أيام زمان الجزء ٦٨ - الحمامات

أيام زمان الجزء ٦٨ - الحمامات

تعود ظاهرة(الحمامات) عبر التاريخ لأسباب خدمية اضطلعت بها مفردات العمائر في الحياة الحضرية، وتعود جذور الأمر إلى أزمنة قديمة ويرجعها الباحثون إلى بابل، أو قبلها في العراق القديم. وأقتبسها اليونان ثم تلاهم الرومان إبان حقب التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب، بيد أن الأمر نسب تباعا للرومان من ضمن حيثيات المبالغات والمغالطات التي دسها الغرب في مدونات التاريخ.

الحمامات العامة مفردها حمّام ويسمى الدُّيماس أيضاً، يعتبر الحمام العام من الوسائل التي يستخدمه الإنسان عموماً، ووسيلة أساسية عند المسلمين حتى يتمكن من خلاله تأدية واجباته الدينية، وهذا ما يفسر رغبة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور في بناء المساجد والحمامات معاً، وكانت مقترنة بحقول النشاط العام، حيث أنها احتلت مكاناً مهماً في حياة البغداديين اليومية، لكون الحمامات العامة تعتبر مكاناً اجتماعيا يجمع أبناء المحلات المتقاربة، وتتميز بفوائد عديدة إضافة على الاغتسال والنظافة، فهي تعد منتجعاً للترفيه والطبابة والتعارف والاسترخاء وحتى الغناء.
وضع أبو الفضل الدمشقي مواصفات لأفضل الحمامات، كأن تتوسط المدينة، وأن تكون مصارف الماء فيها واسعة مستقلة، وأن تكون بيوتها متوسطة مكتنزة، وفي إعلان عن جودة أحد الحمامات، ذكر أنه ساخن واسع الأبواب، وكان أصحاب الحمامات يتنافسون، ويستخدمون الشعراء في إعلانهم، ووصف حمام بوران في بغداد بأنه حمام جيد ويقبل عليه الزبائن ويغل غلة جيدة. وذكر الشيزري أن خير الحمامات ما قدم بناؤه واتسع هواؤه وعذب ماؤه، وقدَّر الوقاد وقاده بقدر مزاج من أراد وروده، واعلم أن الفعل الحقيقي للحمام هو التسخين بهوائه والترطيب بمائه، وقد أُعجب ابن بطوطة بحمامات بغداد الكثيرة ومواصفاتها، فذكر أنها من أبدع الحمامات، وأكثرها مطلي بالقار، حيث يخيل لرائيه أنه رخام أسود، وفي كل حمام منها خلوات كثيرة مفروشة بالقار، مطلي نصف حائطها مما يلي الأرض به والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض. وفي داخل كل خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبتان، إحداهما تجري بالماء البارد، فيدخل الإنسان الخلوة فيها منفرداً لا يشاركه أحد إلا إذا أراد اصطحاب أحد معه، وكان في كل خلوة حوض آخر للاغتسال فيه أنبوبتان تجريان بالماء الحار والبارد. ويبدو أن فرش الحمامات بالرخام كان شائعاً. وشيدت الحمامات على نظام يضمن للمستحم عدم تعرضه للإيذاء بالانتقال السريع من البرد إلى الحر أو العكس، فقد كانت تشمل على عدة بيوت أولها مبرد مرطب، وثانيها مسخن، والثالث مسخن مجفف.
قدرها المؤرخ اليعقوبي في القرن الثالث الهجري (955م)، عشرة آلاف حمّام في بغداد وحدها، وبدأت بالتناقض حتى وصل عددها في القرن السادس الهجري إلى الفي حمّام فقط!

وكلمة (حمّام) أصلها (حمّى) باللغة العربية وتعني الحرارة المفرطة، وقد وردت بصيغة (حمّام تركي) لدى البعض على الرغم من أن الأتراك لم يستخدموا الحمّامات، عندما كانوا بدواً في موطنهم الأصلي بآسيا الوسطى، لكنهم استخدموها بعد دخولهم إلى الإسلام.

وأصبح الحمّام في بغداد جزءاً من الحياة البغدادية منذ أقدم العصور، وفي أواخر العهد العثماني وبداية الاحتلال البريطاني لبغداد عام 1916 فإن الحمّامات البغدادية كانت جزءاً من حياة (البغداديين) الحافلة بالمعتقدات والعادات الشعبية والحكايات، إذ لم يوجد بغدادي في بداية القرن الماضي ليس له حمّامه العام، الذي كان يرتاده قبل أن تصبح شيئا من الماضي، لأن بيوت البغداديين أيام زمان نادراً ما تجد فيها حمّاماً خاصاً إلا عند الموسرين منهم الذين بنوا القصور والمنازل الحديثة.

تتكون اغلب الحمّامات من ثلاثة أقسام، الأول (المنزع) أو حوش الحمّام، أول ما يدخل اليه الزبون حيث يجلس على (لوج) مرتفع في مدخله، وحوله أشبه بالرفوف فيها المناشف والصابون ومستلزمات الحمام الأخرى، وتحيط بالمكان (دكة) مفروشة بالحصير والبسط، يجلس عليها الزبائن ويضع كل واحد منهم (بقجة) فيها أغراضه وملابسه ويشرع في نزع ملابسه، ويتقدم منه عامل الحمام ليعطيه (الوزرة) أو ما يسمى بالعامية (البشطمال) لكي يلف جسده بها كما يعطيه قبقاباَ خشبياَ يضع قدميه فيه.

بعدها يتجه الزبون إلى (قسم التعرق) وهو قاعة ثانية بدرجة حرارة مناسبة، تفصله عن الأولى ستارة من قماش سميك وفي وسطها (دكة)، يتمدد عليها الزبون لكي يتعرق، وإذا أراد المستحم (مدلكجي) فطلبه موجود حتماً. بعد فترة زمنية قصيرة يتجه الزبون إلى قاعة الاغتسال التي هي قلب الحمام الساخن، حيث تتصاعد الحرارة العالية مع بخارها، وهي قاعة مستطيلة أو دائرية حولها أحواض الغسل وفي كل حوض حنفيتان، واحدة للماء الحار والأخرى للماء البارد مع (طاستين) نحاسيتين.
وغالبا ما يشترك اكثر من شخص في حوض واحد، وهنا يقوم (المدلكجي) بغسل جسم الزبون بالليفة والصابون مرتين أو ثلاث مرات، وحين ينتهي الزبون من الاغتسال يطرق بـ (طاسة) النحاس على حافة الحوض لكي ينبه عامل الحمّام بأنه جاهز للخروج ويريد مناشف، ثم يخرج إلى مدخل المنطقة الوسطى (التعرق) ليجد العامل بانتظاره حاملا له المناشف النظيفة، ثم يقدم له شاي الدارسين، وبعد فترة (تنشيف) يرتدي ملابسه النظيفة ويلف ملابسه الوسخة في (البقجة) التي معه ويقوم بدفع أجرة الحمام وإكراميات (المدلكجي) وعامل الحمّام و(الجايجي).
وما يثير الدهشة ان وقود تلك الحمّامات كان (روث الحمير)! اذ كان يوجد الى جوار كل حمّام (تلّ) من روث الحمير يشترونه من (النكاكيب) وهم باعة الطابوق والجص والقصب والحصران، ولهؤلاء الباعة عدد من الحمير فإذا (روثت) حملوا الروث إلى الحمامات وباعوها لأصحابها، وينشأ من هذا الروث بعد إحراقه لتسخين ماء الحمام نوع من الرماد شديد الزرقة كان أصحاب الحمّامات يبيعونه لبائعي المواد الإنشائية الذين يخلطونه بالنورة فينشأ منه ما هو اشد قوة من السمنت.

واذا ذكر حمّام الرجال فلا بد ان يذكر (حمّام النسوان) الذي اشتهر في الامثال الشعبية كمكان يضج بالاحاديث الصاخبة للمستحمات ولا يفهم منه شيء.
وحمّام النساء هو نفسه حمام الرجال إلا أن ذلك الحمام يترك نهاراً لاستحمام النساء ويعمل ليلاً في خدمة الرجال المستحمين.
تقول الحاجة (ام سمية): كان يوم الذهاب الى الحمام يوم (كسلة) بالنسبة للمرأة، تصطحب معها (الركية) وهي اناء دائري مضلع على شكل (اشياف) الرقي مصنوع من (الصفر) أي النحاس، وله غطاء وتستخدمه لحفظ التجهيزات الخاصة بها مثل (الديرم وسبداج الوجه وكيس الحمام والليفة والصابونة ومشط الخشب والحجارة السوداء.

وعلى ذكر المثل (اذا ضاق خلكك اتذكر ايام عرسك) تستذكر الحاجة ام سمية التي جاوزت عقدها السابع من العمر احلى ايام عمرها، وتقول ان العروس كانت تأتي الى الحمّام برفقة صاحباتها فيتحول المكان الى احتفال تتعالى فيه الزغاريد والاغاني حيث تكون (طاسات الصفر)، في مقدمة آلات العزف المصاحبة للغناء! وتضيف ان بعض النسوة المستحمات يقضين معظم النهار في الحمّام، لذلك تراهن يستحضرن جميع ما يلزمهن من الطعام مثل الكباب والكبة وخبز العروك والفواكه خصوصاً النومي حلو ولا يرجعن الى بيوتهن الا عصراً، وذلك تنفيساً لبقائهن في بيوتهن شهراً كاملاً او اكثر لا يخرجن منه الا للجيران او الاقرباء!
وللبغداديين قصص طريفة عن ايام طفولتهم وهم في سن الخامسة أو السادسة من العمر حين كانوا يذهبون مع امهاتهم الى (حمّام النسوان) وبعضهم لا يسمح له بالدخول برغم ان عمره كان دون السابعة لاعتقاد بعض النسوة ان هؤلاء الاطفال قد يسترقون (النظر المحرم) لان عيونهم ربما تزيغ هنا او هناك بقصد او بدون قصد!
وللعرسان حكايات لا تنسى، اذ كان العرس في بغداد يبدأ من الحمّام حيث تبدأ مراسيمه بالنسبة للعريس من ساعة أخذه للحمّام مع مجموعة من اصدقائه المقربين الذين يدفعون اجور (الحمّام) تكريماً له، وبعد ان يتم (غسله وتوضيبه) يخرجون به الى الزفة في ليلة الدخلة!

ويبدو ان نوري السعيد كان من رواد احد حمّامات بغداد في منطقة الحيدرخانة، حسب قول الحاج رجب رشيد الذي كان يسكن في بيت العائلة قرب الحمّام، ويشير الى ان (الباشا) كان يصحب مرافقه (الشرطي) الذي يحمل (بقجة) ملابس اشهر رئيس وزراء عراقي وهما يدخلان الى الحمّام!
واذا تحدثنا عن اشهر حمّامات الكرخ، فلا بد ان نذكر (حمّام شامي) الذي يعود تأريخ انشائه الى القرن السادس عشر الميلادي ويقع في علاوي الشيخ صندل و(حمّام ايوب يتيم) و(حمّام الجسر) ويقع بجوار (مشهد بنات الحسن) و(حمّام الجعيفر) في الكرخ.
أما في الرصافة فأشهرها (حمّام حيدر) بقسميه الرجالي والنسائي، و(حمّام الشورجة)، و(حمّام بنجه علي)، مقابل سوق الصفافير ، و(حمّام كجو) في باب الأغا، و(حمّام الباشا) قرب سوق الهرج، و(حمّام المالح) الذي سميت المحلة باسمه، و(حمّام الكهية)، و(حمّام يونس) في محلة الميدان قرب باب المعظم، و(حمّام عيفان)، و(حمّام القاضي) بجانب المحكمة الشرعية، وأكثر رواده من تجار بغداد ويتميز بنظافة المكان وأناقة (المنزع)، و(حمّام السيد)، و(حمّام الراعي) يقع في محلة باب الشيخ، و(حمّام السيد يحيى) في محلة سوق الغزل في سوق العطّارين، و(حمّام كيجه جيلر)، و(حمّام بكتاش خان) وغيرها من الحمّامات التي اختفت من بغداد الان.
وبعض الحمّامات تكاد تكون خاصة لمستحمين لا يتردد غيرهم عليها ومنها التي لا تسع أكثر من أربعة أشخاص وهي تقع داخل البيوت. واخذت حمّامات بغداد حيزاً كبيراً من الذاكرة الشعبية البغدادية، ويكاد المؤرخ يجزم بأن لا أحد من البغداديين من لم يدخل (حمّام السوق) كما يطلق عليه اليوم. ولا يوجد حمّام من حمّامات بغداد له طقوس تختلف عن غيره، لكن طباع البغداديين تكون مختلفة عموماً، فكل واحد يريد الحمّام على مزاجه ومرامه، لذلك يختار البغدادي حمّامه الخاص ومقهاه الخاصة وصحيفته المفضلة وحزبه وزعيمه الخاص به وشيخه الذي يفضله على الآخرين، وفي الحمّام لابد للمستحم أن يختار مدلكه ولا يحيد عنه!
المصدر/ بغداديات عزيز الحجية ، مواقع التواصل الاجتماعي

للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:

https://algardenia.com/mochtaratt/71034-2026-03-18-08-33-30.html

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

736 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع