع الرواية حول تدهور النظام الملكي كشكل من أشكال الحكم. فهو يتحول إلى استبداد ويدمر البلاد بمجرد أن يتولى شخص قاسٍ وقصير النظر العرش، وهو أمر تكرر مراراً عبر التاريخ.
تقدم لنا رواية "الأمير الفضي" مثالًا للشخص النبيل حقاً. إنها تدفعنا إلى التأمل في أهمية التمسك بالقانون والعدالة في أي ظرف، والتفكير في الصالح العام، وعدم السعي وراء المكاسب الشخصية.و يُبيّن الكاتب أن هذا المسار لن يجلب السعادة أو التقدير، وأنه سيكون شاقاً، ومن المرجح أن ينتهي بمأساة، لكن هذه الحياة تحديداً، المكرسة لخدمة المثل العليا، هي التي، في رأيه، تُضفي قيمة على الوجود الإنساني. هذه هي العبرة من الرواية .
يعكس إرث ألكسي تولستوي الأدبي بوضوح نفسية الشعب الروسي في عصر إيفان الرهيب. فالكاتب مقتنع بأنه لا يمكن لأي نظام أو قانون أن يُنشئ مجتمعاً عادلاً ما لم يكن الناس مستعدين للتضحية بأنفسهم لتحقيق تلك العدالة.
490 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع