"رمضان زمان ذكريات لا تنسى وحنين للماضي لا تزال عالقة في الوجدان"

"رمضان زمان ذكريات لا تنسى وحنين للماضي لا تزال عالقة في الوجدان"

ما تكاد تتحدث عن رمضان في بغداد ومناطقها، فانك تتحدث مزيج ساحر من الروحانيات والعادات الأصيلة بطقوسها الدينية والاجتماعية والثقافية، رمضان شهر تتعاظم فيه الذكريات، ذكريات لا تنسى، وبأيام حفرت في الذاكرة نقوشا استصعب على السنين محوها أو إزالتها، خاصة الذين ينتمون إلى فترة السبعينات وثمانينات القرن الماضي ولنا فيها ومعها ذكريات عظيمة وممتعة، لنرى كيف أحيا البغداديون هذا الشهر الكريم؟، وكيف كانوا يتسامرون في لياليه المباركة؟.

تبدأ نسائم شهر رمضان بمجرد أن ينتصف شهر شعبان، فكانت الشوارع والمحال والازقة تتزين، والمنازل تتزين بطلاء جدرانها وتنظيفها، والمصابيح تضيء جوامعه مساجده وازقته، ويبدأ الباعة الموسميين في بناء موقع تجارتهم، ويبدأ الناس يقومون بالتسوق من الشورجة لشراء نواع البهارات والفاكهة المجفَّفة والمكسرات والحبوب والعدس، والمحلات التجارية التي تبيع العصائر، او من الأسواق الشعبية في الكرخ والرصافة، وتمتلئ الشوارع والازقة بباعة الحلوى والمشروبات الرمضانية.
تستقبل بغداد شهر رمضان بروحانياته الخالصة، المميزة بالأصوات والألوان المبهجة، والروائح العطرة بالأغاني الخاصة برمضان والتواشيح والابتهالات التي تنطلق من إذاعة وتلفزيون بغداد، والتي لا تزال عالقة في الأذهان مهما غيبتها.

لحظات رمضان جميلة دائماً حيث الاستعداد للإفطار بمجرد سماع صوت المدفع، والذي يعود إلى العصر العثماني، حيث كان يُستخدَم هذا المدفعُ لتنبيه أهل بغداد بموعد الإفطار، وذلك بإطلاق إطلاقة صوتية في الهواء، وكان السبب في استخدام المدفع هو انعدام الإذاعات ووسائل الإعلام آنذاك، وبقي هذا المدفعُ إلى يومنا هذا تقليدًا يأتينا من إذاعة و تلفزيون العراق، ولأنه يحمل الكثير من المعاني الإنسانية والتأريخية باعتبار انه اصبح تقليدا رمضانيا وان دويه يدخل الفرح الى قلوب الصائمين قبل موعد الافطار..

اما موعد الافطار فله مذاق خاص بالحب والصدق وبالأخص لمة العائلة على مائدة الإفطار، تتميز مائدة فطور رمضان في العراق بالتنوع والثراء، حيث تبدأ بالتمر واللبن او عصير زبيب او عصير تمر هندي او شراب نومي بصرة والشوربة (خاصة العدس)، تليها أطباق رئيسية دسمة كالدولمة، البرياني، القوزي، التشاريب، المشويات، بالإضافة الى أنواع الكبب..

وتختتم بالحلويات كالزلابيا والبقلاوة او زنود الست، وكانت الجيرة يتبادلون الطعام وكأنها اسرة واحدة والجميع يعيش سيمفونية حب، وكانت حالة الرضا تحيل حياة الجميع الى جنة، بعكس ما هو حاصل اليوم حيث تغيرت فيه الكثير من العادات القديمة، وأصبح الناس مُنكفئين على أنفسهم بفعل التكنولوجيا والتطور، وانتشار الانترنيت التي باتت تعيق العلاقات الاجتماعية الطيبة، فوسائل التواصل الاجتماعي كان لها الأثر الأكبر في تبدد تلك التفاصيل الدقيقة في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد من خلال تلك الزيارات التي كانت تتم بين الأهل والأصحاب بعد الإفطار لنتشارك معهم تلك الأجواء والطقوس الروحانية والتي استغنى عنها ببعض من الرسائل الإلكترونية القصيرة التي نتبادل بها الحديث معهم عن أجواء رمضان ومشقة الصيام وموائد الإفطار وماذا نعدد لها.
يكثر الناس بالعبادات وتمتلئ الجوامع والمساجد بالمصلين ومنهم الشرابة الذين يمتنعون عن شرب الخمر في هذا الشهر الكريم لتأدية صلاة العشاء والتراويح، لا يفوّت البغداديون فرصة الفرح، حتى أنهم يحولون شهر رمضان إلى سهرات ولقاءات ينسون خلالها عناء الصيام وتعب يوم كامل، ينطلق الرجال والشباب ومن جميع المستويات الاجتماعية والثقافية يجمعهم حب التراث وروح التقاليد وأجواء الألفة الى المقاهي الشعبية والحديثة التي تنتعش في شهر رمضان، وتتحول الى مراكز اجتماعية نابضة بالحياة، تلك السعادة التي كانت تلامسنا بصحبة الأخوة والأصدقاء في ليالي السحر كمتنفس للسمر وتبادل الاحاديث المختلفة التي تختلط بدخان السكائر او النركيلا الى السحور،

وبعض من المقاهي تمارس فيها لعبة "المحيبس" التي تضم فريقين من الرجال، يقوم أحد أفراد الفريق الأول بإخفاء خاتم بإحدى يديه، فيمد جميع أفراد الفريق أيديهم مقبوضة، ليحزر أحد أعضاء الفريق الآخر في أي يد يوجد الخاتم، فإن نجح في ذلك أخذ الخاتم لفريقه ليقوموا بنفس العملية، ترافق اللعبة الأهازيج والأغاني الشعبية لبث الحماس بين الفرق، فهي لعبة تأخذ من الوقت الكثير وتحتاج التأني من لاعبيها، والخاسر يوزع اما البقلاوة او الزلابيا ونحو ذلك ، ويكون اللعب بالتعاقب بين المحلات السكنية مع الفريق الفائز، لا يمر رمضان الا وشخصية إبراهيم عرب تكون حاضرة في مقاهي بغداد والاعظمية، ننقل احدى القصص التي ذكرها المرحوم فخري الزبيدي مع أبو رحومي(ابراهيم عرب) في مذكرتاه:
في أحد ايام رمضان الكريم كنا مجموعة من الأصدقاء جالسين بعد الإفطار مع المرحوم ابراهيم عرب انسولف عن الأيام الجميلة والذكريات الحلوة وكيف كان رمضان ايام زمان ولعب المحيبس فقال إبراهيم:
- هو رمضان هسه مثل رمضان كبل!!!
- جاوبته يمعود ابو رحومي رمضان هو رمضان، هسه والا كبل اشيفرق!
- لا يابه لا رمضان كبل شكل وهسه شكل... الناس جانت طيبة وال كلوب چبيرة والدنيه غير دنيه والبشر غير بشر والسمه صافية تدري كبل الكمر ابرمضان چان يطلع 30 يوم بدر وميغيب.
- سألتهُ اشلون چنتو اتلعبون المحيبس؟
- كال چنت أ كعد بالليل وره صلاة التراويح آني والجماعة على الشط بصوب الأعظمية والله يرحمه أسطه عبد الله الخياط وجماعته (أحد أشهر الفكهين في بغداد حينها) ي كعد كبالنه بصوب الكاظمية.
- اي أبو رحومي واشلون تلعبون
- - جماعة أبو نجم (أسطه عبد الله الخياط) اثنين يلزمون البطانية ويبيتون المحبس، اصعد آني على صخرة عالية من صوب المعظم وأباوع عليهم واصيح افرز إ كعد إنت أبو الصاية طك أبو العرقچين اكعد انت ابو اليشماغ، ابو زبون البته جيبه من اليسرة وتشتغل الهلاهل والتصفيك.
- زين أبو رحومي اشلون اتجيب المحبس من ذاك الصوب!
- البلم موجود وآخذ فانوس لوكس ويايه واعبر الذاك الصوب واجيبه.
- ابو رحومي الفانوس شتسوي بيه، الدنيه كمره وضويه انته مو كلت الكمر يطلع 30 يوم بدر وميغيب.
- ابو علاوي يمعود دعبرهه للسالفة مو مشت ومحد فكدهه.
ومن اللحظات الجميلة التي لا تتكرر انطلاق الأطفال في رحلة كرنفالية الى بيوت المحلة متزينين بأحلى الملابس، حاملين الاكياس، متجولين بها من بيت لآخر للحصول على حصة من الحلويات المتنوعة او النقود التي توزع في تلك الليلة، منشدين الأغنية التراثية: ماجينا يا ماجينا.... حل الجيس(الكيس)ونطونا
تطونة لو نطيكم... بيت مكة أنوديكم.....
ويقومون بالدعاء لهم، في أجواء يملؤها الحب والتآلف.

كان التلفزيون احد اهم المعالم الأساسية في وجدان العوائل، كان ارتباطهم به يختلف كماً وكيفاً مع شهر رمضان حيث مثل طقسا اجتماعيا بامتياز، وفي لياليه تجتمع النساء والبنات كل ليلة في بيت من بيوت المحلة يتسامرن حول شاشة التلفزيون بدفء عائلي، لمتابعة المسلسلات الرمضانية من الواقع المُعاش، التي تتناول القضايا الاجتماعية، الثقافية، السياسية، التأريخية، رغم قلتها الا انها اكانت اقرب الى الملحمية، لا تزال اسمائها مألوفة، تركت بصمات خالدة من الصعب نسيانها: مثل ليالي الحلمية، وافواه وارانب، ورأفت الهجان، ولن أعيش في جلباب ابي، والشهد والدموع، والمال والبنون، ومن البرامج الترفيهية برنامج الفوازير، أما في الوقت الحاضر أصبحت الفضائيات تشغل الناس عن التزاور، والتقارب وتتسابق في بث كل ما يلهي الناس، حتى لم يعد بوسع الناس متابعة عشرة في المائة مما يعرض منها، فقل التواصل ولم يعد الناس لديهم وقت لقضائه مع الأسرة وزيارة الأقارب.

السحور من العادات والتقاليد الرمضانية، وكان المسحرجي ظاهرة رمضانية ورمز من رموزها، فهو تقليد تراثي عريق منذ زمن بعيد، يبدأ قبل الفجر بإيقاظ الصائمين ليتناولوا الطعام قبل الإمساك، فكان يتنقّل بين الأحياء ويستخدم عدة طرق لإيقاظ الناس، منها الطبل أو الدق على الأبواب أو المناداة بصوته المتميز على أهل المحلة كلٌّ باسمه، يُعد انتظار الأطفال للمسحرجي "متعة ما بعدها متعة"، فهم يترقبون سماع أصوات الطبول قادمة من بعيد حتى تصل إليهم، وكان الأطفال وانا منهم نرمي له الحلوى من الباب او النوافذ، من منا لا يتذكر كلمات المسحرجي الاتي: "سحور، سحور سحور"، "اصحَ يا صائم، ووحد الدايم"، ولم يكن المسحرجي يتقاضى اجرا ، بل كان ينتظر حتى اول ايام العيد فيمر على المنازل ومعه طبلته المعهودة، فيهب له الناس المال والهدايا من الحلويات "الكليجة" ويبادلونه التهنئة بالعيد، ورغم الحداثة والتطور التكنولوجي، إلا أن ظاهرة المسحرجي ظلت مستمرة في العراق وباقي الدول ولا يمكن اندثار هذه المهنة أبدا، على اعتبار أنها مرتبطة بالتاريخ والحضارة، وكانت وجبة السحور عادة وجبة خفيفة خالية من المأكولات الدسمة حتى لا تتسبب في اليوم التالي بالإزعاج والعطش للصائم، فهي في الغالب تعتمد على الاجبان والبيض والالبان والخضروات مع الشاي.

في اواخر ليالي رمضان، يستعد الناس لاستقبال عيد الفطر من خلال تزيين البيوت لاستقبال المهنئين من الأقارب والأصدقاء، فالعديد من الاسر تستعد لصنع كليجة العيد ذلك الطقس الاجتماعي المميز الذي يجمعهم حول دفء العجين ورائحة الهيل والجوز المبروش والسمسم والدهن الحر، حيث يمتزج الفرح بالتحضير وتمتلئ زوايا البيت بروائح العيد وبهجته، ولا تخلوا البيوت العراقية في العيد من هذه الحلوى، التي تعتبر قطعة منها كفيلة باستحضار أجمل ذكريات الطفولة ولمّة الأهل والاقارب والضيوف، اذ تعد "كليجة العيد" موروثاً ثقافياً تجتمع فيه النساء لصنعها بأشكال وقوالب مميزة، وتعتبر جزءاً لا يتجزأ من المطبخ العراقي منذ أقدم العصور، حيث كانت شائعة منذ الزمن البابلي تعرف باسم "المرسو"، والتي كانت بشكل القمر"اقراص دائرية عليها زهرة الحياة المقدسة"،

تبدأ العائلة النساء والأطفال بصنع الكليجة من الدقيق (الطحين) المغمس بالدهن الحر وبعد أن تصبح المادة على شكل عجينة تقوم النساء بتقطيع العجينة على شكل قطع صغيرة يتم حشوها بالتمر او جوز الهند او الجوز او السمسم يضاف اليها بعض المطيبات كالهيل والسكر الناعم، وتوضع القطع الحشوة في قوالب لها إشكالات مختلفة وبعدها توضع في صينية في داخلها سمن حتى لا تلتصق اثناء عملية الشواء في افران الصمون او فرن البيت.


مع اقتراب العيد، تبدأ الاستعدادات بشراء الملابس الجديدة، تقليداً مبهجاً لتعزيز شعائر الفرح والبهجة التي ينتظرها الناس باختلاف أعمارهم، وكانت المشتريات اغلبها من المحال التجارية في شارع الرشيد التي كانت قبلة كثير من الإباء ليجدوا ضالتهم.

تشهد صالونات الحلاقة الرجالية إقبالا كبيرا من الصغار والكبار تسبق قدوم العيد، لقص الشعر وحلاقة الذقن للحصول على تسريحات وحلاقة انيقة استعدادا للاحتفال بالعيد، كما ان بعض النساء يذهبن الى مراكز التجميل للحصول على خدمات التجميل التي تتمثل قص الشعر والصبغ وعمل الأظافر بغية الظهور بشكل جميل ومرتب خلال عيد الفطر.
يحرص الرجال بعد أداء صلاة العيد في الجوامع، على تبادل التهاني فيما بينهم، وبعد ذلك زيارة المقابر وهي عادة ما تزال مستمرة منذ زمن طويل، ثم العودة الى البيت ويتسابق الأولاد والام لتهنئة الاب بهذه المناسبة،

وتتجمع العائلة ليكملوا فرحتهم على مائدة الإفطار والتي تتصدرها الكاهي والقيمر والعسل وحلوى العيد وخاصة الكليجة التي تعتبر إحدى الحلويات الرئيسية التي لابد من وجودها على سفرة العيد، فلا أحد ينسى فرحة يوم العيد، وارتداء الملابس الجديدة، والحصول على الهدايا النقدية «العيدية»،

الصغار والصبيان يتجهون إلى أماكن الالعاب "ساحات العيد" التي تعمل فقط خلال أيام العيد، حيث يركبون دولاب الهواء، المراجيح، وعربات الحصان، وسط أجواء من الغناء والأهازيج الشعبية التي يرددها سائقو العربات، مما يزيد من فرحتهم اما الشباب فان السينمات والنوادي الترفيهية مواقع تسليتهم.
ما أجمل أيام رمضان التي كانت اكثر روعة مليئة بالخير والبركات... ما اجمل أيام رمضان ببساطتها التي كانت تحمل روحا مختلفة، أيام رمضان بحد ذاتها تمثل ذاكرة حية، كأنها لوحة زيتية مترعة بالتفاصيل التي تظهر وتخفى كلما أمعنت تكرار النظر إليها، تجمع الكل تحت اجنحتها دون أي تفرقة، تبقى اللمَّة العائلية اليومية على مائدة الإفطار، والتبريكات، واللقاءات مع الأقارب والأصدقاء ما احلاها،، تلك الأيام لن تعود... ولكن تبقى ذكراها في القلب... كأنها جزء من روحنا لا يمكننا نسيانها، نستحضرها كلما أطل الشهر الفضيل علينا في كل عام، ذكريات جميلة تحمل روح البساطة والمودة، وكل رمضان وأنتم بخير، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود.

 

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1217 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع