
ودع الياسين
الثورة النفسية
الثورة النفسية كمفهوم تداولته عدة مدارس فكرية و فلسفية و في سياقات مختلفة ، يرتبط هذا المفهوم العميق بتغيير مفاهيم الوعي و تحرر الفرد من القيود و الموروثات السلبية .
و أن تطبيقه في الحياة ، يعني أن لا تقلد و أنما تكتشف الحقيقة بنفسك و هذا لا يتحقق إلا مع الحرية و عندما يكون في داخلك ثورة مستمرة
أثارت اهتمامي هذه الفلسفة العميقة و بالأخص ماتحدث عنه الفيلسوف و الكاتب و المعلم الروحي الشهير الهندي جيدو كريشنامورتي المولود عام 1895 في بلدة صغيرة تُدعى مادانابالي الواقعة في ولاية أندرا براديش بجنوب الهند، في عهد الهند البريطانية. توفى عام 1986 عن عمر يناهز 90 عام في مقر إقامته بمدينة أوجاي في ولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية .
و أسس مدارس في الهند و إنجلترا و أمريكا تقوم على فلسفة تعليمية فريدة ،و حائز على ميدالية السلام للأمم المتحدة عام 1985 أو 1984،و ترك إرثا ضخما من المؤلفات تعتبر مثيرة للجدل .
لم ينتمِ جدو كريشنامورتي إلى أي ديانة، بل قضى حياته يرفض التصنيف الديني والمذهبي بكافة أشكاله لكن في سابق عهده كان هندوسي و لم يكن ملحدا ولا مؤمنا بالمعنى التقليدي و لا يسعى إلى إنكار وجود الله أو تأكيده ، هو ضد فكرة القالب أي وضع الأمور بقوالب جاهزة .
موقفه الجوهري هو دعوة الفرد لاكتشاف الحقيقة بنفسه بعيد عن أي سلطة أو عقيدة .فلسفته قائمة على تحقيق الحرية النفسية الكاملة لجميع الأفراد و التحرر من القيود الفكرية و المخاوف و التعلق العاطفي الذي يسبب المعاناة .
و يقول أن الأزمة الحقيقية هي أزمة الوعي و الثورة الحقيقية هي ثورة الوعي ، و تحدث عن الأزمة معبر عنها هي ليس سياسية أو اقتصادية ولا أزمة حرب و أنما داخل انفسنا و يدعوا لأكتشاف الحق و الباطل في ذات البيئة بكل ما فيها من قهر و وحشية.
و تعد تأملات جدو كريشنامورتي ثورة حقيقية في عالم الروحانيات فهو يرفض التأمل المنظم، و من منظوره يعتقد أن التأمل الحقيقي هو حالة عفوية تنشأ حين يكون العقل صامت ، حر ، منتبه للحظة و في حالة يقضة مستمرة مصحوبا بمراقبة الذات دون إصدار احكام و تحرير للعقل من قيود الماضي و الزمن ، و أن بساطة الروح من أعظم الاشياء و من أصعب ما يمكن بلوغه لكي تكون بسيطا يجب أن تمتلك تجربة كبيرة .
و يعتقد ايضا أن أعلى درجات الذكاء هي قدرتك على مراقبة الافكار ، المشاعر ، المخاوف كما هي دون إصدار احكام و دون محاولة تغيرها فقط المراقبة بوعي تبدأ بالتلاشي ، و أن الفهم العميق للذات ينشأ من خلال التأمل الحقيقي ، بدوره يؤدي إلى تغيير جذري في طبيعة علاقة الفرد بالآخر و ينهي الصراع و الظلم .
و يمكن تلخيص الثورة النفسية للفيلسوف جدو كريشنامورتي و التي ركزت على طبيعة العقل و التأمل و العلاقات البشرية و احداث التغيير الايجابي بالمجتمع و الاستمرارية .
أن المجتمع متكون من تفاعل أفراد ، و التغيير الجذري للمجتمع لا يحدث إلا من خلال تغير لكن مشروط بحرية مطلقة في داخل الأفراد و أكد باستمرار الحاجة إلى ثورة في نفسية كل فرد و أن مثل هكذا ثورة لا يمكن أن تأتي من قبل أي كيان خارجي ديني أو سياسي أو اجتماعي .
و ذكر أيضا أننا جميعًا بشر قبل كل شيء، و لسنا هندوس أو مسلمين أو مسيحيين، وأننا مثل بقية البشرية، و لا نختلف عن بعضنا البعض . ودعا إلى أن نتعامل مع هذه الأرض برفق، دون أن ندمر أنفسنا أو البيئة.
ومن الضروري التطرق إليه أن منظوره الفلسفي لا يسعى إلى إنكار وجود الله أو تأكيده بشكل قاطع، بل إلى التشكيك في المعتقدات الراسخة و تشجيع الاستكشاف و التأمل الذاتي و التحرر من القيود التي يفرضها العقل المشروط.
و المفكرون المسلمين البعض منهم يتقبل أفكار كريشنامورتي حول الوعي الداخلي ،اليقظة الذهنية و التحرر من الموروثات الاجتماعية الخاطئة يستفيدون منها كأدوات لتطوير الذات دون تبني خلفيته الفلسفية بالكامل.
و هنا أقف عند هذا النص وادعوا للتأمل بوعي و عمق هذه الفلسفة التي تلامس جوهر الحب الغير مشروط دون مصلحة سد النقص الداخلي .
"هل تدري ما يعنيه أن تحب أحدهم؟
هل تدري معنى أن تحب شجرة، أو عصفورا، أو حيوانا أليفا، بحيث تعتني به، تغذيه، ترعاه، مع أنه قد لا يعطيك شيئا في المقابل ،مع أنها قد لا تقدم لك الظل ،مع أنه قد لا يتبعك، أو يتكل عليك؟
أغلبنا لا يحب على ذلك النحو، و نحن لا نعرف ما يعنيه ذلك بتاتا لأن حبنا مطوق دوما بالقلق، بالغيرة، بالخوف….
ما مضمونه أننا نتكل داخليا على سوانا، نريد أن نكون محبوبين. نحن لا نحب و حسب، و نكتفي بذلك، بل نطلب شيئا لقاءه؛ و بمجرد أن نطلب نصير متكلين."
و ملخص جوهر فكر جدو كريشنامورتي في عبارة قصيرة شهيرة
"الحقيقة أرض بلا طريق".

666 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع