
رسائل الفريق حردان التكريتي من منفاه في الجزائر الى الرئيس البكر
سيف الدين الدوري

رسائل من حردان التكريتي الى البكر ،أرسلها من منفاه في الجزائر ، بعد إقصائه تذكر بأن حردان ذاته وليس غيره ، هو الذي فتح قناة الاتصال مع قائد الحرس الجمهوري الداوود ، وآمر كتيبة دبابات القصر الجمهوري سعدون غيدان.
ولو تسنى نشر نصوص هذه الرسائل وعددها 13 رسالة ، يحتفظ بها نجلا حردان السيدان سعد واركان ، وهما دبلوماسيان سابقان،رحمهما الله بصور منها ،لأمكن الاطلاع على تفاصيل مهمة ، عن التعاون بين عسكر البعث وحراس عبد الرحمن عارف ، في الفترة التي سبقت إنقلاب 17 تموز ، وحسب المعلومات فإن هذه الرسائل ، وأصغر واحدة منها تتألف من عشرين صفحة ، كتبها المرحوم حردان ، في محاولة منه لتذكير البكر بمواقفه ، خصوصاً وأنها تتضمن وقائع وتواريخ وحوادث وأحاديث ، جرت بين حردان والبكر خلال فترتي عام 1969 ، والنصف الاول من العام 1970 وفيها كانا يتبادلان الرأي ويناقشان ، ضرورة طرد صدام حسين وزبانيته من السلطة والحزب.
وادناه الرسائل التي بعث بها المرحوم حردان الى الرئيس البكر والتي زودنا بها نجله الاستاذ أركان حردان التكريتي.الذي وصل الى لندن خصيصا لمقابلتي وتسليمي هذه الرسائل لادخالها في كتاب عن والده المرحوم حردانم التكريتي
الجزائر - الاثنين 19-10-1970
الرسالة الاولى مفقودة حيث كانت عناصر المخابرات العراقية بعد اعتقالها لسعد حردان بذلت محاولات كبيرة للعثور على الرسائل ولكنها لم تفلح سوى بالحصول على الرسالة الاولى والتاسعة من اصل ثلاثة عشر رسالة.
الرسالة الثانية
حضرة ألأخ أبوهيثم المحترم
بعد التحية . أرجو لكم وللاخوان زملائكم الصحة والموفقية، ولك مني الدعاء بالشفاء العاجل، وأن تكون بكامل الصحة والعافية، وأن يهديك الله سبل الرشاد والحق.
أكتب لكم هذه الرسالة، ولا أقول أني لا أريد جواباً عليها ، ومنكم شخصيا، بل أني أريد الجواب، ولكني متأكد من أنكم لاتستطيعون الكتابة جواباً على هذه الرسالة . وطبعاً أني لا أعترف بأي رسالة من غيركم، فهذه الرسالة شخصية وليست رسمية، إذ ليس للرسائل الرسمية قيمة بالنسبة لشخص أمرتم أن لايتمتع حتى بحقوق المواطنة، بدليل عدم السماح لي بالبقاء في البلد، وهذا مالم يفعله إلا عبد السلام عارف ( المرحوم ) حين حلفَ بكل الايمان، أن لا تطأ قدماي أرض العراق وهو على قيد الحياة، فنفذ أمره وأنتم على إطلاع بذلك .
وأرجوا إعفائي عن ذكر هذا المثال، وهذه الواقعة، لأنكم تعرفونها، ولذا ذكرتها الآن ولا أقصد من ورائها المقارنة أبداً . بل هي كمثال ساقه الى ذاكرتي، إستعراض التاريخ المشترك الذي عشناه معكم سوياً، والإجراءات التي إتخذت بالنسبة لكل منا، والقول الشائع بأن التاريخ يعيد نفسه … ومعناه أن الحوادث قد تتكرر وبنفس المعنى، ولكن الفرق والمؤلم أنها تحدث من أشخاص مختلفين. ولا أقبل قطعاً أن يكون الاشخاص في هذه الحالة بنفس التفكير وبنفس الاخلاق والسجايا، فشتان بين الاثنين –معاذ الله-
أخي أكرر أن رسائلي شخصية، ومثلما عهدتك بي أني لا أبوح سراً من أسرارك، أو الأسرار بيني وبينك، والقضايا الخاصة، فأرجو منك أيضا أن تعتبر هذه الرسائل سراً محفوظاً لنا الاثنين، لا يطلع عليه أحد، وكل ما أبغيه من كتابتها هي لمعلوماتكم ولتذكركم ولأوضح ما في نفسي. كما عوّدتُ نفسي عليه أن لا أكتم عليكم شيئاً ولقراري، إنسجاماً مع مبدأ ولزوم الالتزام، أن لا أقول شيئاً أو أتفوه بحديث كما أخبرتكم برسالتي السابقة، وهذا عهدٌ قطعته على نفسي، أما أن إرتأيتم أن تطلعوا أحداً على رسائلي، فهذا خاص بكم وليس لي دخل به. وأن ماتسمعوه عني في المستقبل فهذا ليس لي دخل به، وإطمئنوا أنه ليس من عندي، ولن يحدث هذا – إن نُسبَ اليّ - وأنه تظليل وتقدير من الجهة التي تقوله، أو تكتبه أو تصرح به، وسواء إن كان مدحاً أوذماً، كذباً أو حقاً، لأن قراري كرجل - كما تعهدني- أن أسكت ولا أتكلم، إلا إذا أرتأيتم أنتم بالذات أن أرد أو أن أنفي، أو أن أثبت حقائق أو أجوبة فلا بأس عندها … وعند ذلك سوف لن أكون مسؤولاً، وستكون أنت الذي تريده وبطلب منك شخصياً، وطبعاً سوف لن أقول أنك الذي طلبته، بل سيكون مني شخصياً وبطلب منك بدون أن أذكرك… وهذه تضحية أخرى مني لشخصك، إضافة لما قدمته لك شخصياً، سواء قبل فترة الحكم، أو في أثنائها، ومتروكٌ لك تقدير ماقمتُ به إتجاهكَ شخصياً …
أخي: أعود مرة ثانية لأقول لكم، أني أكلمكم شخصياً مجرداً من كل صفة حكومية، بعد أن أصدرت قراراتك بأعفائي من صفاتي العسكرية والسياسية، وذهبتم الى أكثر من هذا، ورفضتم أن أعيش في بلدي، بدليل إعادتي على نفس الطائرة التي أقلتني من الخارج، الى البلد، لأترك البلد وأعود لأي بلد أجنبي، ولذا فأني لا أكلمكم الآن بصفة ( حتى مواطن)، ولكن أكلمكم وأخاطبكم كأخ سابق، أو زميل في وقتٍ من الأوقات، عاش فترة يدافع عنك حقاً أو باطلاً، محاولاً الدفاع عنك، إتجاه أى من يريد النيل منك، لأجعل منك شخصاً فوق الاتهامات … وأنت تعرف ذلك جيداً … رابطاً مصيره بك غير آبه للنتائج مؤمن بك لأبعد الحدود، ناصحاً لك غيرغشاش، معرّضاً نفسي للمخاطر والتهم، غير جبان – وأنت تعرف ذلك جيداً وتقدره – ولو خليتَ لنفسكَ لاعترفتَ بذلك بدون تذكار .. وقد قمتُ بهذا بالنسبة للأعداء والأصدقاء ( وشبه الأصدقاء) بالنسبة للقربى والأقارب ( وشبه الأقارب).
وبالنسبة للمتفقين معك في الرأي –دوماً أو الى حين- أو للمختلفين في الرأي معك –حقاً أو باطلاً- للراغبين لك الخير كله، أو جزأ منه أو للشامتين، وبالنسبة للمحبين لك أو للحاقدين، وبالنسبة للمؤمنين بسياستك إيماناً أو تملقاً أورياءً أو للمعارضين لها… معرّضاً نفسي لشتى الاتهامات، لاتخاذي مواقفك وتبنيها، وقد قلتُ لك مراراً، أن لاضير في أن أتهم أنا بذلك، أو أن أحرَق أنا، لتبقى سليماً فدع الأسهم تتجه اليّ بدلاً عنك ،لأطعن أنا ولتبقى أنت معافى . راجياً من وراء ذلك كله، أن تبقى لتعالج الامور، أنت بنفسك، بعيداً عن كل هذا … ولكن ماذا حدث – ومع الأسف- والذي لم أحسب له أي حساب، ولم يخلد بخاطري يوماً، أو مرة من المرات ،وهو أن تكون أنت وبنفسك الرامي لي، وأنا الذي قلتُ لك دعني أكون الفريسة أو الدريئة، التي يرميني بها غيرك، فكنتَ أنت الرامي. فالى من أشكو بعد هذا… رَحَمَكَ الله وغَفَرَ لك.
أخي: هل تذكر يوماً حين كلمتك وعلى إنفراد في مكتبكَ الرسمي، حين قلتُ لك هل تشكو من ضعف ؟ ووضحت لك أكثر، هل يا أبو هيثم تشعر بانكَ أصبحت .ضعيفاً، غير قادر على أن تمشّي الأمور بالحق وتدفع الباطل، وهل أنك مغلوبٌ على أمركَ، ولذا فأنك تسكت على بعض الأمور الباطلة ؟ فكان جوابك لي أن هذا غير وارد، وأنك لم تشعر بأنك أصبحت ضعيفا،ً وأنك لاتهاب أحداً وأنك وأنك.. الخ، وطمنتني على ذلك…؟
وكررتُ عليك سؤال آخر بل طلباً آخر حيث قلت لك : أني أشعر بتعب وأهلي مريضة وتحتاج الى علاج- وأنت تعرف ذلك جيداً طبعاً .. وأرجوا منك أن تعفيني من المسؤولية، لأستطيع السفر معها للخارج ومعالجتها، وإراحة نفسي بعض الوقت –هلا طلبتُ منك هذا ؟ بالطبع أنك تذكره جيداً وأذكرّك بجوابكَ أيضاً . لقد قلت لي مايلي : ياحردان كيف تفكر بهذا… وهل أبدلك بالدنيا والناس والاصدقاء والاخوان جميعا ؟ كيف تتركني أوتفكر بهذا وأنا ليس لي غيرك ؟ إن هذا آخر مايمكن أن أفكر به… أنك تطعنني في قلبي بمجرد ذكركَ لهذا .. وكيف يمكنني أن أشتغل بدونك، وأنت سندي وعضدي… ومن هو أقرب منك لأعتمد عليه … والخ… ولكن ماحدث. في الأخير أنك ضحيتَ بمن وصفته الوصف السابق ضحيت بي وبدقيقة واحدة … ضحيت بمن لا إقتدار لكَ أن تعيش بدونه، أو أن تشتغل بدون عونه، ووصلت الامور الى أكثر من هذا، وأن لا أبقى على الأقل قريبا منك – ليس في الشغل والوظيفة – ولكن على الأقل قريباً من السكن والبلد… فهل كان ذلك ماقصدته يا أبا هيثم … سامحك الله وهداك للتي هي أحسن … وأمرنا لله فهو الحكم، وأنا مسامحك، وأدعوا لك بكل خير وموفقية .
أيها الاخ: وياليت أنك وبنفس المحل الذي أذكره لك، وهذا مكتبك الرسمي أو بيتك أوضحت لي وعرضت عليّ نفس فكرتي وسؤالي وهي أن أبعد عنك للأسباب التي أوضحتها لك سابقا، وتكون نفس النتيجة، وبالتفاهم بدلاً من القرارات والاعلانات والقال والقيل في الداخل والخارج …ولكان أحسن وعلى الأقل أن أرد وأقول أنا وأنت أيضاً… إن هذا بطلب مني، ولكن بخلتَ عليّ وعلى نفسكَ حتى من أسلوب الإجراء، وأسلوب القرارات فما تفسير ذلك؟ الله أكبر من كل شيء…
أخي: أكرر وسأكرر مرة أخرى وأخرى، أن رسائلي لك خاصة لايعرفها من جانبي (إلا أنا) وما أطلبه منك أن تكون هذه.الرسائل لك (أيضا وحدك) إلا أن شئتَ أن يطلع عليها غيرك فهذا أمر لايمكن أن أوقفه أو أمنعه عنك .
ولأبدأ الآن بسرد بعض لما وقع نتيجة لقراراتك التي أعلنت في الصحف والاذاعات، والتي لم أسمعها أو أبلغ بها لحد كتابة هذه الرسالة، فلم أسمع بها من اذاعتكم ولاصحفكم ولابرقياتكم وكل ماعرفته هو مايلي:-
تركتُ مدريد بعد أن إنتهت الزيارة الخاصة لاسبانيا، بطائرة ركاب الى جنيف لننتظر بعض الوقت حتى تصل الطائرة العراقية، حيث ركبناها بعد الظهر متوجهين الى بغداد عن طريق بيروت، لأخذ ركاب اخرين ولاعلم لنا جميعا بما حدث . وكلي اشتياق للوصول اليكم بعد أن –كما كان ظني – إستجبتم الى طلبي بعدم إكمال السفرة الى أمريكا لحضور الاحتفالات، وقد وردتني برقية بهذا الخصوص، بأن أعود الى بغداد، حيث سيقوم طالب شبيب بتمثيل العراق في الاحتفالات … نعم كنتُ عائداً الى بغداد، وكلي شوقٌ اليكم، ولأبين لكم النجاحات التي حققتها، بزيارتي لكل من مؤسسة كولبنكيان في البرتغال والمسؤولين في إسبانيا، بعد مواجهتي لكل من الرئيس فرانكو ووزير خارجيته ووزير الدفاع ونائب رئيس الجمهورية، والانطباعات التي حصلت عندهم .والقناعات التي زادت عندهم، نتيجة المحادثات التي دارت بيني وبينهم، كل على إنفراد، ووعدهم بتسهيل كل طلبات العراق، تقديراً لزيارتي لهم، وإيضاح كثير من الأمور، التي كانت مؤثرة عليهم ومولّدة عندهم بعض التردد، وقد لمس الوفد ذلك، وأرجو بهذه المناسبة ان تستفسروا عضو الوفد السيد رئيس الديوان أو وزير الدولة عندكم بما حصل، وما هو الدور الذي لعبته أنا شخصياً في هذه المجالات وكنتُ- ولا أمدح نفسي الآن- كعادتي ومساعدة ربنا خير ممثل للعراق في هذه السفرة أو سابقاتها، وبنفس الوقت، ولحسن الحظ كان أمير أبو ظبي الشيخ زايد يزور إسبانيا بزيارة خاصة للصيد والراحة، فأجتمعتُ به عدة مرات، ودعوته بدعوة خاصة في دار السيد السفير شفيق الكمالي، وكلمته عن المعاونه التي سبق وأن كلفتني بها، فاوعدَ وعن طيبة خاطر وتقديرا لمواقفي – واقاربي ورئيسي السيد احمد حسن البكر –ولما يعهده فيّ من تقدير وشخصية، فأوعدَ بأنه سيعاوننا وبأكثر من العام الماضي، وذلك نتيجة الحديث معه … ولكن. ذلك سيتم على أساس أني سأمر به في أبو ظبي لينفذ وعده معي شخصياً على طريقته … حتى لايعرف أحد … ولكن هل سنحصل على هذا العون الآن وهل سيبقى المسؤولون في مؤسسة كولبنكيان على ما أوعدونا به بعد ما حدث… وهل سيبقى المسؤولون الاسبان يحملون نفس الصورة التي رسمتها لهم في أثناء المقابلات … هذا مالا أعرفه ولا أستطيع الجواب عليه…وأنتم أعرف بتحليل الأمور، ولكن أستطيع القول أن ردة فعل كبيرة ستصيب هذه الاطراف وغيرها، لتسرعنا في مثل هذه القرارات بحق المسؤولين من بعضنا، وياريت أن الأسلوب كان بشكل آخر يبقي-على الأقل- مقدرتنا على التحدث معهم وبنفس الطريقة، وكأن شيئاً لم يحدث. وفي تصوري وليس بالنسبة لي ولكن بالنسبة لأي شخص آخر كان يحمل نفس الصفة وبنفس المسؤولية، أن تزاد عليه صفة أخرى، وكأن يكون ممثلا شخصياً لرئيس الجمهورية، ليستطيع إتمام كثير من المهام، ويبقى يجوب الأرض لمثل هذه القضايا وغيرها، وتنزع عنه الصفات الأخرى بدون إعلان أو أنها لانشغاله بالواجبات الكثيرة الجديدة، التي ستجعل منه خارج القطر أكثر من بقائه في البلد مشغولاً عن واجباته، كنائب للرئيس ونائب للقائد العام وعضو مجلس قيادة الثورة، لأنه سوف وحتماً لن يمارس هذه الواجبات لتغيبه دوماً، وسيبقى مؤدياً خدمات أكثر وأكثر… ولكن هذا ماحدث ولست أقصد أن هذا إقتراحاً، حيث أن الأمر لم يعد إقتراحاً ولكن هذا ما كان يجب أن يحدث بتفكيري وتصوري… ولكان الربح أكثر والخسارة والتقول غير موجود…
نعم! وبعد أن تركنا مطار جنيف، نزلنا في بيروت وعلى أساس أن نبقى مدة أقل من ساعة للتزود بالوقود وأخذ الركاب الجدد، ولنقلع الى بغداد، ولكن ماحدث أني بعد ترجلي من الطائرة، وذهابنا الى غرفة الانتظار، أبلغتُ أنه بعد طيراننا من جنيف أذيع نبأ إعفائي من كل مناصبي السياسية والعسكرية ، وذلك من قبل رئيس مجلس قيادة الثورة، وقد كرر هذا الأمر أو أعقب بمخابرة تليفونية، أو تذكرة وصلت الى السفارة في بيروت وله شخصياً – وهو الموظف القائم بالاعمال السيد طارق ابو الخيل- تعلمه أن يخبرني بعدم إكمال السفرة الى بغداد، وأن أبقى في جنيف. ولما كان لم يستطيع إخباري بالبقاء في جنيف حيث أقلعت الطائرة قبل إمكانه إيصال الخبر، فيطلب مني أن أبقى في بيروت ولا أكمل السفرة الى بغداد. والمهم هو بقائي في الخارج وعدم التوجه الى بغداد، وأنه على حد قوله – لايعرف الأسباب ولا أكثر مما أذيع في الراديو… ويترك الأمر لي للتصرف … فقلت له أنه قبل بضعة أيام طلبت مني الحكومة عدم المرور ببيروت، بعد إنتهاء مؤتمر دول عدم الانحياز، وينصحوا بأخذ طريق آخر. وقد قدمتُ الى بغداد عن طريق إسطنبول، متحاشياً المرور في بيروت، حسب طلب الحكومة، لأنها تخاف عليّ من المضاعفات، نتيجة تصريحاتي ضد عبد الناصر في حينه. وهي تخاف عليّ من أنصاره. فهل إنتفت هذه التخوفات الان؟ فقال أنها لازالت والاعداء كثيرون، ولما لم تكن هناك غيرطريقة واحدة للتخلص من هذا المازق، وخوفي عليكم فقد قررتُ السفر الى بغداد على نفس الطائرة، وحتى لايحس أحد بما يحدث. وللتخلص من المضايقات التي فرضها علينا الصحفيون ورجال الامن والشرطة في مطار بيروت. فقد تابعتُ السفر الى بغداد وعلى نفس الطائرة والركاب، ومعي الوفد المرافق لي بسفرتي … وطلبتُ منه أن يخبركم بتوجهي الى بغداد وملاقاتي في المطار، ولكن ماحدث ويحز في النفس هو مايلي:-
حال وقوف الطائرة في المطار، أحيطت باعداد من رجال الأمن المسلحين بالرشاشات وبوضعية يمكنكم أن تتصوروها. ونزلتُ من الطائرة وسط صفين من هؤلاء الرجال وأدخلتُ في غرفة صغيرة لأحد الموظفين – وطبعا ليست قاعة الاستقبال المعروفة – لا أعلم بمايلي إلا من قبل مدير الامن العام (اللواء ناظم كزار):-
أن الأوامر صدرت باعفائك من كل مناصبك، وأنه ماكان لك أن تعود الى بغداد، وأنه حسب أمر الرئيس- لأني طلبتُ أن أكلمك، وهل أنك تعرف بهذا القرار؟ لأني لم أسمعه وأنا في الطائرة – فكرر عليّ أنه حسب أمر الرئيس – تعود فوراً وبنفس الطائرة الى الخارج … فامري لله الواحد القهار… لقد ظنيت أيها الأخ أن الأمر ليس منك، وأنك في مازق، وإذا هي الحقيقة المرة. وكان رجال الأمن يتزايدون ويتزاحمون على الشبابيك، وفي الباب الذي إضطررتُ أن أطلب منه مايلي:-
أرجو أن تطمئن أني ساعود بنفس الطائرة حال تزويدها بالوقود، وإعلامنا من قبل قائدها بأحضارها، ولكن هل يمكن أن تصرف رجال الأمن وتفرق تجمهرهم، حيث أن هذا سيطلع عليه المسافرون الذين حجزوا في الطائرة، وأظنه فعل ذلك حسبما قال لي وايدني به. وبعد أن إطمأن الى أني سامتثل لأمر السيد الرئيس، وأعود بنفس الطائرة:- ولما كان أمر إحضار الطائرة يتطلب بعض الوقت، فقد طلبتُ منه أن أكلمكم شخصياً، فقام لفترة وعاد ليعلمني أنكم لاتوافقون على هذا الطلب……فطلبتُ منه أن أكلم الأخ صدام، فتركني واتصل به وعاد وأعلمني أنه لايمكن أن أكلمه… فطلبتُ منه أن يعلمكم بأني أرغب أن أبقى في بغداد مع الأهل ولا أخرج من الدار. فذهب وكلمكم ثم عاد ليعلمني أنكم لم تسمحوا بذلك. … ثم طلبتُ منه أن يعرض عليكم أن أسافر بنفس الليلة ومن المطار مباشرة الى تكريت ويلحق بي أهلي للسكن هناك وعدم الخروج منها. فتركني وإتصل بكم، وأخبرني بعدها أنكم لم توافقوا على هذا أيضا… فطلبتُ منه أن أكلم أهلي بالتلفون وبحضوره لأطمئنهم أقول لهم أن ماحدث لاضرر فيه وأنه.برغبتي وموافقتي، فقال لي أنه سيكلمكم، ثم عاد ليخبرني أنه ليس باستطاعتي أن أكلمهم تلفونيا لأنكم رفضتم ذلك .. وطلبتُ منه أن يطلب أهلي للحضور للمطار لمشاهدة الاولاد، وكان ظني أنكم على الأقل ستوافقون أن أرى طفلي ولو لدقيقة واحدة ، فقد لانَ قلبه ولم يرَ ضررا في ذلك، وكلمكم ولكنه أخبرني مع الأسف أنكم لم توافقوا على حضور الأولاد للمطار لمواجهتهم لي… فطلبتُ منه وهذا آخر طلب لي منكم … أن يطلب هو بنفسه دارنا تلفونيا ويحضر الصغير سفيان على التلفون لاسمع صوته… وبعدها عاد ليخبرني أن الموافقات لم تتم، وأنكم رفضتم هذا الطلب أيضا. وزاد قائلاً أنه يجب أن لا أعتب عليه لأنه مأمور، ينفذ أمركم فسامحته وطمنته كرجل أن لا يتأثر بكل هذا، وأن ينفذ الأوامر التي صدرت اليه. وأني ماطلبت كل هذه الطلبات، أو أن يسمح الرئيس ببعضها، إلا لأننا ننتظر الوقت لإكمال وإحظار الطائرة. وبعدها طلب مني أن أسلم اليه سلاحي، فأعطيته المسدس الوحيد الذي أحمله والذي أعيد اليّ بعد وصولي للخارج…
وبعد هذا يا ابو هيثم طلبت منه أن يبلغكم السلام وإمتثالي لأمركم، وأن الدنيا بخير، مادام السيد الرئيس بخير، وأن يلتفوا حولك، وأن ماحدث لي يحدث بين الاخوة، وأن ليس هناك مايجعلهم يظنون بكم الظنون ،أو يفسروا الأمر بتفاسير على هواهم، وقد طمنت كل من كان في المطار، بروح لم يشعروا ولم أشعرهم أني أحمل لك غير المودة والطاعة، وهذا شأني وفكرتي عنك، حملتها لمن حضر في المطار، أو سافر معي ليوصلني الى بلاد الأجانب، مهيباً فيك الزعامة مكبراً فيك الروح العالية، لأضيف الى ماسبق أن قلته وعملته من أجلك، محاولاً إقناع من تأسف لهذه العملية. أنها لاتحمل بين طياتها أي غرض مسيء، وأنها أوامر تصدر من القيادات بحق الافراد، وأنها ليست من شخص الرئيس، بل هي قرارات المجلس بكامل أعضائه، وهذا هو رأي الجماعة، ومتروك الأمر لمن كان في المطار، أو رافقني كيف فسر دفاعي عنكم، أو كيف نقل الأخبار، ولكنها وبكل تأكيد وصلتكم على حقيقتها، أو يمكنكم الإستفسار من مرافقيكم، الذين حضروا للمطار، وكنتُ ظاناً أنك بعثتهم لاستقبالي ولكن … ومع الأسف… ولا أقول غير الشكر لأخي أبو هيثم، على ما أحضره لي في المطار، بعد القرارات التي أصدرها بحق أخيه…وأرجوا أن تعلم أيها الأخ وبهذه المناسبة، أني لم أقصد أن مرافقيك قد حضروا لأجل النيل بي، فهذا لم يحدث، ولكنهم كانوا مع الحاضرين من رجال الأمن ، وقد سألت الملازم ابراهيم الدليمي عن حالك فأجابني بأنك بخير، وسألته عن سبب حضوره للمطار: فقال أنه حضر لاستقبال السيد يحيى ياسين…. تصور يا أبا هيثم كيف وصلت الحال أن مرافقك يحضر – إن صح قوله أو قد لايجوز، أنك تعلم بحضوره أو أنه لايعلم سامحه الله بقدومي- على كل حال فالسيد يحي ياسين يستقبل على نفس الطائرة من قبل مرافقي السيد رئيس الجمهورية، ويحضر الباقون لمنعي من النزول وتسفيري على نفس الطائرة وبالكيفية التي شرحتها لكم … أما ماحدث خارج الغرفة التي حجزت فيها فلا علم لي به، إلا أن ولدي سعد قد حضر للمطار ومُنعَ من مواجهتي، وإضطر للرجوع للبيت ( ان لم يكن قد أمرت بتوقيفه أو قتله) أو بعد هذا تريدني أن آمن على أهلي وأولادي وأبقيهم في العراق وبحمايه من؟ على الأقل إن كنا لانستطيع حماية بعضنا، كما كنا فلنحمي أعراضنا، ولذا فقد طلبتُ من أهلي وأولادي ترك العراق واللحاق بي، وترك مدارسهم، وفاء منهم.لكم كوفاء والدهم لكم، وفي أصعب الظروف، بدلاً من أن قد يسببوا لكم بعض المتاعب، أو أن يمر أحد بكم ليخبركم، أن أهل فلان أو إبن فلان، قد تعرّض لكذا… أو إحتاجوا الى كذا … فهذا أيضا لا أريده منكم، ولا أريد أن تفكروا به، وقد طلبت منكم برسالتي السابقه، وأكرر هذا الطلب الآن، وأقول أنه طلب أخوي بسيط لايكلفكم كثيراً ولا جهداً كبيراً، هو أن لاتمنعوا أهلي وأولادي من السفر، وأنه لاعيب عليكم أن يتركوا العراق أو أمرتم بتسفيرهم للخارج، لأن العذر إن احتجتموه سهل، وهو أن والدهم سحبت عنه حقوق المواطنه، ومنع من العيش في العراق كأي عراقي، فهم تبع له فليلحقوا به وبذلك تخدمني بأن ترد اليّ أهلي وأولادي، وتخدم إخوتنا بأنك ستمنع القال والقيل والانفعالات، التي قد تصدر عن إمرأة طرد زوجها، أو طفل يحثه المغرضون للتفوه بكلام أو قول أو شتيمةلايقدرها، ولا أرغبها أنا شخصياً. وقد طلبت منهم برسالة أرسلتها لهم أن يغلقوا عليهم الأبواب، ويمتنعوا عن مقابلة أي زائر أو قريب الى أن تؤمنوا أو تسهلوا أمر سفرهم…
أيها الأخ: قد لايعجبك قراري هذا بخصوص الأهل، وقد تقول ماذنب الأولاد أن يتركوا مدارسهم، وخاصة وأنهم لايستطيعون إكمال الدراسة في الخارج، أو تقول إن هذا بهذلة وحرمان لهم، وقد تقول أكثر من هذا . وهذا ممكن . إنك ستقوم برعايتهم، فمشكوراً لك مجرد إنكَ قد تفكر فيه، ولكنهم سوف لن يخسروا شياً أكثر مما خسروا لحد الآن، فكم من إمرأة سبب لها وبنفس الطريقة الحكام السابقون مرضها الذي تعرفه، فهل تريد القضاء عليها بنفس الطريقة وأشد منها. أوطفل كرافع. الذي تلاطفه سابقاً بطلب الخبز اليابس منه- والذي أصيب بالصرع يعاوده بين فترة وأخرى، نتيجة الفعلة التي إفتعلها سابقوك لتقضي عليه بنفس الأسلوب أو أشد منه، أو كسعد الذي تمرّن على الطيران ليحمينا أن تجعله عرضة لأمنك وإستخباراتك، ينالون منه ويحقروه، أو سعاد التي أحضرت نفسها لتدخل الجامعة، أن يكون سهل الاعتداء عليها بغياب والدها… لا يا أحمد لاتجعل الأمور تصل الى حد التعرض بالحياة والشرف ولعفة عنها، إرحمنا وإجمعنا بعيداً عنك، وعن المضايقات التي قد تصيبك وتصيبنا.
فبالله عليك وأنت الحاكم الآن، هل تأمن على إبنتك أن تذهب للجامعة ليلاً أو نهاراً لتدرس لوحدها وتعود لوحدها؟ الجواب وبكل تأكيد: كلا .. فكيف تريد مني أن أسمح لإبنتي أن تذهب للجامعة وحدها، وزيادة على ذلك فأنا بعيداً عنها… إحفظ الشرف فهو كل مابقي لنا، يحفظ الله لك أهلك وشرفك، هذا كل طلب لي أقوله طلباً أخوياً صادقاً، وإن لم يحصل هذا فسأسلك الطريق الذي يؤمن لي الحفاظ على عرضي وشرفي فلا تؤاخذني. وأكرر القول أن هذا طلبي شخصياً أخوياً ودياً، إن كنتَ لازلتَ ترعى الإخوة والمودة، وتعترف بشيء من المروءة والوفاء، وإلا فأ وجه أمري لله، وأعمل بنفسي على مايضمن لي حق إعادة أهلي اليّ.
أيها الأخ: وقد تتساءل وكيف سأعيش ؟ فأنا أغنيك عن هذا، فلا تهتم به كثيراً، ولا يأخذ منك، كما سبق أن فكرتَ بغيري سابقاً، مثل النايف وإخوانك الآخرين، فأنا أطمئنك أنني رجل أستطيع أن أقول أن العيش سهل، وأن تعّقد، وأولاد الحلال الذين يمكن أن أطلب العون منهم الى حين، لم تخلص منهم هذه الدنيا خاصة، وأنني لم أكن سبباً في إيذاء أحد وأنت تعرف ذلك، بل كنتُ دوماً أحاول جهدي أن أكون مع الحق وأن أحفظ للناس كراماتهم وشخصياتهم، وكثيرٌ من الناس من يثق بي ويعاونني – إن لجأتُ اليه أو إحتجته لتصريف أموري، والمال ليس كل شيء في هذه الدنيا والحمد لله، فسمعتي طيبة، وقد تمكنتُ من كسب ثقة الكثيرين عن حق وحسن تصرف. وأني لستُ بالعاجز، حيث لازلتُ أستطيع العمل الشريف في أماكن عدة من هذه الأرض، والتي أمرنا الله سبحانه وتعالى بقوله( واسعوا في مناكبها وكلوا من رزقها)
أو أنكم ستظنون في اللحاق حتى بأصحابي وأصدقائي، ومن لهم صلة بي لتنالوا منهم بقصد قطع سبل المعروف، فإن أردت هذا فلا هناك من يمنعك، وكل ما أردتُ من وراء هذا أن لاتفكر أبداً في أية مساعدة قد تقترحها على إخوانك، كما كنتَ تفعل سابقاً بالنسبة للمطرودين، ووفر عليك وعلى سمعتي هذا الاجراء، وأني سارفضه حتماً، فلماذا التورط إذن؟ ولماذا أجعلك تلومني بعدها؟ أما الشيء المستعجل فهو حقي في تقاعدي وعلى هذا ارجو ان تعمل وبوسعك ذلك تحقيقه في يوم واحد فقط وهو مايلي:
أن تأمر الاخ شفيق أو يحي ياسين بأن يصدر أمره الى كل من وزارة الدفاع( الادارة) والتقاعد العامة ( العسكري) بأن ينهوا موضوع تقاعدي قبل إنتهاء الدوام الرسمي الذي تتسلم فيه رسالتي، وأن يحسب تقاعدي على القاعدة العسكرية، وبراتبي الأخير كنائب لكم ( أي نائب رئيس الجمهورية والذي راتبه 2600 دينار أوعلى منصبي العسكري (كنائب قائد عام) وضابط طيار وبرتبة( فريق ركن) ويرسلوا لي دفتر التقاعد ويأمر أن أستلم راتبي من أية سفارة كانت، وهذا يضمن لي حقوقي القاعدية، ولكم بذلك ألف شكر وتحية لا أنساها. وسيكون مع هذا طبعا ما أستحقه من رواتب إجازات أو إكراميات أو غيرها، أي مايستحقه كل ضابط يحال للتقاعد، وكل هذا لايأخذ منكم ولايكلفكم إلا أمراً واحداً لأحد الإخوان، وسوف لن يكلف الدوائر غير يوم واحد، أو من ساعة واحدة متى ما إستلموا هذا الأمر منكم . إن هذا الأمر سيزيد من تقاعدي ستون ديناراً شهرياً لأني أستحق 30 ديناراً كطيار وثلاثون ديناراً كنائب للقائد العام. فأرجو أن لا أحرم من هذا الامتياز وأن لايكون مصير تقاعدي، كما فعلة المرحوم عبد السلام، حيث إعتبرني ملتحقاً بالسفارة يوم إعفائي من مناصبي، ونصبني كسفير، ولذا فقد فسرت كل هذا الامتياز الذي هو حق من حقوقي… أما إن إرتايت بعدها، أن تعينني في محل آخر أو تعيدني لوظيفتي السابقة فهذا أمر متروك الى حينه، فهل ستبخل علي بحقوقي؟ الأمر متروك لكم أبوهيثم…وحساب هذا التقاعد لادخل له باية وظيفة جديدة طبعا.
أخي: أما عن تعينك لي كسفير، فأرجو عدم الاهتمام به، وعدم أخذه موضع الجد، فألأمر قد إنتهى، وأرجو ترك هذا لغير هذا الوقت. وشكراً على تفكيرك بإيجاد عمل لي جديد كسفير ولمعلوماتك وليس للقياس فحتى عبد السلام وطاهر فكروا بالسفارة، وإتبعوا الاسلوب التالي معي وليس كما فكرتم به وقررتموه ،فقد أعاد التاريخ نفسه كما يقول المثل، فقد أمروا بمنحي إجازة عند معرفتهم لعودتي، وكانت هناك برقية تمنحني إجازة لمدة شهرين، وبعدها أعقبت برسالة لإختيار السفارة التي أرغب الاشتغال بها، ولتكن على حد إقتراحهم السويد حتى لايكون هناك كثير من المراجعين العراقيين رسميين أو غير رسميين، وحتى لا أحرج في استقبالهم أو توديعهم، وهم أقل مني درجة، ثم بعدها بأشهر صدر أمرهم بتعييني سفيراً وبدون ضجة. أما قراركم فجاء بالعكس إعفائي أولا ومنعي بنفس الوقت من الرجوع الى أهلي وبلدي وإخوتي، وتعييني سفيراً في الخارج، ولابد أنكم حينما إتخذتم قراراً رددتم( أن حردان سيء جداً جداً) وليس سيء فقط وعليه لايعين كسفير ولابد من إجراء كذا أو كذا(…الخ) مما تعودنا سماعه في مجالسنا، ثم إهتديتم الى تعييني في الخارج ثم عدتم وطلبتم عدم السماح لي بالوصول الى العراق، وهذا ما إنتقدتم عليه الأسلاف ،الذين قاموا بإتخاذ أخف من هذا القرار. فكيف توصلتم الى نفس القرار بل أشد منه تنفيذاً، وهل الومهم أكثر من لومكم لهم ولومي لهم حينه.
أيها الأخ أبو هيثم… هل عرفتم عما حصل لنا في عودتنا من بغداد الى اليونان، فلابد وأن أحد المرافقين لي في العودة للخارج أطلعكم على ماحصل لنا، والمعاملة التي عوملنا بها في أثينا، ثم في الجزائر . فقد وصلنا أثينا بعد منتصف الليل، ولا عِلمَ للسفارة، ولم يحضر أحد من الموظفين، إلا متأخراً، ولاعِلمَ للحكومة اليونانية. وقضينا الساعات في المطار بإنتظار حكم الله، والعبد وبعد توسلات من البعض الى أن سمحوا لنا بالنزول للفندق، لقضاء باقي الليل، على أساس أننا نغادر اليونان في النهار، ولانعرف الى أين ستكون الوجهة، ووصلنا الفندق بعد الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، والى أن تمكنا من تأمين المنام للاخوان الذين رافقوني . ولا أعرف ماذا قال عنا اليونانيون، فلا جوازات عندي ولا عند الحرس الذي معي. وفي اليوم الثاني وصلتنا الاخبار من بغداد وبواسطة الخطوط الجوية، وبتشبثاتي الشخصية، حيث إهتديتُ الى إستخدام الاسلوب الأسرع، وبواسطة الملازم طاهر مرافقكم السابق الذي رافقني في السفرة مشكوراً، حيث قمتُ بإعلامه ، (أننا لم نلقى جواباً لبرقية سفيرنا في أثينا وعما هي التعليمات الحكومية بصددي والطائرة والنوتية) أعلمته أن يستعين بممثل الخطوط الجوية، ليعلموا الحكومة العراقية، عما يجب عمله، فكانت الأجوبة والحمد لله متضاربه فيما بينها، فمن تابع السفر الى سويسرا، ورد عن طريق السفارة في بيروت ابقوا في اليونان، وأخرى سافروا الى الجزائر … وحبيبك حردان لايستطيع حراكاً ولا أن يبدي رأياً، فهو السجين الذي يسمع كلام ونقاش الآخرين وليس له رأي في مصيره، فيا ما أحسن ماعوملت به من قبل إخوتي، وأصبحت نكتةً للذين كانوا يتمنون أن يقوموا بأية خدمة، ولو وظيعة لإرضائي، فألف شكر لكَ يا أبا هيثم على ما أوصلتني اليه، ثم جاء الخبر الأكثر ألماً وحزاً في النفس، وهو أن سويسرا لايمكن أن تعطي جواباً لقبولي النزول في أرضها قبل ثلاثة أيام، وهذا بعد توسطات من سفيرنا في أثينا عند سفيرهم في اثينا فتصور الموقف … مما إضطرني أن أتصل ولأول مرة، وأجعل من نفسي – مضطراً طبعاً- كموظف نائب.
للرئيس أحمد حسن البكر، وأتصل بنفسي مع طارق أبو الخيل القائم بأعمال السفارة العراقية في بيروت، لأطلب منه أن يتصل بكم في بغداد لتقرير مصيري، فكان جوابه أن سافروا الى الجزائر. وأن هذا هو أمركم، فوصلناها في اليوم الثاني بعد منتصف الليل، وحتى لا أؤخر الطائرة لعلمي بحاجة الخطوط الجوية لها لقلة الطائرات، طلبتُ من الإخوان العودة بنفس الليلة الى بغداد، مذكراً إياهم أن الخطوط الجوية بحاجة لهذه الطائرة، فنفذوا ذلك مشكورين، وودعتهم والألم يحز بأنفسهم، وأنا متمنياً لهم أوقاتاً سعيدة ومحملاً إياهم أجمل التمنيات لشخصكم…ومن كان في مطار الجزائر بعد هذا الوقت؟طبعاً لم يكن هناك أحد وبقينا مرة أخرى كالتائهين، فنلتفت الى بعضنا البعض، الى أن جرت إتصالات الموظفين في المطار مع السفارة والمسؤولين الجزائرين، فحضر إثنان من السفارة، وبعدهم موظف من الخارجية الجزائرية، حيث أعلمني أنه لاخبر لهم بوصولي، وأعلمني أيضا أن كل المسؤلين الجزائرين في خارج العاصمة. ثم أمّن إنزالي في أحد دور الضيافة.
ولازلتُ فيه لحد كتابة هذه الرسالة، وهو اليوم الثالث غيرعارف بما يأتي به المستقبل من ويلات وتناقضات، وأين سأسكن وكيف أعيش في هذا البلد الى أن هداني الله أن أكرر طلبي بارسال أهلي وأولادي ليلحقوا بي وليخرجوا من البلد الذي حَرّمَ عليّ إخواني البقاء والعيش فيه… نعم ليخرجوا الآن خيراً من أن يخرجوا بطريقة مشينه، قد لايتحملوها، كما تحملتها أنا فهم لازالوا نساء وأطفالاً لم تعركهم الحياة، ولم يصدموا كالذي حصل منكم إتجاهنا، جميعاً – سامحك الله أيها الأخ.
وإن كنتَ ستفرض عليّ الاقامة في بلدٍ معين، كما فرض عليّ أثناء التنقل بعد إخراجي وطردي من العراق، ثمناً لراتبي التقاعدي، فأرجو أن تحفظه عندكَ وفاءً للدين، الذي لك عليّ نتيجة معاونتك لي بين حين وآخر، خلال السنتين الماضيتين، وهذا مالا ألأنكره طبعاً ولو أنه كان كثيراً، ولا أستطيع الآن أن أتبين مقداره، ولكن سوف لن أنسى لك ذلك.
أيها الأخ :وبعد هذا هل تتصور في يوم من الأيام، أنني ساحأول العودة الى البلد، وأنتم على هذه الحال، وماذا ستقوله أنت ضدي؟ وماهو القرار الذي ستصدره في المستقبل؟ أو مايكفيك أن دفعتُ الاتهام عنكَ حين نقل اليّ من أقرب المقربين اليك مايلي: وقد زعلت عليه لأنه تقول عنكَ إتهاماً ضدي لم أصدقه، ولكنه حصل فعلاً بعد إتخاذكَ لمثل القرارات الأخيرة بحقي. واليك ذلك- ولو أني لحد الآن محتار به- وآسف أنني لم أكلمه، رغم توسلاته بي، وقلتُ له بالحرف الواحد: أنك غير نظيف ومشعوذ، وليس لك مني أي قرابة أو صداقة أو علاقة.
قبل تركي بغداد بيوم أو يومين وصل اليّ مايلي من أحد أقاربك الذي كنتُ دوماً أوصيكَ برعايته والاحسان اليه، وإيجاد المحل المناسب له، فهو أحق من غيره … نعم قبل يومين نقل اليّ مايلي: أن أبو هيثم زعلان عليك، ويقول أنه ثبت له بأن لكَ ياحردان إتصالات مريبة بجهات أجنبية ضد البلد، وأنك تتعاون معهم … الخ… فكان هذا بالنسبة لي صدمة لم أفكر بأكثر من أن أزعل على الناقل لهذا الكلام، وأوصفه بنعوت مشينة، حيث لم يدر بخاطري يوماً أن ينقل عنك مثل هذا الاتهام، وأنت الذي ثرت في حينه على من يتهمني بمراعاة موظفي سفارة على أخرى، وأنك توعدت بالويل والثبور ونعتهم بشتى الالفاظ والوعود، فكيف توصلت بك الأمور الى أن تكون أنت الباديء بهذا الإتهام؟ وهل يمكنني أن أصدقه… أبو هيثم يقول على حردان ويتهمه بالعمل للاجنبي.. وهذا قد يكون إسرائيل أو أمريكا أو إيران.. أو.. أو.. الخ. لم أستفسر بعد ولشدة الصدمة لما سمعتُ.. نعم لم أستفسر لمن أعمل. هل هم الأعداء لبلدنا، وأنا الذي أحاربهم أم للشركات الاجنبية، وأنا معروف بمواقفي، وماذا أقصد من وراء ذلك ،لأكون وزيراً أو لاكون نائباً لرئيس الجمهورية أو لأكون ماذا؟
الله أكبر يا أبو هيثم. هل أصبحتَ تظن بحردان، كما ظن غيرك بي فإستخففت بقولهم وحلفتَ إلا أن تقتص منهم ؟… هل أعيد عليك كل ماقلته بحقهم؟ حاشاي أن أكون بمستواهم، ولكن الذي لا أصدقه كيف أصبحتَ تتهمني بأكثر مما إتهموني به، أو أنك كنتَ موافقاً لهم، وأنك فقط أردتَ أن تريني عدم إرتياحكَ منهم، مجامله فقط !! أترك ذلك لتقديركَ أنت وحدك، وأترك أمر الدفاع عن هذا الاتهام لك، ولله وحده وللزمن ولضميرك حين تختلي بنفسك وتقرأ هذا يا أبوهيثم…
اخي: أنك كنتَ على إطلاع تام بالاتهامات، التي كالها لي الحكام السابقون، وكنتَ تقول عنهم شتى الالفاظ والنعوت لأنهم… حسب قولك ومعرفتك بالأمور- لايستطيعون عمل شيء غير إتهامنا بما لم ينزل به الله من سلطان، وكنتَ تستخف من بياناتهم وإعلاناتهم، وكنتَ تقول أنهم جعلوا مني كبش، الفداء فلا يجب عليّ أن أتأثر أو أن أزعل عليهم، فهم أعداء أشرار، ناكرين للجميل عديمي الوفاء، فما هو قولي وقولك الآن؟ هل أسمح- حاشاك – أن أقول نفس الشيء.. كلا وألف كلا، فأني إن كنتُ ذا أصل شريف، فسأبقى على العهد مدافعاً عنك، كما كنتُ في السابق، بل وأكثر حتى أقطع لسان من يريد أن يستغل هذه الوضعية، فينال منك، ومعنى ذلك في تقديري النيل مني، لأني أعتبرتك وأعتبرك الآن أخاً كبيراً لي، وصديقاً حميماً أتاثر بما يؤثرك وأفرح لفرحك، والله الشاهد على ما أقول، ولكن هل تنطبق القصة التالية على حالي معك؟..
لقد حكم على بعضهم بالرجم نتيجة إتهام باطل، الصق به فجرّه أفراد الأمن الى الشارع ليرجمه الجمهور بالحجارة، ففعلوا ذلك وهم يمثلون مايلي:
أما عدو لهذا المحكوم باطلاً…
وأما مصدقاً عدالة الحكم..
وأما خائفاً من السلطة، فيجب عليه أن يرجمه
ومرّ المحكوم عليه يتلقى الضربات بالحجارة غير آبه لما تحدثه فيه من ألم والدماء تنزف من جسمه ضاحكاً، غيرملتفت للجروح، الى أن التقت عيناه بصديق حميم- صديق العمر- وكان هذا الصديق الواقف يعرف أن المحكوم عليه بريء من التهمة، ولكنه لم يستطع –خوفاً من أفراد الأمن- إلا أن يضربه، فحمل وردة كانت معلقه في ثيابه ورماها على المحكوم عليه. وعند ذلك ولأول مرة بكى المرجوم بكاءاً مراً..وبعد أن إنتهى العقاب، إلتقى بعدها الصديقان، فسأل الصديق الذي رمى الوردة على صديقه: لماذا يا أخي كنت تضحك من الناس وهم يرمون عليك الحجارة التي أسالت منك الدماء، وبكيت مني وأنا لم أرميك بغير الورد؟ فقال صاحبه الذي حكم علية بالرجم (زورا وبهتانا)..يا أخي إن الناس يرجمونني ومعهم العذر، فهم بين مصدق للحكم أو خائف من المعاقبه إن لم يفعل ذلك، أو عدو شامت. ولكنك أخي وتعرفني حق المعرفة، وتعرف مواقفي وبراء تي، فكيف تسمح لنفسك أن ترجمني ولو بالورد.. هل أدركت هذا يا أباهيثم ؟ هل تتصور- أنت- ولستُ أنا – أن يصدر منك حكماً عليّ مثل الذي أصدرته ؟ وهل تتصور أنت قبلي – أن تكون معاملتي مثلما أمرت به ؟ وهل نعذر الصديق الرامي لصديقه بالورد خوفً من السلطة؟ أو نعذر السلطة ( وهو أنت) من الحكم على صديقه؟ هل وصلت الأمور بالبشر لهذا الحد، وأنت بالذات؟ هل أستطيع تصديق الأمر بأنك أنت أبا هيثم تأمر بعدم السماح لي بالعودة للبلد؟وأنك أنت أبا هيثم تأمر بحجزي في المطار؟ وأنك أنت يا أبا هيثم لاتسمح لي بالنزول لأهلي ؟ وأنك أنت يا أبا هيثم لاتسمح لأهلي بمواجهتي؟ وأنك أنت أبا هيثم لاتسمح لي بمكالمة أهلي ؟ وأنك أنت أبا هيثم لاتسمح لي بمواجهة أو مكالمة طفلي؟وأنك أنت أبا هيثم تأمر بأن أعود على نفس الطائرة ؟
إسمح لي أيها الأخ أن أكرر مثل هذه الأسئلة التي لا أصدقها ولا أكررها دوما حتى على الأقل أبدا بتصديق بعضها أو كلها، لأكون متحضراً لتصديق الاتهامات التي ستوجهها لي في المستقبل، وللقرارات والاحكام التي ستصدر عنك بحقي في المستقبل . نعم ليس هناك أي مسلك آخر إلا أن أعوّد نفسي على سماع قراراتك وإتهاماتك لي، لكي لا أصاب بنفس الصدمة.
ماذا حصل لك يا أباهيثم؟ ماذا غيرّكَ يا أبا هيثم؟ ماذا نُقلَ لك عني يا أبا هيثم ؟ماذا وماذا ؟ الله أكبر أستغفر الله، وأدعو لك من الله الهداية، إنه سميع مجيب- هل تغّلب الشر على الخير؟ هل جعلتَ من الحق باطلاً ،ومن الباطل حقاً ؟ هل جاءك السيل فخفتَ الغرق فأغرقتني لتنجو..؟ ومن سيكون بعدي وأنت القائل لي: أن لا أحد أقرب مني اليك؟
هل نسيت كل أحاديثنا ؟ هل بدلّت نظرتك بأشخاص الذين شتموك وشنعّوا بك، والذين شرحتَ لي كل ماقالوه عنكَ ونواياهم؟ وهل بدلّتَ مقابل ذلك نظرتك اليّ؟ أو أنك لازلت عند رأيك بي وبهم، وأنك إخترتني كبش فداء لتبرير مواقفك إتجاههم؟هل أصبح من كنتَ توصفهم بالجبناء، أبطال ثورة، وأنا لم أساهم فيها ؟ هل أصبح من يحفر لك الحفر ليوقعك بها ناصحاً لك، وأنا لم أضحِ وأدافع عنك؟ هل أصبح من وصفته بكثير من النعوت والاتهامات والعمالات، بريئاً وأنا العميل المرتش؟ وهل أصبح الضحل والضعيف عبقرياً وأنا لا أصلح لشيء ؟ وهل أصبح الجبان والمهزوم أسطورة من الشجاعة والدفاع عن الثورة ،وأنا الذي إخترتُ حتى السكن في القصر،لأكون قريباً منك مدافعاً عن الحكم- بعيداً عن المسؤولية ؟ وهل أصبح من لاتثق فيه لتمثيلك في المؤتمرات والسفرات، صالحاً للحكم وأنا الذي كنتَ تكلفني بأصعب الأمور غيركفوء؟
أيها الأخ أبو هيثم:-.. لنعد الى الوراء قليلاً ،وإلى الوراء أكثر، وليكن ذلك لتقييم الأشخاص والوضع قبل الثورة، والدور الذي قمتُ به إتجاهكَ وللحزب وللإعداد للثورة . وفي هذا المجال سوف لن أتعرض لأحد، لا بالخير ولا بالشر ؟ ولكن سأذكركم بما قمتُ به بخصوص ماذكرت أعلاه، وهو شخصكم والحزب والحزبيين، والإعداد للثورة، وأني متأكد تأكدي من نفسي، أنك في الصورة، وتعرف كل ما أريد أن أقوله، وما سأقوله وماهو إلا تكرار للحقائق أقصد منها التذكير فقط.
لقد كانت هناك اتهامات كثيرة على الحزب والحزبيين وشخصكم، للأخطاء التي إرتكبت في أثناء فترة الحكم سنة 1963 ، والتي ضخمها الاعداء وأكثر من تعدادها فكنتُ سواء أثناء بقائي خارج العراق، أو عند عودتي – مدافعاً عن الحزب وألفراده وشخصكم جاعلاً منكم شخصاً فوق الشبهات، ونافضاً عنكم وعن الحزب غبار الإتهام مفنداً هذه الإتهامات، معلناً أن لاصحة لأكثرها، مجملاً أن هذه الأخطاء القليلة، وتلك لم تكن منكم ولا من الحزبيين الشرفاء، رامياً بها العناصر السيئة التي إندست في الحزب، في غفلة من الزمن، محملاً تلك العناصر مسؤولية إرتكاب الأخطاء، ممجداً بدور الحزب وأفراده وتضحياته. وقد عملتُ على هذا المنوال طيلة فترة بقائي في الخارج، وعندما عدتُ للبلد إستمريتُ على نفس النهج، غير مبالٍ لرقابات السلطة، متصلاً بكل من تمكنتُ الاتصال به، لأشرح له باطل الاتهامات، التي يرمي بها شخصكم أو الحزب، أو الرفاق من الحزب، معاوناً في التحقيق من آلام وحرمان كثير من الحزبيين، مجنداً نفسي لخدمتكم والحزب والحزبيين… وأنكم ولاشك تعرفون تلك الوقائع، أو تذكرون على الأقل بعضها… ساهراً ليل نهار، راكضاً وراء كل ماينفع الحزب وينفعكم، مضحيا بالغالي والرخيص، صارفاً كل وقتي لكم وللحزب والرفاق، غير مقتصد ببعضه حتى لتصريف أمور عائلتي، مقاسماً لراتبي التقاعدي، وما إدخرته بيني وبين المحتاجين من أفراد الحزب… وقد تذكرون بعضها – وقد كتمتُ عنكم غيرها، لعدم رغبتي بالمجاهرة بهذا، حتى لا أخيّب ظن الرفاق بتلك المعونات الواجبة علينا جميعا.
كنتُ أتوسل- وياما حدث هذا التوسل- بالشخصيات الحكومية وغيرها، بمن يسوى ومن لايسوى شيئا، لنيل بعض الحقوق والامتيازات لأفراد الحزب، وليبقوا ملتفين حولكم، وحول حزبهم. وإقتسمتُ مع كثير منهم ( وأنكم تجهلون ذلك) العيش وحتى الملابس التي إدخرتها في أثناء بقائي في الوظيفة. نعم حتى ملابسي إقتسمتها مع البعض من أفراد الحزب المحتاجين، ولاشك أنك كنتَ تذكر جيداً الملابس التي كنتُ أرتديها عند التردد الى داركم-ونحن نُعِد العدة للمجيء للحكم – وماكانت عليه والحالة المتعبة التي كنتُ عليها. فهل تذكر ذلك جيداً يا أبا هيثم؟ رفضتُ كل عرض عرضته عليّ الحكومة السابقة، على حساب إبعادي عن الحزب، وإقناعي بالوظيفة والراحة- ألا تذكر ذلك يا أبا هيثم ؟ وهل أني لم أخبركم بكل ذلك ؟ وهل أني قبلتُ الوزارة أو السفارة المريحة، وفضلتها عن البقاء معكم، أشارككم الخوف والعيش المر وظلام المستقبل ؟ طبعا لا. أني رفضتُ كعادتي أن أبقى معكم، مفضلاً المصير مع إخواني مهما كانت النتائج، من أن ألوّث سمعتي ويداي وشرفي، مع من لم أؤمن بهم وبحكمه يا أبا هيثم: ثم سهّل الله لنا الأمر وأعددنا العدة للانقضاض على الحكام السابقين، إيماناً منا بعدالة قضيتنا، ولابد أنكم تذكرون مواقفي قبل أيام الثورة والاتصالات، التي قمتُ بها مع بعض الأطراف مراقباً كل تحركات السلطة، ضد عملياتنا، متحملاً قسطاً كبيراً من المخاطر كغيري من اللإخوان، لم أهب أحداً، ولم أتخوف من واجب تقررونه لي، بل على العكس، أستطيع القول وأفخر به، أني كنتُ أختار الواجبات الأصعب لأقوم بتنفيذها – ولا أريد التحدث الآن عن مراحل الاعداد للثورة، وأني ساترك ذلك لفصل آخر – ولكن أختصر هنا، وأقول إننا أعددنا كل شيء للثورة، وكنتُ مساهماً في إعداد كل شيء، وحتى البيانات التي عندكم فهي بخط يدي، ساهمتُ في إعدادها مع بعض الإخوان، وأني لا أقول ذلك من باب التبجج، أو محاولة الظهور، بل لذكر حقائق تعرفونها أنتم والإخوان. وقد تكون خافية على البعض، والذين لم تظهروا لهم الحقائق، والتي هي من صلب واجباتك يا أباهيثم. وما المقصود من وراء ذلك إلا الحقائق، ليكون الجميع في الصورة.
أيها الأخ: ثم قررنا ساعة الصفر وإشتركتُ معكم في الوصول الى أصعب الأهداف وأقربها الى السلطة، وكان لي في ذلك اليوم شأن حيث هداني الله وقراري، بأن أموت وتنجح ثورة الحزب، وأترك لكم ولمن كان معنا في تلك الساعات، تقييم أدوار كل منا، وقد شهدتم أنتم والقيادة جمعاء بالدور الذي لعبته لإنجاح الثورة في ساعاتها الأولى ولتثبيتها في الأسابيع الأولى. وبعدها حتى أن تقدير ذلك بلغ بكم حداً أنكم إجتمعتم لوحدكم ( وأعني قيادة الحزب) وذلك بعد إخراج عبد الرزاق النايف وزميله، نعم إجتمعتم لتدارس الوضع ولتشكيل الحكومة، ثم طلبتموني فحضرتُ وأبلغتموني بعد سيل من الخطب والمدوحات لتطلبوا مني تشكيل الوزارة ( الم يحصل هذا يا ابا هيثم) وكررتم كلكم أن هذا الواجب الذي قررتم إناطته بي وهذا المنصب الرفيع أقل ما يكون بالنسبة لي، ولإخلاصي وتضحياتي وإنجاحي لثورة الحزب.. و… الخ.. ولكني وأنت تذكر ذلك جيدا، شكرتكم ورفضتُ هذا المنصب ،ولكن لماذا؟ لقد قلتُ بالحرف الواحد: أن هذا المنصب لايليق إلا بالسيد رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر، فهو أخونا الكبير وقائدنا، نعهد هذا المنصب اليه، ليتولى إدارة شؤون الدولة وتسيرها، وادارتنا نحن جميعا فهكذا كان عهدي بك وثقتي بك ،لأرفض أعلى المناصب، وأقدمها لك، ولاجعل منك رئيساً في كل المجالات، وطلبتُ أن أبقى في الجيش فقط، ومسؤولاً عنه فقط ، لعلمي أنه بهذا سوف أعمل على حماية الحكم، وإعلاء شأنه والرفع من كفاءته، ولقراركم السابق، أن خير من يصلح للجيش قد أكون أنا بالذات. وبعد إصراركم على وجوب قبول هذا المنصب،وإصرار الإخوان الباقون عليه، وإصراري بالمقابل، على إسناد المنصب اليكم، كان الحل الوسط، هو أن أكون نائباً لكم في الوزارة. وهذا ماحصل على أن أوعدكم، بأن أقوم بادارة مجلس الوزراء نيابة عنكم، بعد أن قلتم بأنكم لاتحضرون إجتماعات المجلس ،لانشغالكم بقضايا أخرى، فقبلتُ ذلك وبقيتُ مدة السنة والنصف مسؤولاً عن مجلس الوزراء ووزارة الدفاع وقيادة القوة الجوية، ولمدة أيضا رئيساً لأركان الجيش. وهنا أود أن أسالكم أيها الأخ ( بربك هل وجدتَ يوماً ما نقصاً في إدارة الحكم؟ الممثل في مجلس الوزراء وإدارة وزارة الدفاع باقسامها، طيلة مدة تكليفي بهذه المناصب ؟) أنا واثق من أنك ستقول، أنك لم تجد نقصاً في ذلك، ورفعتُ عنك عبئاً كبيراً، وعلى علمي لم تحصل أية شكاية، وكان الوزراء منسجمون فيا بينهم، والامور على أحسن حال، زيادة على إدارتي لبعض مجالس الإدارة التي تعرفها جيداً، ولكن ماذا حصل بعد أن إرتأيتم أن الأمور قد إستقرت، عينتم إبراهيم فيصل الانصاري رئيساً لأركان الجيش، وبعد فترة ذهبَ وأخذ محله الأخ حماد شهاب … ( ولا أريد أن أذكر في هذا الوقت رأيكم شخصياً به، ورأي باقي الإخوان، فسأقول ذلك، أي رأيكم بكل منا في رسالة قادمة إن شاء الله، لا لشيء إلا للذكرى، ولنتعرف على الأسباب التي أدت أيها الأخ الى تغيير رأيكم بالجميع، وليس بي فقط. وهل كان في ذلك خدمة لنا ولحكمنا) وبعد هذا أبدلتَ بحسين حياوي لقيادة القوة الجوية (ورأيكم واضح به أيضاً ) ومع هذا فليس في الأمر شيء ضدي، فلا بد من أن نشغل هذه المناصب بزيد أوعمر. وبقيتُ نائباً لكم في إدارة مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، ثم ماذا حصل؟ وأنا في الخارج كالعادة أدافع عن حق العراق وشرف الحكم وهيبته، أمثلكم في الاجتماعات، وإذا بي أسمع بإنهاء مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، فبقيتُ وزيراً للدفاع فقط، وهذا لاضير فيه، ولا في الأمر من ضرر، إلا أنه قرار لم يكن على ماظهر فية من المصلحة من شيء … وبعد تفكير آخر إهتديتم الى إخراجي من منصب وزير الدفاع، لأكون نائباً لرئيس الجمهورية، بمنصب جديد، وحيث قد عُرض الامر على المجلس، فقد رشحتُ من قبلكم لهذا المنصب، وهو منصب رفيع لاغبار عليه، ولكنني كنتُ أعرف أن وجودي على رأس الجيش، فيه مصلحة لكم وللحكم وحماية الحزب والبلد، ولكنكم أصررتم على قبولي المنصب الجديد، والتخلي عن منصب وزير الدفاع، فأطعتُ الأمر، بعد أن أفهمتموني أن هذا قرار إتخذ قبل جلوسنا في جلسة مجلس قيادة الثورة، فاعتذرت وقبلته عند رأيكم، وأنكم سوف تتولون إدارة وزارة الدفاع، كوزير للدفاع، ولكن هذا لم يحدث فعينتم حماد شهاب وزيراً للدفاع … وهذا لاضير فيه مادمتُ لازلتُ امثلكم في قيادة الجيش كنائب للقائد العام، ولكنكم عدتم مرة أخرى بتشكيلة جديدة، وهي أن إدارة الدفاع العليا التخطيطية، تكون من قبل مجلس الدفاع الأعلى، وبعدها باشرتم بإدارة وزارة الدفاع مباشرة، عن طريق وزير الدفاع، ولم أحضر الى وزارة الدفاع، إلا ثلاث مرات ، خلال الفترة التي تركتُ فيها منصب وزير الدفاع … مرتان في إجتماعات مجلس الدفاع سوية معكم، وثالث مرة كانت عندما إشتد القتال في اليوم الأول والثاني في الاردن. ولم تكونوا على رأس وزارة الدفاع، فإحتار الموجودون، في الدفاع وفي الجبهة كيف يتصرفون، وطلبوا مني رجاءاً أن أحضر للدفاع لأدير الأمور، ففعلت بعد أن لم يقبل أحد أن يصدر أي أمر، وتهرب الكثير من المسؤولية، ثم إجتمعنا لنتدارس الأمر وخطورة الموقف، فامرتني أن أكون قريباً من قطعاتنا في الاردن، فطرتُ فوراً مع بعض الإخوة المدنين، الى الجبهة، وبقيتُ فيها مدة القتال، وكنتُ على إتصال دائم ويومي معكم في بغداد، لأعلمكم بالتطورات، ولأعلمكم بتصرفاتنا، ولأستلم منكم التوجيهات، وعاد الأخوين وبقيت وحدي في الجبهة، أدير الأمر وأظن أنني عملتُ مافيه المصلحة، والحق ولا أبالغ أن لوجودي هناك في منطقة القتال، وبين القطعات، كان له الأثر الكبير وخلاص القطعات والعراق والحزب والحكم والثورة، من كارثة كادت أن تقع لولا إرادة الله، وتبصرنا في الأمور جميعا، وحسن تصرفي ومعالجة الموقف، وقد كان ذلك بتقارير رفعتها لكم وبإيجاز للقطعات والضباط والقادة، وبإبداء ماعملنا للقياديين الحزبيين الذين حضروا الى الجبهة، سواء من العراق أو لبنان أو الاردن أو المنظمات( وياحبذا لو قبلتم باقتراحي بأن نكون من أول يوم في الجبهة، لرفع الكثير من الالتباس، ولتمكنا من معالجة الأمور ودعم العمل الفدائي بدون تلكؤ، ولكننا تركنا الأمر على قياداتنا العسكرية، التي لم تتحرك، وشوهت من سمعتنا التي بذلتُ المستحيل لأبدال الصورة فنجحتُ) حتى بات الكل مطمئنين لموقف العراق وجيش العراق وحكومة الثورة في العراق، مقدرين إهتمام الجميع وحسن تدبرهم الأمور وأرحتُ ضميري، وبعد أن سمعتُ منكم جميعا المدح والثناء، لمواقفي الحكيمة، وكنتُ لا أرجوا من بعد ذلك وساماً أو رتبه أو منصباً، ولكنني ومع الأسف أيها الأخ أبو هيثم، وبنفس الوقت الذي لا أرجو ولم أطلب منكم تلك التقديرات، لم أتوقع أيضا أن أجازى بما جازيتموني به، فهل هذا هو نتاج تقديركم لي وتحملي المسؤوليات .. لا أظن أن أحداً كان يتوقع لي هذا المصير، بدل الاحترام والتقدير على وقف إطلاق النار وتشجيع... أخي وبعدها ماذا حصل؟ عدتُ الى بغداد ليلاً بعد أن جرى الاتفاق في القاهرة، على وقف إطلاق النار.وإتصلتُ بكم فور وصولي، وكنتم في الدار، ولتباركوا لي أعمالي، ولتطلبوا مواجهتي صباحاً في مكتبكم، وحدث في نفس الليلة، أن توفي الرئيس عبد الناصر، فإجتمعنا عندكم صباحا، فماذا كان القرار؟… طلبتم مني السفر الى القاهرة لحظور مراسم التشييع، بعد أن إعتذر الجميع عن هذا، فأطعت الأمر، وسافرتُ في اليوم الثاني الى القاهرة وبقيتُ يومين عدتُ بعدها الى بغداد…
أيها الأخ: وماذا بعد ذلك ؟ طلبتم مني أن لا أؤجل سفرتي الى البرتغال، تلبية لدعوة مؤسسة كولبنكيان، علّنا نحصل على بعض معاونتهم لإنشاء بعض المشاريع، ومنها الى أمريكا لتمثيلكم في حضور إحتفالات اليوبيل الفضي لتأسيس الجمعية العامة للأمم المتحدة .. وقد طلبتُ لحراجة الموقف في الاردن، ولعدم حصول الإستقرار أن يقوم غيري، بإداء الواجب في أمريكا بحضوره الاحتفالات. وقد أقررتم ذلك أو أن يقوم الأخ عبد الكريم بتمثيلكم، ولكن لم تكن هناك نتيجة، فسافرتُ مع الوفد الى البرتغال، وبقينا ثلاثة أيام تمكنا خلال محادثاتنا مع المسؤولين في مجلس ادارة الشركة ، أن نحصل على كثير من الوعود سيشرحها لكم رئيس الديوان ووزير الدولة … وبعدها وباتفاق مع الأخ صالح زرنا إسبانيا لمعاونة الوفد هناك لتمشية أموره مع الإسبان. وقد تم ذلك فعلاً ونجحنا في كسب ثقة المسؤولين الإسبان، سواء أكان رئيس الجمهورية أو نائبه أو وزير الخارجية أو الدفاع، وقد بنينا آمالاً كبيرة على تلك الزيارة الخاصة ،وتوجت مواجهاتنا للمسؤولين هناك بالنجاح الكبير، وكان من الممكن أن نحصل على الكثير وأكثر، لو أن ماطلبوا مني أمكن تحقيقه، أما الآن فلا…على ما أظن (لأنهم ينتظرون مني أن أزورهم أنا شخصياً زيارة رسمية مزوداً بكل إحتياجات العراق، تجارية أو عسكرية، والأسلوب الذي إتفقنا عليه حول تنفيذ ذلك بدون أي ضجة او اعلان) فهل سيبقوا على حالهم وتصورهم ووعدهم لنا بزيادة القرض الى مائة مليون، وتسليمنا كل مانحتاجه من أسلحة وعتاد ومعدات عسكرية، بدون مقابل… أتمنى من ذلك مخلصاً وأرجو عدم إهمال هذا الموقف، خدمة للبلد والثورة .
أيها الأخ: وماذا حصل أيضا أثناء وجودنا في إسبانيا … وكان هذا من حسن الحظ.. فقد كان أمير أبو ظبي الشيخ زايد، في إسبانيا بزيارة خاصة في الجنوب على البحر، وقد أعلمتُ رئيس ديوانه الذي حظر الى القاهرة، بأني سأكون في إسبانيا، فأبلغه ذلك، وحضر الأمير بنفسه الى مدريد محل إقامتنا، موفر علينا عناء السفر للجنوب، لمواجهته وقابلته عدة مرات، وقمتُ بواجبه حيث دعيته للعشاء في بيت السفير، وبعدها فتحنا الموضوع معه حول المعاونه التي أوعد بها، فأكد لي ذلك، وطلبَ أن أزوره في القريب، لينفذ معي وعده وبالطريقة التي سبق وأن عاوننا بها. فشكرته وأوعدته بأن نتصل مع بعضنا عند وصولي الى بغداد… وهذا ماحصل.. فكيف أستطيع الطلب منه الآن أن ينفذ وعده وقراره؟ أرجو منكم أيها الأخ ولعلمي بحاجتكم .. أن لاتتركوا هذا الموضوع يمرُ مرّ الكرام، وأن تفكروا بالطريقة التي يمكن بها أخذ نصيب العراق منه.. وبعد كل هذا أيها الأخ العزيز، ألا يساوي حردان عندك وبقاءه في العراق ماحصل لكم عليه من أبو ظبي سابقا+ ماحصل عليه إن بقي الاخرون على وعدهم، بعد الذي حصل سواء أبو ظبي مجدداً، أو مؤسسة كولبنكيان، أو إسبانيا. ألم يبق هناك إحترام للاشخاص بالنسبة لجهودهم .. أمرنا لله… فأين المصلحة إذن؟ أترك ذلك لتفكيركم وتقديركم مذكراً أخي.. ماذا ستكون ردود الفعل عند هؤلاء الذين مررت بهم وشجعتهم على تبني قضية العراق ومعاونته عن طيب خاطر؟
أخي: وليس هذا فقط المهم في الأمر، بل أذكركم بأصدقائنا، الذين عملتُ الكثير حسب توجيهاتكم، لكسب رضاهم، والإتصال بهم فسفرتي للباكستان غيرت الكثير من الصورة التي كان يحملها الباكستانيون، عن خصوماتنا مع إيران. وقد أطلعتهم على الواقع وهي أول زيارة يقوم بها مسؤولون بهذا الوزن، وقد نجحنا كثيراً في هذا المضمار، وقد أثر ذلك كثيراً على الموقف من إيران… وأكثر من هذا مرة أخرى، فقد كان لوجودنا في مؤتمر عدم الانحياز، أهمية كبرى ليس في المؤتمر فقط، وليس هذا ما أعنيه، ولكن ماقصدته هو موقفنا من حق الأتراك عند طرح مكاريوس للقضية، وقد كان لهذا أحسن الأثر عند الأتراك، وهل أخبرتم بما قالته الصحف التركية عنا؟ إننا لو عملنا كثيراً أكثر وأكثر، لمّا حصلنا على نفس النتيجة، وقولهم لنا أثناء المرور بإسطنبول عند الرجوع، أننا خير أصدقاء للأتراك، وأنهم سوف لن ينسوا لنا ذلك الموقف، وأنهم معنا في كل ماتطلب. فهل لا تعتقد أيها الأخ أن إخراجي بهذه الصورة سوف يؤثر، ولو قليلاً على تفكيرهم السابق؟ وهل أن هذا يفيدنا في مساعينا في زيادة الثقة والتقارب، مع الدول التي قد تعيننا في مشاكلنا (خاصة مع الجيران وفي الداخل)؟.. أني أترك تقدير ذلك لشخصكم آملاً أن لاتنسوا هذا الموضوع وتديموه…
أيها الأخ: وأكثر من هذا، فقد أخبرتكم أني إتصلتُ بالسيد رئيس وزراء أفغانستان، أثناء وجودنا في مؤتمر عدم الإنحياز في زامبيا، وتحدثنا عن العلاقات مع إيران، وإتفاقي معه أن يمر في طريقه الى أفغانستان، وأن ينزل في طهران. وقد فعل ذلك. وتلاقينا مرة أخرى في القاهرة، حيث أنه قد حضر لتمثيل بلاده في التشييع، وأعلمني أن مابذله من مساعٍ، من تلقاء نفسه.. حيث إتفقنا أن لايذكر أن ذلك بطلب أو تنويه من العراق… نعم أنه تمكّن من التأثير، على الشاه والمسؤولين في طهران، في أثناء مروره عائداً الى بلاده، وقد أخبرني أيضا أنه سيحضر الدعوه التي يقيمها سفيرهم في القاهرة، على شرف رئيس وزراء إيران، وأنه سيتم الحديث، وعلى نفس طريقته معه. وكان يبشرني دوماً بأنه سيبذل قصارى جهده لتقصير إيران، وبيان أحقية العراق المشروعة في مطاليبه، وأنه قد طلبَ مني أن لا أؤخر زيارتي لافغانستان كثيراً ،فأوعدته وأخبرته، أن السيد الرئيس يعلّق كثيراً من الأهمية، على زيارتي لكم في القريب العاجل.. فهل فيما حصل أيها الأخ أي خدمة للبلد والثورة؟… أمري لله، والأمر لكم وحدكم تقدرونه… أو أنكم إستكثرتم عليّ هذا التعب، وهذا العمل في رفع كلمة العراق، وإظهاره بمظهر القوي وصاحب الحق مع دول، ننشد صداقتها، ولذا فقد أصدرتم أمركم، وبهذا الشكل والسرعة للانتهاء من كل واجباتي، وإبقائي في الخارج ؟عسى الله أن يهدينا الطريق المستقيم…
أخي: نعم لقد سبق وأن ذكرت أنني عند وجودي في إسبانيا، تسلمتُ مكالمة من الأخ عبد الكريم، يعلمني فيها، أن لاحاجه لسفري الى نيويورك، وبرقية أخرى من الخارجية، من وكيل وزير الخارجية (السيد رشيد الرفاعي) يعلمني فيها بالغاء السفرة الى نيويورك والعودة الى بغداد، ففعلتُ وعدتُ فعلاً حسب توجيهاتكم، ولكن العودة كانت على غير المنتظر.. كنتُ مشتاق لأسرع في العودة، ولإواجهكم وأطمئن عليكم، وأبشركم، بما عملتُ وما ساحصل عليه من هذه السفرة والمواجهات… ولكن… نعم وأقولها بكل حرقة… رددت على اعقابي متحسراً حائراً، وبأبشع ماتكون عليه معاملة السفر، ولاحاجة لتكرار ذلك فإنه يثير في النفس الحيرة، والألم، ولمن أشكو أمري، وصاحبي وأخي هو الذي حكم عليّ بهذا الحكم؟ وأترك أمري لله الواحد القهار، وأدعوا لهذا الأخ كل غفران ورحمة ومسامحة، التي هي آخر ما أتمناه لك أبو هيثم.
أخي:فهل تريدني بعد الآن أن يبقى لي أية علاقة بالحكم، أو البلد، وأنت الذي إستكثرتَ عليّ حتى بقائي قريباً منك، أدفع عنكَ الخطر لاسامح الله، أو هل تريدني أن أمثلكم كسفير، بعد أن شنعتَ بي من إذاعتك، نتيجة للقرارات التي سمعتُ أنها ّذيعت من الاذاعة، وفي الصحف، ولو أني لم أسمعها أو أقرأها شخصياً… لك عليّ شيء وحق واحد أبا هيثم، وهو أني كما عهدتني، سأبقى مدافعاً عنكَ ،وما إستطعتُ ولو في ذلك خسران لحياتي وسمعتي التي لم تبق منها شيء، حفظك الله، وسؤال آخر أيها الأخ :لماذا لم تعمل بطلبي حيث طلبتُ منكَ أن تعفيني من مسؤولياتي، ولكنكَ لم تقبل بذلك في حينه، وقد سبق أن ذكرتُ لك الحادثة، وأرجو أن تسأل الأخ صدام، فقد حدثته عن نفس الشيء والطلب وتركتُ لكما تقرير ذلك في وقته، ألا كان من الأحسن والأصوب أن أعود الى بغداد، وأبقى يوماً أكثر، ثم تذكرني بنفس طلبي السابق ونتفق على الطريقة التي أخرج بها، وليكن كإجازه للراحة والاستشفاء، وأطوّل المدة لأشهر، وبعدها أعين في سفارة ما، وبدون أن يعرف أحد وتمر شهور والعالم والافراد يتساءلون، أين فلان؟ وهل عاد من إجازته الى أن يعرفوا شيئاً فشيئاً، أنني داومتُ في السفارة الفلانية، منذ مدة فلا قيل ولا قال عند ذلك… أو أن تكلفني بتمثل الواجبات التي إعتدتَ أن تكلفني بها، بتمثيلك في الخارج، ولدى الدول وبعدها تدريجيا تعفيني من المناصب، أو حتى بدون ذكر ذلك، لأنني ساكون مشغولاً، ولا أمارسها. أليس في ذلك خدمة للحكم ولي؟ أو أنك قررت، إلا أن يكون ذلك علانية ؟… لا أحب أن أعيد القول، بأن مافعله الحكام السابقون، أعدتم الفعل نفسه، وبأسرع منهم، فقد أعفوني من مناصبي، وعينوني في الخارج، في السويد كسفير للعراق، ثم أحالوني للتقاعد وأجبروني على البقاء في الخارج وعدم العودة الى العراق، وإتهموني بالخيانة والتآمر وإبتزاز أموال جُمِعَت للحزب والحرس القومي … و… الخ من الاتهامات، فكنا جميعاً نضحك منها حسب قولك، أنهم أعداء، وليس أمامهم إلا هذه الطرق الرذيلة… ولكن بماذا نواجه العالم الآن؟ والاجراءات من أقرب الناس اليّ ، بل ومن أخي وزميلي، أمري لله.
أخي: وياسبحان الله فقد عزمتُ في الحكم السابق، أن أعود الى بغداد فوراً، بعد إعلانهم قرارالتهم ضدي، ولكنهم منعوني لعدم وجود أدلة لديهم ضدي عن التهم التي ساقوها جزافاً، وما حصل هذه المرة من أخي أن يعمل نفس الشيء وأكثر، ويعيدني بنفس الطائرة للخارج، فهل لم يحضر لديك ماتدينني به… الأمر سهل أيها الأخ فإن أجبرتَ على ذلك فلا بأس بأن تعيد عليً نفس إسلوب إتهامات السابقين، ولو أنها أصبحت رخيصة جداً ولا يمكن أن تمس بسمعة من تريدوا دوما تصّفوه – وأعني كل من تريد أن تؤذيه- بأنه سيء جداً جداً، وأن كلمة جداً لازالت قول السوء. وكلما تكررت زادت من عفوية الشخص، ولكن ومع الأسف فقد أنتهى الأمر، وياليتكم فتحتم الباب لي للنقاش والعتاب والمحاكمة، وأنا في بغداد لأسمع من كل منكم إتهامه، ولأرد على كل سؤال وإستفسار ولكن لقد مضى الوقت وولى، وقررتُ عدم العودة، وأنتم على هذه الحال، وأنتم البادون…
الأخ أبو هيثم: وخدمة أخرى أبديها وأقدمها لكم وهي: أن كنتم قد أقررتم مع أنفسكم بأنكم قد تسرعتم بهذا القرار، وإصداره بحقي، فأني وبروح الإخوة الصادقة، مستعد لأن أرسل لك طلباً بإعفائي تحريرياً موقعاً من قبلي، ولايعلمه إلا الله، ونحن الاثنين تاركاً تاريخه لكم، لتضعوا عليه تاريخاً سابقاً، وليكن قبل شهر مثلاً لتقولوا " أن إخراج حردان من مناصبه أي إعفائه، كان بطلب منه" وهذا هو الطلب، وأني أقول بالطريقة التي ترتأوها في الخارج، أن طلب الإعفاء كان مني شخصياً، لتعبي الشديد ولرغبتي في الراحة، وأزيد أنني إتفقتُ والحيتُ على السيد الرئيس بقبول الطلب هذا… وأنني أظن أن هذا قد يكون مقبولاً عندكم ، إن كان هناك إحراج لكم فيما قررتموه وأعلنتموه، ويؤيدني في ذلك الأخ صدام، حيث عرضتُ عليه الفكرة قبل مدة … وإذا ما حصل السؤال إذن لما أخرجتموه خارج العراق، فيمكن الإجابة بأن ذلك حصل حتى لايتساءل الناس، عن الخبر، ولماذا فأردنا بذلك قطع دابر التقوّل ولو الى حين.
أيها الأخ :أقول أن هذا عرض أخوي، قد يفيد من معالجة الأمر إن شعرتم بأنكم أخطأتم وتريدوا العودة للإصلح، وأكرر القول بأن هذا العرض، وهذه الرسائل هي خاصة لايعلم بها إلا نحن الاثنين والله سبحانه وتعالى، وإليكم الأمر تتصرفون به كيفما شئتم.
وختاماً أخي أبو هيثم، أكرر لك إعتذاري عن إشغالك بهذه الرسالة التي يشهد الله كم عانيتُ لأ قرر كتابتها، لعلمي بحالك ونفسيتك، ولكن ليس باليد حيلة، والصدمة التي لاقاني بها أعز الإخوان، وأكرر القول، وأطمنك بأنها رسالة كأختها السابقة، واللاحقات من الرسائل سراً، لايعلمه إلا الله، وساحفظ نسخها الثانية في أأمن مكان، فلا تشغل بالك بهذا داعياً لك وللمخلصين بالموفقية والخير، ولك من الله الصحة والغفران والسماح وسلامي للمحبين والى المستقبل ودمتم.
توقيع
المخلص حـــردان
الجزائر -الاثنين 26-10-1970
أرسلت بواسطة البريد السياسي ، وبداخله ظرفان عنون الآخر بإسم شفيق الدراجي أمين سر عام مجلس قيادة الثورة. وقد وصلـــــــت
الرسالة الثالثة
الأخ أبو هيثم المحترم
بعد التحية والاحترام والدعاء لك بالخير والصحة والشفاء ،أعود لرسالتي الثالثة والألم في قلبي .. لا يتحملها بشر ، فالمصيبة قد هدتني وتركتني ، لا أستطيع الخروج بتعليل للامور ، ينطبق على الوسط من البشر – خلق الله - رحماك يارب ونستعين بك على الصبر . لقد نفذت إرادتك ، فلا مرد لأمرك ، لأنك أنت القوي وأنت القدير.
اللهم ربي إرحم زوجتي وخفف عنها العذاب والحساب ، وأسكنها جناتك ، التي وعدت بها عبادك الصالحين- اللهم ربي الهمنا الصبر، اللهم ربي إغفر لها ولنا ، اللهم ربي إرحمها وإغفر لها أنك أنت الغفور الرحيم. اللهم ربي أنزل سكينتك على قلب هذا الطفل – سفيان – وإجعله ينسى أمه ، ولو الى حين أن يكبر ، ويقدر الأمور .. يا رب ،إرحمني فما عساني أن أستطيع أن أعمل له ، وكيف يمكنني أن القي الجواب له ، عندما يسأل عن أمه اللهم ربي فهذه حكمتك وأمرك . اللهم ربي أني أسألك ، وأنا في هذا الضيق والحرج ،أن تغفر لمن نادتهم قبل موتها أنهم سبب قتلها.
نعم يا أبو هيثم ، فأنني لا زلتُ لا أحمل عليك غضباً ، ولا زلت أحاول – على الأقل – أن أجعل مني رجلاً يكنّ لأخيه ما عاهد نفسه ، وعودها عليه من وفاء ، وإخلاص وتضحية ومودة ، رغم كل ما يشير الى أن المقابل ، قد فقدها لا سامح الله.
هل أراد صاحبي أن يستفيد مني ، وكما يقول الناس أن يصعد على كتفي ؟ هل أراد أخي أن يجعل مني سلماً، يصعد بواسطته للسطح، فلما نال ما أراد، وإستوى في محله أمناً ،أو ظن أنه أمناً دفع هذا السلم يهوى على الارض مهمشاً لا حراك به؟ وهل أشبه أخي وصاحبي بمن هما في غابة أو صحراء، تعرّض لهم الوحش ( فطلب) مني أن أحميه ، ففعلتُ . فلما صادفنا داراً أو شجرة عاونته على الصعود ، ثم بعد أن إستقر دفعتني لقمة سائغة للوحش ينهشني ، وهو متفرج على من ضحى له ؟ الله أكبر الى هذا الحد وصلت الامور بخلق الله؟ هل تقبل يا أخي أن تتصور أن الأمر يصل بالاخوة لهذا الحد من النسيان؟ أني لا أستطيع أن أقنع نفسي، وأن أتصورك وأنت قابل بها أو كعادتك ، سألت عنه ليمر مرّ الكرام ،أترك أمري الى الله الواحد الأحد.
أخي : وكما تعرفني صادق القول ، وبعد أن نفذ الله أمره، وتحقق ما توقعته وأخبرتك برسالتي السابقة ، ولنعد اليها ونقتبس منها ما كتبته وهو( فمن إمرأة سبب لها وبنفس الطريقة، الحكام السابقون مرضها الذي تعرفه ، فهل تريد القضاء عليها بنفس الطريقة وأشد منها.
نعم يا أبا هيثم، لقد نفذ الله وعده من أم أطفالي، وتحقق ما توقعته أنا، وما قالته المرحومة منذ وصولها الى الجزائر، والى أن فارقت الحياة تلبية لنداء ربها ، وهي تنادي ربي إرحمني فقد قتلوني ، وأنا أجيبها .. لا .. لا تخافي . ولا تظني السوء فرحمة الله واسعة ونظرتكِ لأخي وإخواني خاطئة ، فهم لم يكونوا يوماً ما سبباً لازعاجي وإزعاجكم ، وأن الأمر أخف مما تتصورينه، وأنه جرى إتفاق بيننا وستشاهدين ذلك وتعرفينه قريباً، فأعتبك على تصوركِ لظلمهم ، وأنهم سبب إزعاجكِ وتعبكِ وتعب الأطفال وإزعاجهم.
أخي أبا هيثم .. لا تحزن لما سأقوله، ولا تتألم لأني لما سأرويه ، فقد تحملتُ الألم وحدي، ما تحملته من الألم كثير.بحيث أنه كان بقدر ما كان أن يتحمله بشر كثير، وعليه فأني تحملتُ ما يمكن أن يؤلم الجميع الموضوع عليهم. نعم يا أبو هيثم لا تتألم حين سأروي لك قصة وفاة زوجتي، أو ساعات نزاعها مع الموت، الى أن أسلمت الروح ، وسأحتفظ بالكثير مما قالته لحين آخر، وأوراق أخرى فلا أريد بهذا الوقت أن أسبب أذىً لأحد ، وأنا الذي قررتُ أن أكون تجمعاً لكل الآلام والمصائب وحدي لا سواي.
أخي : لقد وصلت المرحومة وأطفالها الستة الى مطار الجزائر، ولتعبها فقد سبقتني للدار الذي خصصه المسؤولون الجزائريون لسكنانا ، وذلك لتعبها من مرضها . وبقيت مع بعض الأولاد لنقل عفشهم الى الدار، وذلك ليلة الجمعة 23/7/1970 ووصلت الدار في منتصف الليل ، وكانت تنادي من ألمها وتقول .. ما قالته وما لا أريد ذكره كله.. ولا أظنها نامت تلك الليلة، رغم أخذها الدواء الذي تصحبه معها، والذي إعتادت عليه، وفجر اليوم التالي – كانت تنازع وتقاوم روحها الموت، الذي سيطر عليها، وكررت مراراً ومراراً .. قولها وقولها .. ربي إرحمني .. ربي إرحمني، وأنا أحاول يائساً إسعافها، أو الترويج عن نفسها ما إستطعت الى ذلك.. وإرتمت على الارض، وتمرغت بي، وأسلمت روحها لله، وهي بين يداي، والاطفال يصرخون، ونحن بعيدون عن كل جار، وفي أرض تبعد عن البلد 25 كيلومتراً منه.. والجثة بين يدي ، وقررتُ ما يلي تخفيفاً للموقف من الاطفال ، وطلبتُ الاسراع بإحضار السيارة لتقلها الى المستشفى لاسعافها ، وإنتقلتُ بها الى المستشفى ، ليس لاسعافها كما أخبرت الأولاد ، لأنها فارقت الحياة الى الأبد ، معلنة إنتهاء واجبها في الحياة، لتلحق السابقين ولتواجه ربها بما عملت ، فبماذا سنواجه ربنا يوم لا ينفع شفيع ولا مال ولا منصب . حاولتُ جاهداً أن أنقلها للسيارة، معلناً للاطفال، أنني سآخذها للمستشفى لإسعافها بكذا وكذا، ولأجعلهم يعتقدون أن والدتهم لا زالت على قيد الحياة ولو الى حين.
والأمر الأصعب من كل هذا، فعندما ركبنا السيارة ومعي الجثة وإبنتي الكبيرة حافية، لا عليها إلا ما يستر عورتها ،أمرتُ السائق بالسير، ولا أعرف أين نذهب ، وألح عليّ بالسؤال الى أين الوجهة ، وأنا لا أعرف الجزائر ، وكل ما ذكرتُ له هو المستشفى، قاصداً من ذلك إفهام وإسماع الاطفال، أن والدتهم لازالت حية ، وإننا فعلاً نقصد المستشفى ، وسارت السيارة والسائق حائر، لا يعرف ماذا أقصد من وراء كل ذلك ، ولابد أنه سأل نفسه مراراً هذا السؤال : ماذا حلّ بالرجل، وهو ينقل جثة هامدة الى المستشفى ، ويعلن لابنته المسكينة، أن والدتها لا زالت على قيد الحياة ، هل جنّ جنونه؟ هل أنه ساحر؟ هل أنه ممثل؟ ... الخ
من الاسئلة التي دارت برأسه ، وبعد نصف ساعة توقف في الطريق، ليسأل أحد الشرطة بكلام فرنسي لا أفهمه ، ولكنني فهمتُ بعدئذ أنه يسأل عن أقرب عيادة يعرفها ، وكانت قريبة فعلاً ، فأنزلنا الجثة عند الطبيب وليلتفت الطبيب اليّ يسألني أن أرأف بحالي وأشد على نفسي، وأسأل الله الصبر . وصرخت إبنتي لما عرفت أني أخفي عليها الحقيقة، فسحبتُ الطبيب الى غرفة مجاورة ، لأعلمه أن الخبر الذي أعرفه قبله ، وأنني ما عملتُ على إخراجها من الدار، إلا رحمة بأولادي الصغار، ولامتعهم بالأمل ولو الى حين.
نعم أيها الأخ : نصف ساعة وأنا أنقل الجثة من المكان الذي إختاره الله لها لتموت فيه، الى الشارع الى عيادة الطبيب .. الله أكبر .. الله الرحمن .. الله الغفور الرحيم..أسأله الرحمة لعباده وأسألك . أيها الأخ .. ومع إيماني بحكم الله ومشيئته .. هل في هذا ما يسرك ؟ ألم يكن عليك واجب كأخ أن تقوم به؟ أتذكر يا أبا هيثم أنني حضرتُ معك ورافقتك مرتين ، سواء أكنتَ خارج الحكم أو على رأسه ، وقد كنتُ مرافقاً لك؟ نعم لقد ماتت والدتك وخالك يرحمهم الله ، وقد كنتُ مرافقاً لك في المصيبتين - فهل يحق لي أن أسأل : لماذا لم تحضر وترافقني في مصيبتي، وأن تحضر معي دفن أم أطفالي ؟ نعم وإلا فما معنى الوفاء ، وما معنى الاخوة؟ ولكن هذا ( وأقول والألم يمزق قلبي) لم يحصل .. لم يكن هناك الأخ أبو هيثم. هذا السؤال . ثم أجبتُ عليه لأجد لك العذر.. وكان جوابي لسؤالي .. كيف يمكن أن أطلب من أبي هيثم أن يكون معي، وهو لا يعرف بمصيبتي . وأردفتُ مجيباً ومطمئناً نفسي ،أنه ولا شك سيكون في أول الحضور ليواسيني، ويخفف من مصيبتي، ويكون خير عونٍ لي، من نقل جثمان زوجتي، ونقلي وأطفالي الى العراق – بلدي – وسيرافقني من الجزائر الى أن ندفن فقيدتنا ونواريها التراب، في مثواها الأخير، بالقرب من أخي المرحوم ذياب وإبنته ( وطفة) في تكريت . وبقيتُ معللاً نفسي بهذا وذاك ، الى أن تم نقل الخبر من قبل الطبيب الى البعض ، وتم نقل الجثة الى المستشفى ، وأعلمتُ سفارتكم بالخبر( ومن ذكر هذا لابد وأن أشير الى ما قام به الاخ عبد الكريم كراسنة سفير العراق في الجزائر، وزوجته إتجاهي والاطفال ، لا بصفته الرسمية ، ولكن بتقديم ما يمكن الانسان أن يقوم به إتجاه أخيه الانسان من واجبات الانسانية ، ولا أستطيع أن أقول بهذه الرسالة عنهما ،إلا أن يجازيهما الله بالخير. وهل لي أن أنسى عائلة المرحوم المجاهد الأمير عبد القادر الجزائري، والذين تكلفوا ما لم يقم به أهل فجعوا بموت إبنتهم ، جزاهم الله كل الخير. نعم سوف لا أذكر، ما قام به هذا وذاك من واجب الانسانية والمودة ، ولي في ذلك شأن من غير هذه الرسالة الخاصة.
أخي أبو هيثم : والى هذا الحد والأمر لا يعدو، عن كون أن إرادة الله ومشيئته تنفذ من عبده ، فلا مرد لما أراد الله . ولكن ماذا حدث بعدها ؟ إجتمع القوم من هنا وهناك ، وهرع كل من سمع بالخبر في الجزائر ، وحضر كل المسؤولين الجزائريين ، ومن لم يستطع الحضور فقد أناب غيره معزين وضعنا ، مشاركين لي في المصاب والحزن، محاولين التخفيف من وطأة الحمل الذي أصابني، ولكنهم كما بي مذهول لهول المصاب ، نعم أيها الأخ ، لقد حصل هذا، ولم أكن أعي بعدها ما يتحدث به القوم ، ولا ما يجري ،إلا ما سمعته من سؤال حول ما أطلبه أن أخبر أخي أحمد حسن البكر ،أبو هيثم رئيس جمهورية العراق. فما طلبتُ غير أن تعلم بالخبر، وأن يحضر القبر في تكريت ، مذكراً إياهم وطالباً منهم أن يختاروا الطريق الأسهل والأخف لاخباركم بالمصاب، وحتى لا تصدموا فيه .. نعم أيها الأخ : طلبتُ هذا وكنتُ متأكداً من أن ما أصابني سيؤثر فيكم ، كما أثر فيّ ، وكان الجميع متأكدا ، من أنكم ستفزعوا للخبر وتألموا له.. وإنشغلتُ بأفكاري طيلة اليوم، تنتابني الحسرات، موفراً بعض الوقت لتفقد الأطفال ، طالباً منهم الإسراع بإحضار حالهم، وعفشهم ، الذي لا زال على حاله الذي وصلوا به . ومرّ الوقت وأنا لا أدري ما يجول بخاطر الحاضرين والوافدين ، وكنتُ أضنهم يزدادوا ألماً ، كلما مرّ الوقت لشعورهم بألمي والاطفال الذين فقدوا أعصابهم ، والطفل سفيان الذي يبحث عن أمه ، يزيد الامر مصيبة فوق المصيبة .. نعم كنتُ أرى الوجوه والدهشة والحيرة ، فكنتُ لا أفسر ذلك ، إلا لتألمهم علينا وعلى حالنا . ولكن ومرة أخرى ، وبعد جهد كبير وحديث طويل ، حاول الاخوان والسفير العراقي والمسؤولون الجزائريون جاهدين، لاعلامي بالخبر الذي صدمني أكثر من الفجيعة التي ألّمت بي وبأطفالي ، وكل إنسان يدعي الانسانية، وله شعور الانسان.. نعم لقد صدمتُ وفجعتُ مرة أخرى .. فمصيبة بعد مصيبة ، وخبر بعد آخر .. وماذا كان؟ نعم هل يصدق إنسان ، وهل أصدق أنا الخبر المفجع الجديد؟ لقد أعلموني وليتهم لم يقولوا ذلك.. لقد قالوا وحناجرهم تتقطع .. أن أخاك أبا هيثم رفض أن تصحب أطفالك وجثمان أمهم الى مثواها الأخير.. نعم لقد رفض هذا الأمر، الذي لم أكن حتى الآن أفكر في طلبه .. وهل يمكن لك أيها الأخ أن تتصور، أنه قد يدور في خلدي أن يكون هذا جواب من أخي ؟ وهل فكرتُ أنا في هذه الحال أن أسأل : هل سأمنع من مرافقة جثمان أم أطفالي لادفنها في قبرها ولأقرأ عليها الفاتحة؟. الله أكبر.. ألله أكبر . ربي أنت أعلم بما في الصدور ، ربي أنك الشاهد وليس غيرك.
أخي أبا هيثم : بالله عليك .. وإسمح لي أن أسألك في هذا الخصوص : ماذا قلتَ لنفسك ، وأنت تعطي هذا الأمر، والجثمان ممد في المستشفى ، ينتظر دفنه في القبر؟ ماذا قلتَ لنفسكَ والاطفال يتظيرون ألماً على فقدان والدتهم ، ولم يمض على ملاقاتهم لأبيهم غير ساعات؟ ماذا قلتَ لنفسك وأن ترى بعينيك سفيان الصغير يبكي أمه ، وهو لم ير أباه بعد ليكتحل به عيناه كفاية ؟ ماذا قلتَ لنفسكَ وأنت تعطي أوامرك ،والأب حائر بين هذا وذاك لا يدري ما يعمل ؟.
أيها الأخ : لقد حرتُ في أمري ، وأنا أسمع هذا الخبر. نعم لقد حرتُ في أمري. ماذا سأجيب؟ ماذا سأقول وأنا على هذا الحال؟ وكان ما كان ، وسكتُ ولم أتكلم. .وطال سكوتي كعادتي ، والكل ينظر اليّ ليعرف ما سأقول .. ولم أزد بأكثر من إذ طلبتُ من السفير أن يبرق ما يلي لأخي أبو هيثم " لعدم حصول الموافقة بمرافقة جثمان زوجتي قررتُ دفنها في الجزائر".
نعم لم أزد على هذا ، ولم أعلق عليه يا أبا هيثم ، فبهت القوم ولم يردوا . وأجاب الجزائريون، بأنهم قاموا من جانبهم بإحضار كل شيء لنقلي والجثمان وأطفالي للعراق بطائرتهم الخاصة ، وأنهم بذلوا كثيراً من المساعي ليثنوا الرئيس عن قراره ، ولكنهم أسفوا من الجواب ، فعرفتُ عندئذ أنهم إتصلوا بكم حول الموضوع الذي كنتُ أجهله ، وعلمتُ أشياءاً وأشياءأخرى ، لابد لكم قد عرفتموها قبلي ، وأن هناك برقيات أرسلت منهم لكم ، ولكنكم رفضتموها ، فدافعتُ عنكم كعادتي بما تمكنت عليه ، وقضي الأمر وإنطبق قول الشاعر مرة أخرى :
في البحر ما خنتكم في البر خنتوني
في التبر ما بعتكم في التبن بعتوني
أخي أبا هيثم وبقيت الجثة ثلاثة أيام في المستشفى ، تنتظر دفنها ومواراتها التراب ، فقد ماتت المرحومة صباح يوم السبت ، وبعد وصولها بساعات، ودفنت ظهر الاثنين.. فنحمد الله ونشكره ، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
أخي أبا هيثم ، لم أقصد والله شاهد على ما أقول أن أنال منك ،أو أن أسبب لك تعباً أو أذى بكتاباتي هذه ، ولكني وكما أخبرتك برسائلي السابقة ، فإن كل رسائلي اليك خاصة وأخوية ، ولا يعلم ما تتضمنه غيري وغيرك ، ولا كان من الواجب أن أدخل بتفاصيل كثيرة ، غير أنني لم أجد بداً من أن أخبرك ، لظني بإخوتك الكبيرة أولاً، ولتكن هذه الرسائل ضمن ما سيحويه كتابي في المستقبل ، أما الاشياء الأخرى غير الخاصة، فسأعلمك بها أيضاً وبنفس الطريقة الخاصة ، ليكون الموضوع كاملاً ، ولكن لا أخفي عليك شيئاً من الحقائق التي مرت بنا ونحن نتحمل المسؤولية جميعاً.
أخي وسأعود الآن لأكتب لكم ما حدث خلال هذه الثلاثة أيام ، ويوم الدفن لعلها تكون لكم ذكرى. وكسجل لي أراجعه في كتاباتي. .. تحملت الحكومة الجزائرية ، وبقرار من الحكومة والحزب ، على ما ظهر لي بالقيام بالواجب العربي والانساني ، بعد أن فقده الغير – فأحضروا ما يلزم في هذا الباب والخصوص – بما يلزم للجثة من إحضار، وما يلزم لنا من إسكان حيث نقلونا الى قصر الضيافة الملحق بالقصر الجمهوري ( قصر الشعب) ليسكن فيه الاطفال ، ولأقيم فيه الفاتحة ، ولازموني وأطفالي طوال الوقت ، فالرجال معي وكأنهم بخفارة عسكرية لم يفارقوني ، وكانوا معي دوماً ، ونساؤهم كمسؤولين وغير مسؤولين ، والمنظمات النسائية مع البنات والاولاد ، يحاولوا التخفيف عنهم ، والشد من عزمهم ، على مجابهة المصاب ، وأحضروا كل شيء لنقل الجثمان الى القبر، الذي إختاروه ، لتكون المرحومة في مقبرة الشهداء ، وقريباً من الشهيد المجاهد الأمير عبد القادر الجزائري ، وحضر الأخوة الوزراء أو ممثليهم ، ومسؤول الحزب ( قائد أحمد) ورفاقه وممثلون عن رئاسة الحكومة، والعلماء والسلك الدبلوماسي العربي ، ومن سمع الخبر .
وتركنا الدار التي نسكنها الى المستشفى حيث ودع أولادي أمهم المرحومة ، الوداع الأخير، بعد الصلاة على روحها ، وقراءة الفاتحة ، والكل يبكيها بحرارة لاتقل عما أصابنا ، ورافع وإخوانه يتلون حسرة ومرارة رحمها الله، وأسكنها فسيح جناته ، والهمنا الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
أيها ألأخ أبو هيثم : ثم عدنا الى الدار لنقيم الفاتحة التي ستنتهي اليوم الاربعاء 28/10/1970 لنجد كل شيء معد لاستقبال المعزين والقراء يرددون كلام الله العظيم. نعم يا شعب الجزائر ، ويا حكومته الوطنية – لقد قمتم بالواجب إتجاه أخ عربي مناضل .. عاملتمونا واطفالي وفقيدتنا خير معاملة .. وآسف أن أكون قد سببتُ لكم هذه المتاعب .. أعزكم الله جميعاً وحفظكم من كل سوء.
أبا هيثم ..لا بأس عليك ..أسأل الله الرحمة للجميع ، ولكم الصحة والموفقية .. نعم لقد ماتت أم أطفالي في أرض بعيدة عن مسقط رأسها ، الذي نحّنُ اليه ، والذي بخل الأخوة من السماح لها، بسكن مترين من الارض لتستقر بها الى جوار ربها.
لقد تألمت وتحملت كثيراً في حياتها ، وشاركت في نضالها عن طريق زوجها ، وواجهت من المصاعب والحرمان ، ما واجهت . وأنتم تعلمون ذلك حق العلم، فما هو جزاؤها؟ لقد كان جزاؤها على طرفي نقيض ، فمن أخ منع عنها القبر في العراق ، ومن أخوة خصصوا لها أبرك الأرض وأطيبها.. ومن أخ أدار ظهره عن زوجها وأطفالها ، ومن إخوة فتحوا لها ولأولادها السكن والحنان والدموع والحسرة.. ومن أخ بخل بكلمة نعم، ومن إخوة صاحوا أهلاً وسهلاً وتبريكاً ومعزةً.
الأخ ابو هيثم : أكرر أن ما كتبتُ خاص وسر لقراري، أن لا أخفي عنكم شيئاً ،إقرأ كتاب هذا كقصة ، ولتكن أول قاريء لها قبل أن تكون قريباً في يد الجميع .. لا أبغي من وراء ذلك ،إلا الحقائق ، وإن ذهبتُ الى أكثر من هذا فبإمكانك الرد عليه.
ولنقل أن الجزائريين لم يقوموا بالواجب ، فما بالك بما قام فيه إخوان من الخارج .. ممن حضر الجنازة ،أو الفاتحة، أو أرسل البرقيات أو تكلم هاتفياً ، وعرض المجيء والحضور .؟ نعم لقد كان لهذا وذاك أطيب العزاء لي ولاطفالي ، داعياً لهم ولكم بكل خير وبركة، وأن لا يريهم الله مكروهاً.. وآملاً أن يحفظكم الله جميعا، وأن يحفظ لهم الله من عتابكم وإخوانكم ، لما قدموه من خير وحب وإنسانية..وأحمد الله وأشكره على أنه قد برهن لي، أني لم أكن سبباً في إيذاء أحد،أو النيل منه ، فأكرمني الله برضى جميع المخلصين والمحبين . شكراً لك يا رب ، والحمد لك على ما هديتنا اليه ، وأدعوك ربي أن تهدني صراطك المستقيم ، وأن تجعلني دوماً أعمل صالحاً ترضاه.
أيها ألأخ .. إن ما حصل من ردة فعل لدى كل أخ ومحب ، برهنت لي دوماً على ما كنتُ أعلل به النفس ، وتوصيني به المرحومة ( رغم عدم علمها بجميع الأمور) أني لم أكن ولن أكون سبباً في حرمان بشر من العيش ، كما فعل غيري .. ولا أكن سبباً في قتل نفس بريئة ، كما تسابق الغير.. ولم أكن سبباً في فراق والد لولده ، كما تفنن الغير .. نعم لم أشرد ، ولم أقتل ، ولم أحرم بشراً بقدر ما إستطعت وأنت تعلم ذلك وتقره.
أبو هيثم : ألا تذكر كم من مرة الححتُ عليك بالصلاة، على الأقل أيام الجمع في المساجد ، كمسؤول . وقد نجحت بعضاً ولكنك قطعت ذلك ... من يؤمن بهذا .ألم تذكر كم من مرة طلبتُ منك الرأفة بالبشر ، وقد أكون سبباً في التخفيف عن الكثيرين ماإستطعت الى ذلك سبيلا، ولكنكم أوغلتم في التعذيب والقتل والتشريد ؟ ألم تذكر أيها الأخ كم من مرة إعترضتُ على قرارات خاطئة ، قصد بها حرمان الكثير من معاشهم الذي يستحقونه ، وقد نجحتُ في بعضها وتألمت للباقين؟.
نعم أيها الأخ : لقد أحببتُ الشعب الذي فرضنا انفسنا حكاماً له..أحببته لأني ما عملتُ لأصل للمسؤولية ، إلا لخدمة الشعب ، والنهوض به؟ أحببتُ جيشي الذي عشتُ فيه وعملت الكثير من أجل تقويته ،محاولاً زرع روح العروبة والفروسية فيه. وأنت أول من كان يشهد بذلك ، وما قدمته من خدمة لهذا الجيش ، حاولتُ جهدي أن أخفف من التفاتكم لتحطيمه وتنظيفه ، من خيرة ضباطه وجنوده.. لقد كنتً عالم ومتأكد بأنكم لا ترضون إحتقار الشعب وتصفية الجيش ، ولذا إندفعتُ لخدمة أبناء الشعب وقواته المسلحة ، ولكن ما تحملته كان كثيراً.. اللهم ربي أشهد وأنت العالم بما في الصدور ،أنني لم أخن شعبي ولا جيشي ولا وطني ولا أمتي .. وقد شهد بذلك الاقربون والابعدون ، وقد شهد من عمل عكس هذا في المدة الأخيرة .
أيها الأخ أنا لا أقصد .. نعم وأكرر هذا .. أني لم أقصد أن أتهمكَ بمحاربة الشعب وأفراده بقوتهم وحياتهم وحرياتهم وبيتهم ، ولكن هذا ما حصل خلال السنتين الماضيتين ، وأنك دوماً تتألم لما حدث ، ولكنك سرتَ مع التيار . فهل فيما أقول خلافاً للواقع .. لقد ذهبتم أكثر من هذا ودستم على كرامات الناس .. اللهم ربي إشهد. وقد أقول هذا لأني في مصيبة حيث فقدت أم أطفالي ، وأنا في الخارج مطروداً من البلاد .. لا يارب أن ما أقوله هو ما تعلمه، وما علمتَ منه هو ما أقوله.. يا رب كم من نفس قتلت بريئة ،أو كم من بشر فقد مركزه وسبيل عيشه؟ وكم من عائلة عانت الجوع والحرمان والألم ؟ وكم من بشر نال العقاب والتعذيب ؟ هذا ما أعرفه ، وكيف بالذي خفي علينا .. اللهم ربي أغفر لي إن كنتُ سبباً مباشراً أو غير مباشر للنيل منه .. وأهدي اللهم إخوتي ليعودوا الى الطريق المستقيم وطريق الحق.
اللهم إغفر لي، وأطلب ممن سببتُ لهم المتاعب أن يسامحوني، أو يقتصوا مني لاني كنتُ مشاركاً ولو ببعض من الأخطاء .. اللهم ربي أشهد وأنت العالم بما كنتُ أتعذب فيه. وما سكوتي عن بعض الأخطاء التي كنتُ أعرف أنها إرتكبت ، وأنا مشارك في المسؤولية ، إلا إنقاذاً للباقين ، وآملاً في تصحيح الأمور ومعالجتها .. ألم يكن هذا هو الواقع يا أبو هيثم .. وأكرر وأقول أنك لست، من أعتقد أنك بهذا الطريق وهذا السلوك ،إلا أن هذا ما حدث.
أيها الأخ ، وبلا شك أن يتستر الحاكم على الكثير ، ولكنا كبشر هل نستطيع أن نخفي ونتستر شيء أمام الله وأنفسنا؟
أخي ما ذكرتُ هذا إعتباطاً ، ولكني أبغي من وراء القصد الشريف والاخلاص لتنبيه من زلات ،أعتقد فيه الخير ، ولم تكن رسائلي لكم رسمية حيث كررتُ وأكرر هنا أنها شخصية لك وبيننا.. وبعدها وقبل ترك البلد بأيام ماذا عملنا؟ وهلا كنا سبباً في هلاك وتشريد وقتل وجرح الكثيرين من إخواننا العرب في الاردن؟ نعم ولا حاجة لذكر التفاصيل التي تعرفونها، نتيجة دفعنا ومساهمتنا في دفع الامور ، الى ما آلت اليه ، نتيجة الجهل والحقد ، الذي يتميز به الكثيرون ، وقد أنتقدتم ذلك أنفسكم.. والحمد لله أني عملتُ كثيراً لخدمة البشرية في الاردن ،أثناء الاقتتال .. وسأكتم قراراتكم وأعمالكم في هذه الرسالة ، لأن لي فيها شأن ، وقد أحضرتُ ما يجب قوله حقاً في الوقت المناسب ، وقد لايطول الى عقد مؤتمركم القادم ، وقد يكون قبله لاضع حداً لكل تساؤل وعدم معرفة أو إتهام . وأظنكم تقروني على ذلك.. ألا تذكرون أن الكل تملص وتخاذل في إتخاذ القرارات لانقاذ الموقف؟ ألا تذكرون تهرب البعض عندما يتعقد الموقف ويصعب ، ويتطلب إتخاذ القرارات؟ القرارات التي ينتظرها الشعب الذي نصبّنا من انفسنا حكاماً عليه.. الشعب الذي ينتظر منا ساعة الفرج في وقت المحنة. إذن ما هو واجبنا إن لم نستطع انقاذ الشعب العربي من محنته ونخفف من آلامه ، ونعالج أموره. وهل المطلوب منا كحكام فرض العقوبات على الشعب فقط؟ أم المطلوب السير به الى شاطيء السلام والحرية والعيش الشريف؟ على كل حال ، وكما ذكرتُ لكم فإن لي شأن بهذا الموضوع ، وقد أعددتُ فيه تقريراً كاملاً ، وإن شئت َأرسلت لك صورة منه ،أو إن شئتَ تركته كغيره لساعته؟
أخي أبو هيثم : نعم لقد إنتهى الأمر الآخر ، وماتت أم أطفالي ، ولم أرد من الشرح الطويل الذي ذكرته لك لأروي لك قصة للقراءة أو لأؤثر فيكَ أو لاستنجدك . فالأمر أمر الله ، وقد نفذه في وقته ، ولا مرد لامره ، وإنما ذكرتُ ذلك كواقعة ، لي فيها شأن وغاية ، فخذ منها ما ينفعك ، وإترك ما لا شأن لك فيه، أو أهملها إن شئت ، ولكنها بالنسبة لي ولمن يريد سماعها مع ما ما كتبتُ سابقاً، وما اعددتُ ، قد تكون نافعة ومفيدة ليسمعها الحكم والحزب والشعب والعرب والعالم ، وياما كتبَ كثيرون في مواضيع مختلفة وسموها بأسماء كثيرة كما ذكريات شخصية أو تقارير أو أو .. الخ . والأمر متروك الى حينه وقد لا يطول أن شاء الله.
أخي أبو هيثم : إن رسائلي لك لازالت خاصة وسرية، وأني إذ أكرر ذكر هذه الحقيقة منبهاً أياك، أنها إن سقطت بيد غيرك فقد لا يعجبك هذا ، وإن أهملتها أو أمرتَ أحداً بعدم إستلامها ، فسيقرؤها ذلك الشخص أو غيره، وهذا قد لا يعجبك أيضاً ، وعلى كل حال فالأمر متروك لك ، لتقرر ما تراه مناسبا ، ولكنني سأداوم على إرسال كل ما أكتب بنسخة لك وأحتفظ بالثانية والثالثة عندي ، وفي أأمن مكان ، فتأكد من ذلك ولا تخشى شيئاً.
أخي أبو هيثم : لقد حرمتُ من العودة للبلد ، وتوفيت زوجتي ، وهذا قدر من أقدار الله ، ولو أن سبحانه وتعالى قال ( وجعلنا لكل شيء سببا) ولا أدري ما يخفيه لي القدر ، فهل سيتبعها رافع أو سفيان الصغير أو أحد إخوتهم أو كلهم أو أنا ، فهذا لا شأن لي فيه ، وأترك أمري لله الواحد القهار ، وأدعوه الرحمة والغفران ، ولك مني ومنها ومن أطفالي السماح والمغفرة . ودمتم للمستقبل.
وفقك الله وحفظ لك عائلتك وأولادك وهداك الى سبيل الرشاد والخير .
توقيع : المخلص حردان
الجمعة 30/10/1970
وأترك الكتابة الى حين داعياً المولى أن يحفظ علينا والمؤمنين كل مصاب ، وأن يبارك لنا ولكم أيام رمضان غداً أن شاء الله .
الجـزائـر
الرسالة الرابعة
الجمعة 6/11/1970
الأخ ابو هيثم المحترم
تحية أخوية وأدعوا لك بالصحة والشفاء، ومن الله الهداية، لما فيه خير الجميع.…
أيها الأخ: أرسل لك رسالتي هذه، وهي الرسالة الرابعة طالباً المعذرة، من كوني أشغلك بهذه الرسائل، ولكني مابغيتُ من إرسالها إلا لتكون تذكرةً لك.. ومصدراً لي في واجبي . وحتى أوفي بوعدي لك، بأن لا أعمل ولا أقول شيئاً لم أذكره لك وأبينه على حقيقته، وأن لا أخفي شيئاً عنك، كما تعاهدنا .. وحيث أني أحفظ العهد … مؤكداً، ومرة أخرى، وكما في كل رسالة ومكرراً أن هذه الرسالة وسابقاتها واللاحقات ،هي رسالة خاصة وخاصة وسرية، لم يطلع عليها أحد غيري من جانبي ولك خاصة أيضا، لايطلّع عليها أحد إلا أذا شئت غير ذلك، وأنت الذي وليس لي عند ذاك رأي … تقدره أو أنك لاتطلع عليها أحد ، ولكنك يمكنك التصرف بالمعلومات التي فيها ومن غيرها.
أيها الأخ :أتذكر في رسالة سابقة، حيث قلتُ لك أنكم كالعادة ،إذا ما أردتم أ ن تتخلصوا من أحد، أو تفرضوا عليه العقوبة، فإنكم تبدأوا أولاً بسجنه مثلا، ثم بعد ذلك تبدأوا بالبحث
2
عن جريمة أو جرائم لتلصقوها أو تنسبوها اليه، على أن تكون هذه الجريمة أو الجرائم. تتناسب والقرار الذي قررتم أن تعاقبوه به والوضع؟ أليست هي هذه الطريقة التي تتبع دوماً في التخلص ممن لاترغبوا بهم؟ وأكرر هنا وفي كل مجال أنك لستَ وكما قلت سابقاً يرغب بهذه الطريقة … ماشاء الله- ولكنها الحقيقة ألا تذكر يا ابا هيثم كم من مرة قلتُ لك :أن القرار الفلاني خطأ… وأن الأمر الفلاني فيه تجني … وأن العقوبة الفلانية، ليس فيها وجدان وليست حقيقة، ولا تنطبق على الواقع …؟ ألم أقل لك هذا يا أبا هيثم؟ وماذا كان جوابك على ماكنتُ أتسائل عنه وأشرحه لك ؟ نعم بو هيثم …
أذكرك الآن ماكان جوابك وهو: ألم ترَ ياحردان العقوبة الفلانية في القضية الفلانية يجب أن تكون كذا وكذا.…؟
وأن أمر فصل فلان مرغوب فيه رغم عدم وجود مايدينه؟ وأن تعيين فلان أو الفلانين لامناص منه، الا أن الاتجاه بهذا الطريق هو المطلوب مرحليا ، وإراضاءا لفلان أو فلانين . ألم يحصل هذا يا ابو هيثم؟…
أيها الأخ: وعندما كنتُ اتساءل منك، والى متى ستنتهي هذه الفوضى ؟ ولماذا لاتضع لها حدا ؟ ومن يجبرنا على إرتكاب الأخطاء مادمنا نحن الحكام؟ وهل جئنا لنجعل من هذا الشعب حقل تجارب؟ فكنتَ تجيبني: الحق معك ولكنني لا أريد أن أقف موقفاً حدياً
3
من مثل بعض هذه القضايا، ولنعتبرها أخطاء بسيطة، نقصد من ورائها عدم تكرار الأخطاء ولكي يعي الجميع الخطأ .
فلا يقعوا فيه مرة أخرى، وكنتُ أعلل نفسي بأنه مادام الخطأ يمكن إصلاحه بالصحيح يوما ما، فلا بأس من السكوت( ولو على مضض) على بعض من الأخطاء بغية عدم الوقوع في أكثر منها أولاً، ومحاولة إعادة تصحيح ماوقع من خطأ ثانياً.. ولكن الأمر كان على عكس ما توقعنا يا أبو هيثم. وقد صدق ظني حين قلتُ لك مراراً يا ابا هيثم أن القوم تمادوا في ارتكاب الاخطاء حتى اصبح عندهم إرتكاب الخطأ والجريمة طبيعية ، وإتخاذ القرارات الصحيحة وإاتباع الحق من غير المألوف .
ثم أردفت قائلاً .. يا أبا هيثم أنك قصدت من سكوتك على بعض الأخطاء .. أن يتوب القوم الى رشدهم من تلقاء أنفسهم، أو من تعرفهم على النتائج المخطوءة … نتيجة طيشهم وتهورهم ..ولكن القوم الفوا هذا وأنهم يروا من غيره عيباً، فالى متى ونحن ساكتون عن كل هذا التحدي، الذي لاترضاه أنت نفسك، ولماذا نصبح كل يوم لندم على إتيان الأخطاء وفرض العقوبات، التي لاحق لنا بها- على الرعية التي نصبنا من أنفسنا حكاماً عليها ؟ لماذا هذا الإستهتار بالواجبات؟ لماذا هذا الإستخفاف بكرامة الناس ؟
4
بربك يا ابا هيثم ...ألاتذكر كم من نفسٍ بريئة قُتلت؟ وتقول للأوليات إن الظروف الصعبة وعدم الدراية هي التي سببت الخطأ.. ولكن ماجوابك على … غيرها وبعد سنة وسنتين؟ ألا تذكر يا أبا هيثم كم من شخصٍ عُذبَ( وهو مانعلمه فقط ولاعلم لنا اللهم بما لانعلمه) .. زوراً وبهتانا ؟ وكنا نقول أن هذا يحصل بغية
معرفة الحقيقة أو الجريمة التي ينكرها مرتكبوها وقد يصيب بعض الابرياء شيء من العذاب الى ان تظهر الحقائق .ولكن ما جوابك على التمادي بهذا؟ او التعذيب لغير ما سبب اللهم الا لاغراض شخصية رذيلة؟
ماذا تقول لله سبحانه وتعالى عندما يسألنا: ألم تأتكم أم عجوز أو إمراة شابة أو طفل صغير، أو شيخ عجوز، يسألون عن إبنهم الذي إقتادته السلطة في يوم كذا ولايعرفون مصيره لحد اليوم؟
ماذا نجيب يا أبا هيثم هذا وذاك، بعد أن نعلم أن المسؤول عنه قد طواه الشوى؟
ماذا نجيب ضميرنا إذا أخلينا الى أنفسنا، وسألناها، ماذا ساجيب الموظف الفلاني أو الضابط الذي سألني اليوم عن سبب فصله، وقطع سبيل رزقه، وأنا متأكد أن لاذنب لهما، لكي ينالا هذا العقاب؟
هذا مايحصل كل يوم عندما كنت قريباً منك، نعم كان هذا يحصل كل يوم وابلغكَ ببعضه وأكتم عنك بعضاً( احاول ايجاد
الحل لبعض القضايا، ومحاولاً إيقاف التي التيار هذا بشرح الواقع لك لتكون … …عونا لي بها.. وكنتَ توعد خيراً ، وكنتُ أنتظرالفرج ، وكانت الايام تمر وأنا مطلع على كثير من الامور نتيجة احتكاكي بالشعب والموظفين والقوات المسلحة وانت تعرف ذلك، ولكنكم كنتم بعيدين عن كل هؤلاء، حيث عزلتم انفسكم عن الشعب.. ألم يحصل هذا يا أبو هيثم؟ بربك ألم تقل لي وتطلب مني ذلك أن أنتقل من داري التي أسكنها وأسكن في دار أخرى، قريبة منكَ وعلى حد قولك، لكي أكون بعيداً عن مراجعات الناس، التي تسبب لي الإحراج؟ ألم تطلب مني ذلك يا أبو هيثم؟ ولكني لم أتحول عن داري، وبقيتُ فيها لأكون اقرب وأقرب الى أشعر بشعورهم.. محاولاً تفهم قضاياهم عاملاً على إيجاد ايجاد الحلول لبعضها واعدا بالعمل على إيجاد الحق للقضايا الباقية .. مؤملاً من لا امل له في إعادة الحق له.
وأسالك هنا يا أبو هيثم: أليس هذا هو مايجب أن تقوم به؟ أليس هذا هو واجبنا كحكام؟ وأكرر هنا وأتساءل.. ياعجبا كنا حكام على من ولمن، إذا كنا لا نرعى حقوق الشعب ومصالحه من هم إذن بالنسبة لنا ؟ هل هم عبيدنا ؟ وهل من واجب السيد أن يذيق عبيده شر العذاب؟ اللهم ربي أطلب منك المغفرة.
إن كنتُ سبباً في إيذاء بشر متعمداً أو عن غير قصد .
نعم أيها الأخ:
… أعود الى مابدأت فيه بهذه الرسالة وماذكرته برسالة سابقة ، لأ قول أنه إذا ما أردنا معاقبة أي شخص، فما علينا إلا أن نبدأ بسجنه أو تشريده، ثم نفرض عليه الجرم، ثم بعدها نجد الإتهامات التي تنطبق والعقوبة التي نريد فرضها عليه.. أليس هذا هو الصحيح؟ وهذا ما حصل لي طبعاً .وقد بينتُ ذلك مسبقاً وفي رسائل سابقة، حيث قلتُ لك أنه من السهل الآن إيجاد المبررات لقراراتك ضدي، وإبعادي وإعفائي من مناصبي العسكرية والسياسية (ولا أعرف إذا كانت المناصب المناصب السياسية تعني منصب عضو مجلس قيادة الثورة سابقا أولا.. ؟) نعم انه من السهل الآن إيجاد المبررات، بأن تأخذ بنصيحتي وتخرج … القوائم ( أ و ب وج ..) لتطبق ماتراه مناسباً منها كالعمل لدولة أجنبية أو التجسس الخ… أو إستغلال النفوذ أو السرقات أو الرشاوي… لحساب اسرائيل او غيرها ماشئتم وما كتب من تلك القوائم الاتهامية المحضرة.
نعم يا أبو هيثم لقد بان ذلك.. وقد لايكون لك دخل فيه، ولكن لك علم فيه .. وإن كنتَ لاتعرفه، فسأل عنه .أقول لقد بان ذلك في التعليمات .. أو الايضاحات أو ما شئت أن تسميها، والتي نزلت الى منظمات الحزب من قبل قيادتكم، تبين الأسباب التي دعت الى إتخاذ القرار بإعفائي من كل مسؤولياتي.
7
وتزيد التعليمات، بل وتبدأ بمدح طويل عريض عن مواقفي البطولية والنضالية واعمالي المثلى، التي لاترقى اليها شائبة في كل المجالات، وبعد كل ماحصل مني من أعمال طيبة، فقد تقرر إعفائي من كل المسؤوليات، وإنتهى دوري الى هذا الحد. أما الأجوبة على أسئلة المستمعين الى هذا الشرح، وهذا المديح بحقي، والذي لاينسجم مع القرارات التي إتخذت بحق، لم يقم إلا بألاعمال المشرفة، بإعتراف من كان يشرح الموقف للمستمعين. نعم لقد كانت الأجوبة: أن دوره قد إنتهى وإننا في دور آخر الآن . وبعد فالجواب الأخير عن سبب إعادته من المطار إن كان عليه ما يوجب محاكمته أو محاسبته ؟ كان الجواب لا شأن لكم بهذا ،وقد أوضحنا لكم أنه قد إنتهى دور فلان. وبعد إلحاح السائلين ، فقد أضيف أن حردان يتآمر وكفى. ولا بد أن ذلك قد وصلكم أيها الأخ.. نعم أن هذا كل ما موجود لحد الآن(أي القائمة رقم..) من الاتهامات.. وهل يقنع البشر بهذا الكلام وهذا الاتهام .. ألم يكن من حق كل البشر أن يتساءل ،إن كان هناك أي إتهام أو جرم ضد حردان ؟ 8
منذ وصل حردان الى بغداد، رغم تبليغه من بيروت بعدم مواصلة السفر، ثم اعيد فورا من بغداد، وعلى نفس الطائرة الى الخارج، وهذا يعني أحد أمرين، أما أن يكون حردان أسطورة من الأساطير، بحيث أنه يخيف حكام العراق، بمجرد … وجوده على ارض عراقية... وأن الدنيا في العراق ستنقلب رأسا على عقب، اذن… ماداست رجل حردان أرض العراق... أو أن حردان قد أبعد للخارج للتخلص منه كباقي الأبرياء، ولم يسمح له بالعودة رغم محاولاته، وذلك لعدم وجود أدلة ضده، وأن ماسيتهم به يعّد ظلماً وبهتاناً ،لأن الحكم قد قال بعدم وجود أتهام ضده ،لأنه لم يقبله في العراق، أو أن الحكم هو المسؤول والمجرم، وأنه يخشى حردان، لأنه مطلع على جرائمه...؟
نعم يا أبو هيثم: هكذا يقول العالم، وأنا الوحيد الذي أستمع الى البشر يقولون مايحلو لهم، ولا أجيب لأني وكما قلتُ لكَ، سوف لن أتكلم مادمت. فقد قررتُ عدم … الكلام، ولكنني بنفس الوقت واعدتك بأن أكتب لك عن كل شيء .. ماحصل في السابق ومايحصل الان ،ولن أخف عنك شيئاً.. وأكرر هنا وأقول أن رسائلي خاصة لك وحدك ، وأنني سأحتفظ بالنسخ الأخرى عندي في محل أمين .
9
وأن ماكتبته لك هو مختصر لما أسجله لنفسي من زمان. فتأكد من ذلك ولاتشغل نفسك به.
أيها الاخ:نعم هكذا يتساءل الناس، وهكذا يتساءل الحزب ،وهكذا أتساءل أنا (رغم أني أتساءل مع نفسي ولا أسأل أحد) وقد كررت السؤال وبأشد من الأول، وبعدها قطعتُ التساؤلات الكثيرة، منها حين تكرر رفضكم لي بالوصول الى العراق مع جثمان زوجتي، وقررتم أن أدفنها في الخارج، على أن تدفن في تكريت ،وأكون …معها. نعم لقد اصبح العالم كله في الصورة فقرر براءتي من كل إتهام بل …وإتهام السلطة بالتقصير والخوف من جرائمهم .. فهل ستقول أن هذا كذباً وأنني مقصر، وتعود لما سمعته عنك، نقلاً قبيل تركي بغداد، وقد أوضحت لك ذلك … برسالتي السابقة . أو هل تذكر يا أبو هيثم قبل تركي بغداد، وقبل أيام معدودة .. حين كنا مع بعض إخوتك في حديقة القصر ليلاً، وحين إختليتُ بك لوحدك تاركين إخوتك جالسين في محل جلوسنا، وتمشينا قليلاً، بعيدا عنهم، لأذكرك بما قاله زميلك قبل دقائق، من أن البعض يتهمني بكذا .
10
… وكذا، وأنك سمعته وماذا كان ردك؟ نعم لقد كان ردك، أنك شتمته بأبشع الألفاظ ( المسجلة عندي).
وقلت بالحرف الواحد أن هذا الرجل، لن يترك عاداته القبيحة، وأنه
… وأنه، الى آخرالقول، فهل كان الكلام من عنده ... أنه حلف الايمان المغلظة أن … وأنه ترك لي أن أتعرف على من قال ذلك … هذا لم يصدر عنه . ولكني ولم أعر لذلك إهتماماً كبيراً.. الى أن…ولكني لم أواجه أحداً ، ولم . نعم الى أن بدأت أسمع عنكَ وعن غيركَ نفس الاتهامات .. نعم الى ان.. بدات اسمع عنك وعن غيرك نفس الاتهامات.. فالامر لله وحده ولااريد الاكثار من التعليق هنا.. ولاتركه عند هذا الحد ولتبقى التفصيلات معي.
أخي أبو هيثم
… قد تقول أنك لازلت ذلك الأخ ، الذي يجب أن أثق فيه، وأنك عند حسن الظن … وأنك لاتعرف بما حصل، ولنفرض أن ماتقوله هو الصحيح، فماذا عملت بعد أن عرفتَ الزيف والكذب؟ أو أنك كعادتك تترك الأمور تمشي على ماتشتهي السفن، ولاتحرك ساكناً، كما كان يحدث ذلك في أمور صعبة كثيرة؟ وهل سيكون مصيرك إحدى الحالات التالية:
إنك ستعفى من كل مناصبك لعدم انسجامك مع الخط؟
أو أنك ستبقى على حالك موافق على مايقرر؟
11
أو أنك ستزعل، كما لك دوماً، ولاتداوم بحجة التعب ويطول مكوثك، والأمور تسير على مايشتهي الغير؟
أو أن كل هذه ستحدث مرة واحدة، وأن بعضها متمم للآخر؟
أخي ما أردتُ من هذا، إلا أن أذكرك بما حصل وما سيحصل، وأنك ولاشك تقره ولكن هل هذا يعفي من المسؤولية ؟
أتذكر بهذه المناسبة يا ابو هيثم، حين قلتُ لك في إحدى الجلسات: أنك تتحمل المسؤولية كلها، وأنك المسؤول عن كل شيء؟
نعم أنك تذكر ذلك، لأننا إخترناك رئيساً وقائداً، وكان الكل( من غير ذوي النفوس الضعيفة-أو طالبي المناصب)
يؤيد قريباً أو محباً صادقاً ، ولكنك خذلتهم، وفرطت بهم، وعلى ظني، وأنا بعيد أنك قد خسرت الكثير، ورغم أن الموجود ممن لازالوا يتعلقون بك، كثير في عقيدتهم وتفانيهم وإخلاصهم.
أخي أبو هيثم: لقد قلتُ لك في رسالتي السابقة، ماحدث لي والمصيبة التي حلّت بي، وأحمده تعالى على بلواه، وعلى حكمته وإرادته، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
12
أخي هذه الرسالة مستعجلة، وذلك لوجوب تغليفها الآن، وهي مختصر لما حوته النسخة التي بقت. فأدعوالله أن تصلك، وأنت مشافى من مرضك، وأن الايمان يملأ …قلبك .. مذكراً أخي أن ما أكتبه لا أقصد منه شيئاً لنفسي، فقد إنتهى الأمر ولكن … مااردته من وراء رسائلي هو العودة الى الحق... حق البشر وواجب الحكام ورفع الظلم والحيف والأخذ بيد المظلوم. والله أكبر والسلام عليكم.
أخي لقد وصل أمركم، وأبلغني به السفير، أنك أمرت لي بمبلغ آخر غير المبلغ الأول، فألف شكر، وقد أعدتُ على السفير نفس جوابي الأول. أن يقدم الإعتذار عن قبولي أي من المبلغين أو غيرها.
أخي: ولمعلوماتك، فأني كما أخبرتك سابقاً ،فإن أولاد الحلال والاصدقاء، لم تخل منهم هذه الدنيا. وكل رجائي أن لايحاربوا من قبلكم، أو أن تتعرضوا لأحد منهم حيث أن بعض الهدايا والحوائج عندي كثيرة، وقد بدأت ببيع البعض، الذي … لااحتاجه .كما أن المرحومه، قد وفرت لي بعض المال الذي يعيننا لفترة ما، وأنت … أعرف كيف جمعنا ذلك. فألف شكر، وأرجو عدم تكليف نفسك هذا العناء وأقصد من وراء ذلك، حتى لا تؤاخذ عليه، أو تحاسب من قبل إخوانك، عن سبب معاونتك لي.. والله من وراء القصد.
توقيع..أخوك حـردان
الرسالة الخامسة
الجـزائـر – الثلاثاء 10/11/1970
الأخ أبو هيثم
تحية أخوية:- أدعوا لك بالشفاء العاجل، ومن الله الهداية، لما فية مصلحة الشعب وأن أقول، ما أريد قوله في هذه الرسالة الخامسة، حيث وصلتك الرسائل السابقات وحسب ما أعلم وأخبرتك به، أنك سوف لن تستطيع إرسال الجواب.… ولا بأس فأنا لا أبغي ذلك، ولا أريده، وكل ما أبغيه من كتاباتي لك سابقاً والآن والمستقبل. هو ذكر الحقائق، لتقرأها وتستفاد منها، أو لترميها جانباً – المهم هو أن تستلمها لأنني مداوم على إرسال نتف مما أكتبه لي- نعم إرسال البعض، مما أكتبه ليصلك وبأوقات. أما الباقي التفصيلي، فأنا محتفظ به عندي، في مكان أمين الى أن يحين وقته. وأكرر أن رسائلي هذه خاصة وسرية.
سوف لن يعلم محتواها غير الله، ونحن الاثنين، إلا إذا شئتَ كالعادة، أن تطلع عليها أحد، فهذا يخصك لوحدك، وليس لي دخل فيه.
أخي أبو هيثم- إنك تعلم جيداً أسلوب كتابة النشرات الحزبية للحزبين، أو لغيرهم. ولابد أنك إطلعت على النشرات الأخيرة من أمثال الخليج، أو المحيط أو غيرها
وعلمتُ ما كتب فيها قبل طبعها ،أو بعد ما طبعت.. أو هل أنها أخفيت عليك؟ أو هل أن لا علم لك بما كتب فيها؟ ..أو أنك لست الذي أمرت بنشر الخبر فيها؟ هذا متروك لك.
2
… التصرف به كمعلومات.. اما ما أكتب في إحداها فهو رغم مايدل على مافيه من تجني وقصد بتضليل القراء، الذين لاحول ولا قوة إلا مايكتب، إن شاءوا قراءته ، أم رموا المنشور جانباً- نعم إن ماكتب في إحداها، لايختلف عما جاء على لسانكم ( أن صح أنكم إجتمعتم بمؤتمر ما) أو إخوانكم حين بينوا أسباب … انتهاء دوري ،رغم ماقمت به من اعمال مجيدة.. والخ وكما أوضحت لك في … … فقد انتهى دوري في الحكومة والمسؤولية رسالتي السابقة.. الا انني …
ولثبوت تآمري .. فقد إنتهى دوري في الحكومة والمسؤولية ..والآن في النشرات مايشبه ذلك ،إلا أنه من قائمه أخرى (لقد ذكرت لكم قوائم الاتهامات رقم أ ورقم ب..الخ)
فالاتهام الجديد لكي يثقف به الحزب، هو دور التعامل مع الشركات واية شركات؟؟ شركات النفط؟؟
أخي أبو هيثم:- هل نسيتَ شيئاً واحداً!! أني أحب الآن أن أذكرك به.. طبعا أنك … تعرفه.. ولكني أريد أن أعيده الى ذاكرتك، للتأكيد، وليسجل عندي هذا القول :وهو أن اللجنة المكلفة بالاتصال بشركات النفط، تتألف من الأشخاص التالية أسماؤهم ومناصبهم وليس لحردان دخل في الموضوع:-
الفريق صالح عماش ن.ر. الجمهورية
السيد عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية
السيد وزير النفط
ويتصل هؤلاء بالسيد رئيس الجمهورية مباشرة 3
… اللهم إلا إذا أضفتم اليهم أشخاصاً آخرين في وقت آخر، ولا عِلمَ لي بذلك .. فاذن السؤال الآن: ماهو سبب نشر الكذب والتزييف في النشرات، التي أشرتَ اليها؟…
وهل أنه قد حدث فعلاً؟ إن حصل البعض على مال من الشركات، وإكتشف ذلك الخبر وشاع ، فأردتم أن ترموا به شخصاً آخر به، أو أنكم تريدون الاكثار من الاتهامات الباطلة بحق شخصي. وكما يقول الاصدقاء.. إكذب وإكذب وإكذب الى أن يصدقك العالم. هو طبعكم في تطبيق ما إحتوته قوائم الاتهامات، واحدة بعد الأخرى، أو أخذتم بنصيحتي بتطبيقها جميعا..؟؟ أو أن هناك قوائم جديدة، إبتكرها لكم المسؤولون الجدد( والذين لم اسمع عنهم الا وصفك لهم باولاد. والكذا.. الخ)
… اخي ابو هيثم:- هل تعرف كل هذه الاشياء التي تحدث؟
أو أنك لاتعرفها؟ هل تقرها ؟ أو لا تقرها؟
هل أنها تعرض عليك وبموافقتك، و إيعازك، أو أنها تصدر، وعليك أن توافق عليها؟ ولا حول ولاقوة لك، بغير مايحدث، ولاتستطيع تبديل شيء منه؟
هل أصبحتَ بنفس الحال الذي حصل لك سابقاً بأن يشنع بك وتشتم علانية؟
4
… فتتوعدهم بحضوري، وأنك ستعمل كذا .. وكذا.. ولكن مايحصل هو العكس؟ فلا أنت عملتَ لهم شيئاً.. وهم ينفذون مايريدون؟ هل أنني أتجنى وأكذب فيما أقول؟ بربك يا أبو هيثم.. لقد جاء بخاطري حادث صغير في حجمه.. كبير في … معناه ولاذكر مختصره لك، هل تذكر ماقلته لي بخصوص صغار الضباط في الحبانية والذين نالوا منك بالذات أمام آمرهم؟.. هل تذكر وصفك لهم لقد وصفتهم بشتى الاوصاف وتوعدتهم بالويل والثبور ،أنه مسجل عندي ومثبت ،ولكن ماذا حدث؟
لقد حدث العكس.. نقل آمرهم لا لسبب ..إلا لاخلاصه لك ولواجبه ، ولا أعرف ، ماذا سيحل به ؟وبمن سلكوا نفس السلوك في حبك وإخلاصهم لك وللواجب؟ هذا حدث بسيط ساقه اليّ، أتعلَم!! وأنا أستعرض الكثير مما سمعته منك ومن الآخرين والنتائج واحدة. وهو أنك تعلم بمجريات الأمور.. تعرف الحق والباطل ، تعرف الطريق الاعوج والصحيح.. لا ترضى بالاعوج والباطل ، ولكنك لا تضع حداً لكل أمر خاطيء.
اخي ابو هيثم: لقد قلت لك .. وكرجل .. سوف لن اجيب على سؤال وسيمضي شهر .. وأنا على هذه الحال ولكنني قلت لك ايضا بانني سوف ادافع واوضح الامور 5
إذا ماحاولتم أو غيركم، ذكر غير الواقع .. وعليه فإني أسالك الآن، ولكي تتحمل المسؤولية كاملة.. كما قلتُ ذلك من زمان.. نعم أني أسالك.. وعلى هذا فقط أريد الجواب وان يصلني بالسرعة.. هل اتكلم الان؟ وعندما سأتكلم .. سأقول كل شيء مما له موجب أو ليس له موجب.. فهل يعني عدم إرسالك الجواب عن هذا السؤال ،أنه إيعاز بنعم؟ سأنتظر هذه الأيام فقط. وستصلك رسالتي يوم الجمعة القادمة، حيث سأكون حاضراً للرد والرد .. فلا تلمني بعدها يا أبو هيثم، فحردان وفي.. وسوف لن أقول غير الحق وأنتم البادون .
أخي أكرر دعائي لك بالخير والشفاء والى رسالة قادمة.
المخلص – حـردان
الخميس 12-11-1970
اخي ابو هيثم
لقد عاد رافع من منتصف الطريق بعد ان اتصل بي تلفونيا وساخبرك السبب في عودته توقيع: المخلص حردان
الجزائر 1
السبت 14-11-1970
الرسالة السادسة
أخي أبو هيثم المحترم
تحية طيبة- وادعوا لكم بالصحة والشفاء ومن الله الهداية لما فيه الخير.
نعم أيها الأخ لقد عاد رافع وأخته الصغيرة منال، من منتصف الطريق حيث أرسلتهم وحدهم بالطائرة من الجزائر، وليقوم المحبون والمخلصون بإستلامهم بالطريق واحداً بعد الآخر، الى أن يصلوا الى بغداد (حيث حرمتم على والدهم مرافقة جثة إمرأة ، فكيف توافقوا على إستصحاب أولاده، وإيصالهم الى بغداد.؟ جزاك الله خيراً وكل خير يا أبا هيثم..)
نعم لقد إتصلوا بي في منتصف الطريق، وبكوا في التلفون، ومزقوا قلبي حين قال رافع .بابا لاتتركنا لوحدنا، فاما أن تاتي معنا الى بغداد أونرجع اليك ونترك ….! المدارس ونعيش معك.. نعم أيها الأخ ( وأرجوا أن تقرأ هذا الخبر، كرواية يمكن … ان تجد فيها مايسليك.. نعم فهل تتصور أن أطفالاً صغاراً بعمر 12 سنه وعشر سنوات لوحدهم ليستطيعوا متابعة السفر(ولو بمعونة المحبين كما بينت)
وليبدلوا عدد من الطائرات ،ولا أب ولا أم ترعاهم وتدلهم الطريق؟ الى هذا الحد وصل الوفاء من الإخوان؟
الى هذا الحد وصل الحقد؟ أم هذه سنة الله؟ أترك لك يارب أمري وأنت علام الغيوب وأنت الشاهد.
2
أخي أبو هيثم: وكما قلتُ لك فأنني لا أقصد من هذا الوصف المختصر أي جزاء، ولكن للذكر وللدرس عسى أن تستفيد منه، أو أن تجد فيه تسلية لنفسك وروحك. ولكنني أخبرتك دوماً أنني أقتبس لك جزءاً مختصراً مما أكتبه لي الآن وللعالم ، يوما قريبا ان شاء الله .وأردتُ أن أشركك بهذا الجزء، لما ذكرته أعلاه فلا بأس عليك ، ومكرراً أن هذا شخصي وسري بيننا لا عِلمَ لأحد به.
والحمد للله أنهم عادوا سالمين، وإنتظرتهم في المطار، وأنزلتهم معي فنحمد الله ونشكره على ماحضنا به… ونطلب منه سبحانه وتعالى أن يخفف عنا والمؤمنين ماينتظرنا..ويغيب عن معرفة البشر.…
أخي أبو هيثم. وهكذا.. وهنيئاً لكم.. تنفيذكم قراراتكم وماتبعها بخصوصي، وما آلت اليه من تشريد وقتل وتجزئة للعائلة وحرمان .. والخ .
أخي إن الجزاء الذي لقيته منكم، لم ينله مجرم، أو عدو وياليتني لقيتُ نفس الجزاء بالنسبه لاعدائك أنت بالذات.
وخصومكم الذين في الخارج، أو الداخل أو من أطلق أو يطلق سراحهم من السجن.. فالف شكر.
أخي.أن ما أقصده في هذه الرسالة، ليس مابينته أعلاه، ولكن ما أقصده هو مايلي(وقد سبق وان قلت لكم وفي اوائل رسالاتي… اصرح بشيء ابدا.. ثم قلت أني سوف لن اتكلم ولن أصرح بشيء أبداً .. ثم قلتُ ولكنني سأرد على أي إتهام يوجه لي ويمسني وسأقول الحقيقة والحقائق فقط، والتي تعرفونها أنتم شخصياً وبموافقتكم وطلبكم شخصياً ، وحتى لا تلومني ، فإنني لن أقول شيئاً إلا بعد إخباركم . فهل تريد مني أكثر من هذا؟ وهو أن ألزم نفسي بأن لا أقول شيئاً ،إلا بعد إخباركم . فهل هذا ليس الاخلاص بعينه، ولكن أين الجواب؟
3
نعم أيها الأخ.أبو هيثم: لقد حصل مايلي (وقد إطلعتم عليه قبلي بكل تأكيد، أو هل انهم أخفوا عنكم ذلك أيضا..؟ )
1- لقد تناقلت الصحف المختلفة، التعليق على سبب إخراجي.. وهذا غير مهم..
2- أما الآن فإن الخبر يذاع عن لسان مسؤول كبير، تعرفونه جيداً- وهو السيد ياسر عرفات :وقد أذيع، وكتبت تصريحاته، ونقلت من صحيفة الى أخرى ومضمونه واقوله بإختصار (وعليكم قراءة النصوص بالتفصيل في الوقت الذي .يعجبكم)
وهو أن الجيش العراقي لم يتدخل لصالح العمل الفدائي، وأن حردان التكريتي نائب رئيس الجمهورية العراقية السابق، هو الذي منع ذلك .. وأن التكريتي إتصل بالملك حسين بالجهاز اللاسلكي، وأكد له وطمنه من عدم تدخل الجيش العراقي .. وان الحكومه العراقية طردت التكريتي واعفته من مناصبه جميعا لهذا السبب.. الخ..
…3 - ياسر عرفات.. شخص معروف( ولو أن رايك فيه شيء آخر).. والمجلات والجرائد تقرأ من قبل بشر كثير.. والجيش العراقي لم يتدخل رسميا كما فعلت سوريا.. وحردان التكريتي أعفي من مناصبه بعد أحداث الأردن بفترة قصيرة.. إذن فهذا تأكيد لخيانة حردان، وأنه هو الذي منع الجيش من التدخل لصالح الفدائيين وباتفاق مع الملك حسين والسلطة في الاردن.
4—- الواقع غير هذا والصحيح- وانتم تعرفونه أن حردان ورفاقه الذين سافروا معه للاردن ،نفذوا قرارات وأوامر حكومة العراق والقيادتين القومية والقطرية للحزب.…
اليس هذا هو الصحيح يا أبو هيثم؟ ألم تكن وصاياك وتعليماتك لي هي ما قلته ، ولا أريد تكراره الآن.
4
. ألا تذكر أنني أتصل بك كل يوم لأعلمك الموقف، وأنت تردد لي، أن لا أندفع واورطك باشياء… واشياء… وأن التزم بالقرارات التي أقريتها.. وأن يكون الهدف المطلوب هو تخليص الجيش العراقي والحكم في العراق والثورة والحزب … من الدمار وعدم التورط والانسحاب ، ألم يكن هذا هو الواقع؟ يا أبو هيثم ،فإذن لماذا السكوت؟ من تجاملون؟ لماذا أكون أنا كبش الفداء، إن كان هناك خطأ في القرارات التي أصدرتموها أو قررتموها ؟ وعليه فقد قررتُ مايلي: وقد أخبرتُ سفيركم به اليوم، ليعيد لي الخبر وجوابكم، فإذا لم تقوموا أنتم وبواسطة السفارة من الجزائر، بتكذيب ذلك، وأن حردان أو غيره لم ينفذوا إلأ أوامر الحكومة وقيادات الحزب.. نعم إذا لم يحصل، فأرجو إعفائي من كوني ساقوم بالرد بنفسي موضحاً كل شيء، وأرجو إعفائي من كوني سأقوم بالرد بنفسي موضحاً كل شيء، وأرجو أن لاتلومني بذلك، أيها الأخ، فهذه أصبحت قضية شخصية، بدليل أنكم تجاهلتم نتائجها.. وأنك تعرفني جيداً، وسوف لن أقول غير الواقع: وهو أني وبعض الأعضاء، نفذت قرارات حكومة العراق والقيادتين القومية والقطرية. وما الأعمال الطيبة القليلة التي قمت بها، إلا تصرفات آنية فرضها علينا الواجب، وخدمة الفدائين والقضية الانسانية والوطنية في حينه.
وطبعاً سوف لن أسرد وقائع صغيرة، ولكن سأقولها مجملة، وسأستشهد بكم والباقين ممن له معلومات بالموضوع، والتقارير التي سلمتكم إياها بهذا الخصوص..
5
الأخ أبو هيثم.. هل ستلومني إذا ماذكرت ذلك، دفاعاً عن نفسي بعد أن تنصّل عني المسؤولون وأنت على رأسهم..
وأعيد اليك أيها الأخ وعدي، بأنني قلتُ بأنني سوف لن أتكلم، ولن أنطق بكلمة إلا دفاعاً عن نفسي، أو إيضاحا لحقيقة، وقد قلتُ لكم أنني علمتُ بما نشر في نشرات الحزب عن تعاملي مع شركات النفط.. وأن لادخل لي بهذا الموضوع، وأن إتصال اللجنة بالسيد رئيس الجمهورية مباشرة، وليس بشخصي. كما وأني–سأدافع عن إتهامكم أو أخوانكم- لي بالتأمر. كما بينتم ذلك في الندوات الحزبية- مع عدم صحة ذلك، مؤيداً قول الحزب والجماهير والعالم أنني لو صح تآمري، فلماذا أعاد من المطار، بعد أن وصلت ليد السلطة.. ولماذا أمنع من مرافقة جثمان زوجتي.. ولماذا.. ولماذا ؟.ا
أكرر أيها الأخ- أبو هيثم- وأطلب العفو وعدم اللوم من أنني، لم أكن الباديء، بانتظار الجواب - وأن يكون الجواب منك شخصياً، ولا أقبل أن يكون هذا من شخص آخر أو عن طريق سفير لأن القضية شخصية، ولامجال لتدّخل أحد – –فيها وأنني والله يعلم وانت تعلم- لم أكن الباديء، بل أنتم الذين بدأتم.. والله الموفق .
كما وأنني سوف أوصل ما أريد من تبيان لكم ولأعضاء المؤتمر ،إعتباراً من هذا الاسبوع ،إلا إذا وصلني منكم أخبار شخصياً حول الموضوع.
وأرجو أن تتذكر أيها الأخ أنه قد يجوز أن يكون هناك بعض الاشياء التي لاترغبها وتقبلها فارجو إعلامي.
أخوك حـردان
الجزائر
5-12-1970 السبت
الرسالة السابعة
الأخ أبو هيثم
بعد التحية أدعو لكم بالصحة والموفقية والشفاء، وأن تكونوا بخير وراحة
أخي: لسفرالدكتور عبد الكريم كراسنة، ولمواجهتي له قبل سفره، ارسل لكم هذه الرسالة المستعجلة، والتي لا أجد فيها إلا تكرار وتذكرة لرسائلي الستة السابقة التي بعثتها لكم، وأكثرها بواسطة البريد السياسي، وبواسطة العقيد شفيق، الأمين العام لمجلسكم، والتي قد وصلتكم في وقتها مع رسالة أخرى، بواسطة ولدي سعد، والأولى مع الملازم طاهر الذي رافقني ليلة طردي من مطار بغداد، حسب اوامركم التي بلّغني بها مدير الأمن ورجاله، ولا أريد أن أعيد ذلك..
أخي المهم من هذه الرسالة، ورغم ذكري لمحتواها في الرسائل السابقة، فقد تكون الأخيرة من نوعها، حيثُ قد أديتُ من جانبي واجب الإخوة، التي تربطنا نحن … الاثنين وواجب الوفاء والاخلاص والتضحية والايثار. ..نعم لقد أديتُ كل ذلك على الأقل، ولا أريد ذكر ذلك، أو تكراره وماقررته في رسائلي السابقة، وطلبتُ الجواب عنه منكم شخصياً، وبدون واسطة أحد أو تدّخل أحد أو إقتراح من غيركم، حيث كانت كل رسائلي لكم شخصياً، وسرية لايطلّع عليها أحد، وعليه فلا لوم عليّ، حول أي تصرف، مادام الأمر لم يعد يهمكم ،وأنه متروك لي تقدير مصلحتي الشخصية.
الأخ أبو هيثم: هل عليّ لوم فيما أتصرف به بعد الآن ؟
بربك هل قصرّتُ في عدم إخبارك بكل الأشياء؟
بربكَ هل لم أقل كل الحقائق؟
بربكَ هل طلبتَ مني إستفسار عن أمر ؟
بربكَ هل بيّنتَ غلطي فيما ذكرته لك برسائلي السابقه؟
بربكَ ألم تقرأها جميعا ؟وتقرها جميعا؟
بربكَ هل ذهبتُ الى أكثر من الحقائق؟
بربكَ هل فيما قلته تجنّي على أحد؟
بربكَ ألم يكن فيما قلته لكَ برسائلي جميعها خدمه لك؟
بربكَ ألم يكن فيما بينته لكَ برسائلي جميعاً خدمة للحكم؟
بربكَ ألم أعُطي الفرصة رغم ماحدث لي؟
بربكَ هل تلمني على ما أتصرفه بعد الآن؟
الأخ أبو هيثم :لاتقيّد نفسكَ ،وقل بعد الآن أنكَ لم تكن على إطلاع بما جرى؟
قل أنكَ لم تستلم مني أى رسالة ؟ قل انكَ لم تعرف بالصعوبات التي واجهتها ؟
قل أنكَ لم تعرف بأنني أحلتُ على التقاعد؟
قل أنكَ لاتعلم بأنني أعفيتُ من مناصبي؟
قل أنكَ لم توّقع كل هذه القرارات؟
قل أنكَ لاتعرف بطريقة طردي من المطار؟
قل أنكَ لاتعلم أين أسكن؟
قل أنكَ لاتعرف كيف أعيش؟
قل أنك لم تعطِ أمركَ بقطع راتبي التقاعدي؟
قل أنكَ لاتعرف برفضي للمبلغ ،الذي أرسلته لي الخارجيه؟
قل انكَ لاتعرف بوفاة زوجتي ليلة وصولها ؟
قل أنكَ لاتعرف بالبرقيلت التي وصلتكَ بهذا الشأن؟
قل أنكَ لم ترفض مرافقتي الجثمان الى العراق؟
قل أنكَ لم ترفض مجيء الجزائريين معي الى العراق؟
قل انكَ لاتعلم بكل هذا؟
الاخ العزيز أبو هيثم:ولكنكَ إن قلتَ أنكَ لاتعلم بكل هذه الأمور، فهل لاتعلم بمن دبرها ؟
وهل لاتعلم من المقصود من وراء ذلك؟
وهل لاتعلم بالنوايا ؟
وهل لاتعلم بالمصير؟
وهل لاتعلم بالمحب والغادر؟
الأخ ابو هيثم: وارجو أن لا أتعبكَ هذه المرة، وخذ رسائلي هذه، وهي الخاصة أيضا، والتي أتحاشى فيها ذكر التفاصيل، حيث ذكرتها جميعا برسائلي السابقة، ولكن اؤاكد لكَ مرةً أخرى مدى حرصي على شخصكم، ومدى حرصي على ماقطعته على نفسي، من وفاء والزام نفسي بان تكون رسائلي لك خاصة، لايعرفها أحد وهذه رسالة اخرى، على نفس المنوال، ولكن بدون تفاصيل أو أمور جديدة، غير التأكيد ملحاً لما ذكرته لك برسائلي السابقة، وطالباً- وأرجو المعذرة في هذا الطلب، ولم أذكر أنني أطلب ذلك، إلا لأن هذه الرسالة خاصة أيضاً وليست رسمية، حيث قد إنتهى وقت الرسميات.
أيها الأخ: نعم .أيها الأخ ،فإنني رغم اني طلبتُ هذا الأمر في الرسالة الأخيرة ،ولكنني أكرره الآن، وأنتظر الرد، نظراً لسفر الأخ عبد الكريم اليكم، فإنني ارجو وأطلب أن يكون:
الرد من عندكم شخصياً، وسوف لن اقبله من أحد، وتأكد أيها الأخ أن هذا هو التلميح الوحيد الذي تدارسته، وقد فهمه حامل رسالتي هذه، وأوعد به وأنني سوف لا أقبل أي رد، من غيركم، ولا بواسطة أحد، حتى حامل هذه الرسالة …
وبعدها اخي أبو هيثم، أرجو أن أكون غير ملام منكم، وأدعو ربي أن يغفرَ لي ولكم.
أخي: تذاكرتُ ببعض الأمور مع حامل الرسالة وأخفيت عنه البعض ،ولا أدري ما سينقل لكم وكيف فهِمَ الأمور.
توقيع: أخوك حردان
الجزائر
15-1- 1971
الرسالة الثامنة
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد التحية: وأكرر لكم الدعاء بالصحة والخير والموفقية والشفاء العاجل، وألذي كررته، لكم في رسائلي السبع الماضية.
أخي: لقد كانت آخر رسالة أرسلتها لكم قبل حوالي الشهر والنصف، مع سفيركم في الجزائر السيد عبد الكريم كراسنة، وكنتُ قد ذكرتُ أنها ستكون آخر رسالة من نوعها، ولذا فقد ضمنتها خلاصة رسالاتي السابقة، ومادونته في مذكراتي الخاصة، آملا أنها قد أوفت بالقصد، وكنتُ لا أروم الكتابة لكم بعدها، حيث قد ذكرتُ لكم فيها، بأني بعد أن اوفيتُ العهد وصنته، وأطلعتكم على كل شيء، ولم – تجاوبني على ماذكرت كعادتك- ولما كنتُ قد أخبرتكم بها أيضاً بأنني سوف لن أرد على أي شيء إن لم يكن.. من عندكم شخصياً. وسوف لن أقبله من أحد وبدون واسطة أحد أو تدخل أو إقتراح غيركم. ولما لم يكن هناك جواب- وهذا ماتوقعته، فقد ذكرتُ لكم أيضا أنه، في حالة عدم وصول الجواب منكم، حسب ماذكرت وذلك حفضاً لكم أولاً، ولكون رسائلي لكم شخصية وسرية، لم يطلع عليها أحد لذا فقد قلتُ بأنه لا لوم عليّ، حول أي تصرف، مادام الأمر لم يعد يهمكم. وعليه فأرجو إعفائي مقدماً، عن تصرفاتي المقبلة، وطبعاً ،فإنني سوف- ومعاذ الله- أن … أفعل مايمس بكم، حيث أن هذا ليس من شأني ،ولا من أخلاقي، ولكم أموري الخاصة ومعيشتي وأهلي، والظروف ألتي فرضتها أيها الأخ عليّ قد تلجأني الى التنقل طلباً للعلم والإطلاع والرزق. فأرجو أن لايفسر هذا كما فُسرّ على لسان … الخبراء والأمناء أمثال محمد قربان، وجماعته وأنت تعرف ذلك جيداً أيها الأخ أبو هيثم.
أخي وستصلك التقارير تلو التقارير، وبنفس أسلوب قربان وصحبه، ولذا فقد أحطتكَ عِلماً بهذه الرسالة، بأن ما قد يلجأني الى التنقل، هي الأسباب الواردة أعلاه؟ بعد أن سددتم الباب في وجهي، وحاربتني في الرزق الحلال، الذي صرفتُ عليه زهرة شبابي، وتعرضتُ للهلاك والمحن، وأقربها الموت ولعدة … مرات ... والمثال على ذلك التعرف هو على الأقل..هل سألتم كيف عشتُ أربعة أشهر؟ هل سألتم، لماذا لم يصرف راتبي التقاعدي الذي أقتسمه مع عائلتي وأطفالي ومن أنا ملزم باعاشتهم، بعد أن أصبحنا عدة بيوت ؟ ولكن ما الفائدة من الكلام ؟؟؟
أخي لاتعتبر هذا مني إستجداء أو محاسبة، فالله هو الرزاق، وهو العليم الخبير بما في الصدور.
أخي: بربكَ، أما ضحكتَ مع نفسكَ مرتين، حين قدم لك محمد قربان تقريره؟؟ طبعاً فالضحكة الأولى، كانت لمعرفتك بتفاهتهم، وهم يتلون عليكَ ماتعلمه مسبقاً الكذب … بعينه-وأنك أنت الذي كنتَ تقول عن أمثاله أنهم لاشغل لهم إلا الكذب والدجل … وكتابة مالايرضاه الله ولاصحه له.،-والثانية وهي الأمر والادهى أنك ضحكتها من الفرح ،وأنت ترى كل يوم من يريد أن ينال مني زوراً وبهتاناً.
ا… لماذا أيها ألأخ أبو هيثم؟ لماذا كل هذا؟؟ أما يكفيكَ أنك أفرحتَ الأعداء بعملك اليّ ؟؟ أوما يكفيك أنك مزقتَ عائلة شذر مذر؟ أو ما يكفيك أنك حرمتَ الأب من أولاده، والإبن من أبيه؟ أما يكفيكَ أنك فرضتَ علينا الغربة ؟؟ أو مايكفيك أنك قطعتَ عنا الرزق؟ أو ما يكفيك أنك فرضتَ عليّ الحرمان من الحياة ؟؟ أو ما يكفيك أن سكرتيركَ، والأمين العام المناضل وقائد الثورة يجر لي بعد أكثر من ثلاثة أشهر، ليقول لي: إن أردتَ راتبكَ التقاعدي، فأرسل وكالة للشخص الذي يستلم راتبك ويعقّب المعاملة..
وأخيراً .. ولا أظن أنها ستكون منكَ الأخيرة، أما يكفيك ( أو أن أقول الى هذا الحد وصلت بكَ الأمور) أن أُبلّغ بما يلي من سفيرك في الجزائر.. أنقاه لك لتطّلع عليه وحتى لا تلمني بعدها..
السيد الفريق المتقاعد حردان عبد الغفار المحترم
عطفاً على حديثنا الشفوي، أود أن أؤكد لكم بأن السلطات العراقية المختصة وافقت على عودتكم الى العراق، على أن تقيموا بمدينة تكريت، ولا تتركوا المنطقة ،إلا بإشعار السلطات المختصة، وأخذ موافقتها مسبقاً مع أطيب التحيات
الدكتور عبد الكريم كراسنه
سفير الجمهورية العراقية- الجزائـر
الأخ أبو هيثم- شكرً والف شكر.. لقد ذكرتُ لك هذا نصاً وأحتفظ بالنسخة الأصلية كغيرها.. ولكنني أقول الى هذا الحد، وصلت بكم الأمور؟…؟
أو أنكَ ستقول إن هذا ليس من عندكَ، ولا تعرف عنه شيئاً !! فاذا كنتَ لاتعرف عن هذا شيئاً فإنني أذكره لكَ نصاً وتاريخاً، ولو كان معي آلة تصوير لصورتُ لكَ هذا الأمر..
الأخ أبو هيثم:- وليس هذا بعيب، إذا ماقورن بالمنع الذي حاوله، أقل موظفيكم درجة، حول عدم ترويج سمة السفر، ولذا فقد إستفدتُ من سمة سفر قديمة ومحدودة الوقت لأحضر وأجري الفحوص الطبية، وأحصل على النظارات. . … والعلاج .ويعلم الله كيف دُبِّرَ الأمر والمصاريف والتنقل- ولكن، وكما ذكرتُ لكَ في رسائلي السابقة .. إن الله كريم، وأولاد الحلال والأصدقاء لازالوا كثيرين فالحمد لله.
أخي أبو هيثم:- إن ما أذكره لك فيما يصيبني من مآسٍ، لا أقصد من ورائها العطف- حاشى لله أن أكون كذلك، ولكني وكما أخبرتك في رسائلي السابقة، – أذكر ذلك لإمور كثيرة منها، لعلمكم وحتى لاتقولوا أنكم لم تعرفوا مايحصل. وللتاريخ وحتى لا أقول الكذب.. ولكتابي وحتى تكون شاهداً عليه، بأنني أخبرتك بكل الوقائع، والأهم من هذا، فقد تجد فيه الراحة، كما وجدتها في معاملتكُ لي من حين إصدار أوامركَ بحقي، الى طردكَ لي في المطار، الى منعكَ عني حق العيش في وطني، الى قطعك عني رزقي، الى منعكَ من دفن زوجتي في مقبرة أهلها.. الى .. الى.. الى، ولا أريد أن أكرر عليك مانقل عنكَ بحقي من إتهام…
… أيها الأخ لا بأس عليك.. ولاتهتم لكل هذا.. وخذ منه مايسليك .. واترك الزائد والذي لايفيدك، أليّ وحدي . وكل ما أرجوه .. وطبعاً ليس لي رجاء .. ولكن كل ما اقوله ، هو أنني وفيتُ وأخلصتُ معك.. فلا مجال بعد الآن أن أسمع من أحد ، ولا تتعب نفسك . وأكرر دعائي لك بالشفاء والهداية ، وذلك لك من كل قلبي وجوارحي،أقولها صادقاً ومخلصاً ، ولستُ كما قاله فيك أحباؤك وأصدقاؤك ومشاركوك في المسؤولية. وأنت تعرفهم. وكعادتي أتحاشى أن أثير فيكم الأحقاد والعداء ، ولكني أحتفظ بذلك وحدي، مسجلاً أمامي قول كل واحد فيك ورأيك بهم، وحتى في هذه الرسالة السرية والخاصة، فلا يطاوعني القلم أن أكتب ذلك، وأنت تعرف بالقصد .. وقد صدق قول الله تعالى: ( وقدمنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس أنهم كانوا خاسرين). صدق الله العظيم.
… أخي أبو هيثم:- قد تقول في نفسك وما مناسبة ذكر آيات القران الكريم في هذا المجال. ولكن لا بأس عليك إن قرأتها وأمعنت النظر والتفكير بها: فقد كنتَ
.. … تقرا القران سابقا حسب علمي وقد يستفاد المرء.. حتى من اعدائه لقد قرأتُ القرآن مراراً ودونتُ منه بعضاً من الآيات هي خلاصة ما أكتبه لك ، ولا أطلب منك جواباً على هذا طبعاً فكن مطمئن البال.
بسم الله الرحمن الرحيم
( وإتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وإعلموا أن الله شديد العقاب)
وإذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخلفكم الناس فاواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)
( أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يظل من يشاء ويهدي من يشاء، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصفون)
( يا أيها الذين آمنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)
( وإعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة، وإن الله عنده أجر عظيم)
(يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله، يجعل لكم فرقاناً، ويكفُ عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)
(الذين عاهدتهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لايتقون)
( فلا يحزنك قولهم، إنّا نعلم مايسرون وما يعلنون)
( فإصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولاتستعجل لهم، كأنهم يوم يرون مايوعدون، لم يلبثوإلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون)
( ولمن النصر بعد ظلمه، فأولئك عليهم من سبل. إنما السبل على الذين يظلمون الناس في الأرض، بغير الحق أولئك لهم عذابٌ أليم)
(إستجيبوا الى ربكم من قبل أن ياتي يوم لامرد له، من الله مالكم من ملجأ يومئذ مما لكم من تكبير)
ملاحظة : الرسالة التاسعة مفقودة حيث قامت عناصر من المخابرات عقب اغتيال حردان للبحث عن الوثائق والرسائل التي كان يبعثها المرحوم حردان الى الرئيس البكر .
ـروما في 19-2-1971
الرسالة العاشرة
الأخ أبو هيثم
تحية طيبة وأرجو لك دوام الصحة والشفاء والهداية من الله العزيز الحكيم .
أخي : ولا بد لي توضيحاً، لكل إلتباس وحتى لا نقول لماذا، نتيجة لسمعك التكهنات وألدس، فأنا وكعادتي أبادرك بأخبارك كما يلي:
1- السفر للحج، وقد أخبرتك ضمن ماخبرتك به، برسائلي السابقة، أنني سافرتُ لإداء فريضة الحج، وسعد وأركان في طريقهم الينا في الجزائر، وقد ستر الله عليهم ووصلونا قبل رجوعي بإسبوع، بعد أن عانوا ماعانوا، وأقلها فقدانهم لملابسهم في الطريق… وليس هذا ما قصدته، بل أني سافرتُ للحج، وأديتُ الفريضة، ولم أحاول الإتصال بأحد، حتى لا أسبب وجع رأس لأحد، أو لي أو لك، إلاماندر ماأستطع دفعه، ومنهم السيد خيرالله طلفاح وجاسم وحميد والسيد نافع، والمسؤول عن الأوقاف وبعض رجال الدين، جمعتنا الظروف في بعض المناسبات، وطبعاً والحمد لله نجحتُ في إبتعادي عن مواجهة المسؤولين، إلا في حفلة العشاء، وغسل الكعبة، ومع الجمهور المدعو اليها، وأقصد من وراء ذلك حتى لايفسر لك البعض، أو تخيلات أنني سافرت لغرض آخر.
2- وصول الأولاد: لعطلة نصف السنة، ولعدم وجود طريق يؤمن وصولهم الى بغداد، إلا عن طريق بيروت أو الكويت، فقد تحاشيتُ المرور ببيروت، للاسباب التي تعرفها ، ولا تشجع عليها، ولذا سلكتُ معهم طريق الكويت، خوفاً من تركهم وحدهم. كما حصل لهم في أثناء السفر الى الجزائر. وقد دبّر الله والمخلصون أمر السفر والحمد لله.
3- الإخبار بالسفر: وقد اخبرتُ سفيركم في الجزائر بهذا السفر، حتى لا يكون سراً ،وإتصلتُ بسفيركم حال وصولي روما، وسأتصل بسفيركم في الكويت عند وصولي أيضا، وليكن كل شيء واضح، ولا مجال للقال والقيل..
4- ما سأعمله في الكويت: سأحاول النزول في دار أحد الأصدقاء، وتجنباً لأي فضل قد يبديه الكويتيون. إن نجحتُ. وإلا فسأحاول ألا أن يكون نزولي في الفندق على حسابي، وسأسفّر الأولاد في أول طائرة عراقية أو كويتية، إلى بغداد، وسأنتظر منهم إشعاراً في الوصول، وقد أحاول مطالبتهم تلفونياً، إذ لم يتعذر ذلك، لسبب من الأسباب التي تعرفونها، قبل غيركم، وكما عملتُ في السعودية، فسأحاول جهدي الإمتناع عن مواجهة أي مسؤول في الكويت، اللهم إلا أن تعّذر ذلك، وسأقفل فمي عن كل موضوع، وأنت تعرف شخصياً رأيي بهم:
5- وقد أبقى لفترة كم يوم، أو أن أزور بعض الأصدقاء القريبين، لمواجهة بعضهم في الحج، والحاحهم بزيارتهم، وأنت تعرفهم، وهم ليسوا من الكويت. فهل في ذلك ضير، وإن كنتَ تقول نعم، فخبرني ولو أنني أعرف مسبقاً، أنك لن تفعل ذلك كالعادة.
6- طلب محمد سعيد النقيب:الأخ أبو هيثم… أنك تعرف الموضوع جيداً، وقد جرى بعلمكَ من أوله الى آخره، حيث طلبَ مني الفريق أول صالح عماش، أن أقترض مبلغاً من المال، لمشروع تربية البقر، وكلفني أن أحصل له على رأس المال من محمد سعيد ،لمعرفتي به. وقد قمتُ بذلك ،وكلمتُ الرجل، فأبدى الإستعداد. وإقترضنا عن طريق الشركة في حينه، حيث قد تركَ العمل معه، قبل سنتين وهو فاروق النقيب.
نعم. لقد دفع لي خمسة آلاف دينار أو أكثر، سلمتها للأخ صالح في حينها، وعلى دفعات، فبقي المبلغ ذمةً في عنقي، وقرضاً عليّ مجبر على تسديده، وقد وصلني مايشعر بموضوع التسديد، وقد أرسلتُ خبراً الى صالح بالموضوع، ولم أتلق جواباً كعادتكم أيضاً. وهذا قد يكون مساً على سمعة الجميع، اللهم إلا أن كانت القضية، أن المبلغ سُجّلَ بإسمي سواء من الشركة، أو عند الرجل الطالب، وأن الأمر أصبح لايعنيكم. وقد أوصيتُ الى صالح مادمتُ حد قوله شريكاً في المشروع ،وهذا لا أنكره مادام كذلك. فهل سيدفع نصف المبلغ لأسدد أنا الباقي عند مساعدة الوضع، وإن لم يصلني الجواب فأمري إلى الله، وسأقول لمحمد سعيد: إن المبلغ وصلني كله، وهو دينٌ عليّ لوحدي، حيث قد سددني صالح المبلغ وسأدبر له الأمر. وكل ماطلبته هو التوضيح، أما التشنيع فدعه، يكون عليّ وحدي كالعادة.
7- البستان: وقد طلبتُ منكَ أيها الأخ أن تقبلوا شراء حصتي في البستان، وبالسعر الذي تقرروه، وترسل لي المبلغ للخارج بالطريقة التي ترتأيها .. على أن لا يكون عن طريق السفارة، لأنني متأكد أن ذلك سيفسر في غير صالحكِ وصالحي. ولولا الحاجة، لما ذكرتُ لكَ ذلك ،ولكن إن لم أستلم أي جواب فمعنى هذا هو الرفض، وأمري لله الواحد القهار. وعليه فسأحاول أن أعلن عن بيعه بطريقة ما، كما أخبرتكَ برسائلي السابقة المتعددة، والتي لم أستلم جوابها.
8- مخصصاتي ورواتبي والإكرامية:
لقد مضت خمسة أشهر، لم أستلم راتباً أو إكرامية أو المخصصات، التي أستحقها، رغم الطلبات الكثيرة، وآخرها أن سكرتيركم، أبلغ سفيركم في الجزائر بأنها كملت وأرسلت في البريد، ولكنها لم تصل، رغم مرور شهرين، ومعنى هذا أن لاصحة للموضوع، وكما أخبرتك برسائلي المتعددة السابقة، فالقرار معروف. أنت لاتريد أن تعطيني حقوقي، وأنا تنازلتُ عنها لك وأترك أمري لله يدبره وحده. وسابقى أعيش على موائد الغير، إلى أن أجد لي العمل الشريف، فهل ستعيبني بعد أن تدفعني اليها دفعاً. فكن مطمئناً يا أبو هيثم فلن أسلك إلا الطريق الشريف الحلال، مستفيداً من علاقاتي مع بعض الأصدقاء.
الكويت في 21-2-1971
الرسالة الحادية عشرة
أخي أبو هيثم
تحية طيبة وبعد ..أكمل لك هذه الرسالة، بعد أن أنهيتُ أولها في روما . لقد وصلتُ الكويت البارحة ليلاً مع الأولاد، ويظهر أنني لم أتمكن، من تنفيذ رغبتي بالسكن لوحدي، أو عند أحد الأصدقاء، فقد علمتُ بأن الإخوان هنا، أرادوا أن أكون ضيفهم، وقد حصل هذا! وللابتعاد عن القال والقيل، فقد نزلتُ في أحد دور السكن، بعيداً عن كل شيء. والآن صباحاً والأولاد يهيؤن حالهم للسفر، مساء اليوم الى بغداد، وقد طلبتُ أن يوصلوا لك رسالتي هذه فوراً، لأنتظر الجواب لفترة كم يوم، لأعود بعدها للجزائر، بعد أن أنهي الواجب عليّ هنا، أو عند وصول إشعار منكم، حيث ذكرتُ وحسب رأيكم أو بدون أي شيء. وقد أتجول كما أخبرتكم، طلبا للرزق والنجاة والخلاص من كل مأزق، وألأمر لله، وعليه توكلتُ فهو حسبي ونعم المولى ونعم النصير .
أخي أبو هيثم : في هذا الجزء من الرسالة، وهو الأخير، سأبدأ، بقوة مختصر لحدث هام وعندي أولياتي ولكنني ( )
أن تكون عند حسن الظن، لما للأمر من أهمية لك وللعراق والعرب. وأقول وأنا وأنت متأكدين من الموضوع، ومايؤول إليه إن تُرك كغيره، يمر بدون قرار حاسم مدروس هاديء متقن, وأنا من ناحيتي، ولأهمية الموضوع، سأعمل مافي وسعي ومن كل مجال، مهما ضاق وصعب عليّ، إظهار حقنا والرد على الأطماع والإعتداءات. وإليك كما قلتُ لكَ مختصراً للموضوع، إن ما أذكره حول مما يخص أطماع إيران في الخليج، ونظرتها للمستقبل، ونظرتها للمنطقة، وخاصة العراق، وإن ما أذكره، لم يكن جديداً ،ولم أكن غير واعٍ، لما حدث وسيحدث ولكنني كنتُ مغلوباً على أمري، بينكم حيث لامجال لسماع وإتخاذ القرارات البناءة، المتعلقة في أمور حاسمة ومصيرية ( وإنني أكرر هذا، وأستشهدك أنت نفسك على رأيي في الموضوع)
نعم أيها الأخ ،لقد نبهتُ مراراً على إتخاذ الخطوات المتزنة المدروسة، لما يحيق بنا من خطر، كنتُ ولا أزال أعتبره من أصعب مايمر بحياة الحكم والحكام والبلد. وقد كنا نمرّ على الموضوع مرّ الكرام، وكأن لم يحدث شيء، أو أنه سوف لايحصل شيء مهم وكأن البعض يعيش ليو مه فقط. وكنا نساق وراء الآراء الضيقة المحدودة وذات النظرة القريبة جداً، لقد نبهتُ الى الخطر الايراني- ألم – يحصل هذا ايهاالاخ؟ وقد نبهتُ الى عدم مبالاة المعنين من العرب، وحتى القريبين من الخطر؟ ألم يحصل هذا أيها الاخ؟ وقد قلتُ أن هناك نوعاً من … الاتفاقات مع العدو. نعم لقد قلت هذا. ....وكانت توقعاتي ونظراتي لما يجري من … ألم انبه عن هذا الخطر...؟ ألم أنبه الى إعداد العدو القوات اللازمة..؟ ألم أنبه الى نوعية التسليح والتحشيد والتدريب؟ ألم انبه الى مواقف سياسية معينة ..؟ ألم أنبه الى أن هناك آراءاً متضاربة ، ولكنها جميعاً لا تخدمنا : وسنكون نحن الفريسة ، ولكن ماذا حدث ... نعم ماذا حدث ، ومن المسؤول عما حدث؟ هل هو أنا ؟ هل هو أنت؟ هل هو المجلس ؟ هل القيادة ؟ هل غيرنا؟ إن المسؤولية في عدم تبنينا المواضيع المهمة ووضع أنفسنا موضع المسؤول في أعلى المستويات .. نعم هذا ما يحدث في كل مرة ، وغيره من المواضيع .. أخي لا أريد هنا أن( ). واظهر نفسي مظهر العّلامة، وأن أرمي اللوم على غيري، ولكن أقول وأنبه وأصرخ: أما آن الأوان لأن نعمل بجد؟ أما آن الأوان، لأن نقول لغير الناصح، أنه جاهل؟ أما آن الأوان، لتأخذ بري العقلاء والشجعان ؟ أما آن الأوان، لأن نقول للطفل أن هذا غلط ؟ وللجبان محلك غير هذا ؟ وللدجال قف عند حدك، وللطامع عرفنا مقصدك؟ أين مصلحة البلد والعروبة، إذن هل هي في رمي التصريحات جزافاً وبكثرة. والعمل لاشيء وبدون نتيجة، أو بالعمل عكسياً يجلب وراءه الضرر ونحصد منه الوبال؟
يا أبو هيثم، أستعرضك، أن تلتفت الى الأمور بكل جد.. أحملك ،كما قلتُ لك سابقاً ( وأنت تذكر ذلك جيداً) نعم أحملكَ المسؤلية كلها، فكن عندها، يجازيك الله خيراً ويغفر لك ماتقدم وما تأخر.. أحملك المسؤلية، وأنا أخوك عند الشدائد( ومعاذ الله أن يكون قصدي إسترحاماً أو طلب الشفقة، فأنا أكبر منها) ولكن أين سيكون … مصيرك؟ اهلك- بلدك ...أيها الأخ، ولأعرض لك هذه المعلومات، التي قد تكون وصلتك كلها، أو بعضها أو أكثر منها أو أقل:-
1- أرجو طلب كلمات الشاه مؤخراً.. وليس تقريباً مختصراً.
2- أرجو طلب كلمات سفيره في الكويت.
3- أرجو طلب آخر المعلومات المفصلة، عن تسلح جيش إيران ونوع السلاح من قبل إختصاصي وليس قادتك الذين تعرف كفاءتهم.
4- وأرجو الإستفسار عن عدد الطائرات المشتراة، والتي وصلت ،وتسليحها وعدد طياريهم، الذين يتدربون في الخارج ومستواهم.
أخي أبو هيثم:.. أذكر لك ذلك من معلومات، أكثرها معروفة عندكم، والباقي حصلت عليها بطريقة ما، ولأهمية الموضوع ،أرجو التأكد منها : وأحمد ربي أنني عرفتُ ذلك من مصادرها، فأعرضها عليك، وأنت بالذات.. وكالعادة لتصلك هذه الرسالة بسرعة وفي وقتها، وسراً كغيرها لايطلّع عليها غيرك.. وقل أنها منك وأطلب شرحاً لها، ولا تذكرني.. وهذا أيها الأخ سبب رئيسي، دعاني أن أصل مع الأولاد الى هنا، لأرسل لك هذه الرسالة، لتصلك الليلة، أوصباح الاثنين، رغم أن وصولي لايعجب البعض ،ولكن الله شاهد على من يغار على وطنه وأهله وإخوانه.
أخي أبو هيثم: إن ماذكرته لك، والذي يخص إيران والخليج، وحق العراق المهضوم والتآمر عليه ليس وحده فقط، بل وإسمع التالي:
أخي:إن القضية الأخرى ،هي قضية الأكراد، وأنا لا أريد أن أضيف شيئاً أكثر مما تعرفه أنت بالذات، ومايبّيت لنا، في الخفاء. ولكن أصبح ظاهرياً الآن، وهو حديث الجميع في الخارج- وكنتُ أصغي الى مايقال، وإذا بالمتوقع حاصل، وأن الإنفصال تام.. رغم أنه غير رسمي الآن، فلا يغرّنكم القول البسيط، فالقضية مبيّتة وحتمية، وكل مافي الأمر هو تأجيلها، لحصولهم على مايريدون حالياً، وهذا قولهم … وتصريحهم في مجالسهم الخاصة وعند أصدقائهم والمؤتمنين عندهم ...فمن مناقشتهم للدخول في الحكم، الى صلاحيات نائب الرئيس المقبل.. الى مجلس قيادة الثورة والاشتراك فيه- الى مفهوم وتحديد المنطقة( بل البلاد الكردية).. الى رأيهم فيكم كأشخاص.. الى وصفهم لكم، الى إرتباطاتهم.. الخ.
أخي أبو هيثم: لا أعرض لك جديداً، ولكنه تأكيدٌ لما تعرفه وتتوقعه، فإلى أين نحن سائرون..؟ ومتى ستوقف هذا الزحف علينا من كل صوب؟ ومن سيتدبّر الأمر؟
أخي أبو هيثم: والقضية الأخرى وألأخيرة، في هذه الرسالة، أذكركَ بشيء، وبقول وبنكرة.. أنت قائلها لي، وليس غيرك.. ألم تقل لي بأنهم ( وأنت تعرفهم) يقولون بأن وجودكَ لمرحلة.. نعم يا أخي قلت ذلك.. وأنني إذ أذكر ذلك الآن، فقد بدأت الموجة تسري بنفس المفهوم، وعند إخوانك في الحزب. فتدبّر الأمر.. وعلى عكسه، فقد بدأ التمجيد في الخارج بغيركً ومناصبهم ومسؤولياتهم الجديدة، وأنت أعرف بهم، وإن أردتَ أن أقول كلمتي بصراحة، فألدور الآن لصالح وكريم .وحتى أقاربك، فقد أصبح في دور لبعدهم.. الله يصلح الأمور. أخي أنهي رسالتي هذه، وأدعوا الله، لما فيه الخير والهداية، وإن كانت كسابقاتها لاجواب عندك، فلا بأس عليك، والمهم أنني قصدتُ الخدمة، ولا جزاء ولا شكر، ويبرهن الوقت ذلك.
توقيع حردان
الجزائر 15-3-1971
الرسالة الثانية عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي أبو هيثم المحترم
بعد التحية والدعاء لك بالصحة والعافية، ثم بالهداية لما فيه الخير، والله السميع.
أخي: يغادر السيد عبد الكريم كراسنه، سفيركم في الجزائر الى بغداد اليوم، وقد مرّ بي وعرض عليّ إن كان من أمر أريد إيصاله لكم، فأخبرته، أن ما أردتُ الإفضاء به، قد وصل الى السيد رئيس الجمهورية، برسائل كثيرة، كان أكثرها عن طريق السفارة، وبعنوان سكرتير مجلس قيادة الثورة، أو الأمين العام المحترم. وقد وصلت جميعها ( رغم ماسمعتُ من أن بعضها، يصوّر في طريقه من السفارة الى الخارجية، وهذا لمعلوماتكم، وإن كان لايهمك أيها الأخ ذلك، فلا بأس. أما مايخصني، فقد أخبرتك في كل رسالة، أنها رسالة لايعلمها إلا الله، وكلانا، وعسى أن يكون ذلك صحيحاً ).
نعم أيها الأخ : لقد أخبرني السيد السفير بسفره غداً صباحاً، تركني تذكرتُ هذا الذي نسيتُ تاريخه، فهو اليوم الخامس عشر.. نعم أيها الأخ، وقبل خمسة اشهر من هذا التاريخ، نفذت سكينتك، لتقطع يدك اليمنى حردان- بقراراتك، فهل نسيت هذا اليوم؟ إن كنتَ نسيته، فأنا لا أنساه ماحييت. هذه الحياة التي فرضتُها عليّ..
أخي:.. وإن كنتَ نسيتها، لأنك رفعت ثقلاً عن كاهلك، فإنني لا أنساه، حيث قد خلّف لي قرارك التاريخي ماخلّف من تشريد وتفرقة وحرمان، وقسّمَ العائلة … والأطفال، وقتل النفس البريئة.. وكيف أنسى هذا اليوم... وهذا الأسبوع الذي لحقه، عندما سافر الأهل والأولاد ( ..... . ) على شيء، إلا أن يروا ماحلّ … … بوالدهم نتيجة من أخيه ... وإن نسيت كل هذا، فهل أنسى الجثة الصبورة التي بقيت في برادة المستشفى، ثلاثة أيام بلياليها، تنتظر أمر من كانت قبل ماحصل تعتبره أخاً كبيراً، يستر عورتها، وإذا به يتنكر لكل شيء، وليقل كلمته لا... لا... ثملاً...فتدفن في أرض غريبة بعيدة .. دفنت فيها أمانة الى أن يكتب الله أمره ،فإنا لله وإنا اليه راجعون... ربي إرحم عبادك، فأنت أرحم الراحمين.
… أخي أبو هيثم: لابأس عليك، ولا تزعل من هذا أو ذاك، فقد تعودتُ على أن لا أسمع منكَ خيراً، ولكنني أدعو في كل رسالة، أن يهديك الله خيراً، ولما فيه الخير.. وماهذا إلا عهد مني قطعتُ على نفسي، ضد إرادتي. فإن كان صفاً حسناً، فأدعو الله، أن يثبتَ قلبي، ويعمره في حُب الخير، وإن كان فيه خطأ، فأدعو الله أن يهديني الى أحسن منه.
أيها الأخ أبو هيثم: نعم هذا اليوم يذكرني، خمسة أشهر مضت، ويذكرني أيضا … الشهر السادس، عن قطع رزق، كان الله، قد ساقه اليّ عن حق، فقطعته، فالله يسامح والله خير الرازقين. وإن كنتَ لاتعرف ذلك، وقد فات علمه لانشغالك، فإنني منذ صدور قرارك في منتصف الشهر العاشر ، لم أستلم مرتب ذلك الشهر ، لأن الراتب يصرف نهاية الشهر.
ولم أستلم بعده أي راتب للشهر الحادي عشر والثاني عشر والاول والثاني والثالث ، الذي نحن فيه من السنة الجديدة ، وأكثر من هذا . فهل تعلم أيها الأخ بأنني لم أستلم حتى راتب نصف الشهر الذي صدر فيه قراركم بإعفائي.
أخي أبو هيثم.. ومرة أخرى، فهل تعلم، بأنني لم أستلم ما أستحقه من فرق الإكرامية؟ وهل تعلم بأنني، لم أستلم حقي في رواتب الإجازات، التي أستحقها؟ وهل تعلم بأنني أخبرتك بذلك في أكثر من رسالة واحدة؟.. وهل تعلم أنك تعلم بكل … هذا؟ وهل تعلم أن الكثيرين، يعرفون هذا ويتساءلون، هل أنه صحيح؟ وهل تعلم أني أقول( لغير ذوي العلاقة) أن هذا غير صحيح، وأن حاجاتي كلها مؤمنة من قبل الأخ رئيس الجمهورية، وأن القرار لم يكن له أي أثر رسمي، وأنني لازلتُ بمنصبي وبمرتبي ورتبتي، ولكن ماحصل هو لقضايا خاصة، تزول بعد حين، وأنني متفق على ما أصدره رئيس الجمهورية، وعالم به.. إن كنتَ لاتعلم، فهذا هو جوابي فهل فسّرت معناه، وما أرمي إليه.. مع العلم أن تأكيداتك وسكوتك يؤكد دوماً وفي كل مرة، على إرتياحُكَ، لما أصدرتَ من قرارات، وأنك غير نادم … عليها. فألف شكر أيها ألأخ أبو هيثم ! أيها ألأخ .. مرة أخرى وأخرى ، فلا بأس من إعادة ما قلته في رسائلي السابقة - نعم لا بأس عليك ما دام هذا يرضيك ، ويكون في نظر زملائك الذين كان لك رأي فيهم مخالف ، ولا أريد أن أردد ، ولا أريد أن أردد ما تعرفه أنت ، وما كنتً تقوله – فسبحان مبدل الأحوال من حال الى حال ... والله أكبر من كل شيء ، وهو أعلم بما في الصدور.
أخي ولتكن رسالتي وسابقاتها كاملة، لم تتضمن إفتراءاً وكذباً، ولا اندفاعاً وراء عاطفة ،أو جاه أو مال، فقد قلتُ لك في اكثر من رسالة سابقة، وبعد ان عُييت من الحصول على جواب أو إمتناع ( إنني بعد كل هذا، وبعد أن حرمتني من كل شيء … من منصب الى راتب الى مال الى وطن الى مقبرة الأهل ...الخ )نعم فانني بعد هذا وبعد أن دفعتني اليه ( دفعاً فإنني حرٌ في أن أقرر طريقي في الحياة)
نعم لقد قلتُ لك هذا في رسائلي السابقة، وزدتُ عليه- وحتى يكون كل شيء واضحاً( وأنني سأسلك السلوك، الذي لايضركَ بشيء، أولاً وأن يكون طريقاً شريفاً وعملاً لاغبار عليه.
أيها الأخ أبو هيثم: عد الى رسائلي السابقة، والى أكثر من واحدة، وإقرأ مافيها، ألم أقل لك هذا ؟ وهل عملت أنت على عكسه؟ الجواب نعم.. أني قلتُ لك هذا، ولم تطلب بديلاً عنه، ألم أقل لك أن أرض الله واسعة ( وهو قول الله عزّ وجل) وأنني مضطر الى أن .شق طريقي الجديد في الحياة، وأعمل عملاً شريفاً لايضر بسمعتي وأهلي وأولادي ولايضرك ويضركم بشيء؟
نعم لقد قلتُ هذا، فإذن لقد وافقتَ أنتَ على ذلك، ودفعتني الى أن أبحث عن العمل الشريف، في أرض الله الواسعة. ألم أقل لك برسائلي السابقة: لم أبلّغ لحد الآن بقراراتك إلا عن طريق رجال أمنكَ في المطار. أما ماعداهم فلن أكن مصدّقاً. … للأمر، ولكنك نفذته، عملاً في مطار بغداد. فأذنتَ به. وأنني لم اتلق منك رسالة، وقد طلبتُ عدة مرات، أن يكون الجواب منك، وشخصياً، وليس بالواسطة، وليس بإقتراح أحد، ألم أقل هذا، وكتبته لك، فهل تريدني أن أسمع من غيرك أي إقتراح أو وعد كان؟ طبعاً لا وسوف لن أقبل غير ماقلته منك شخصياً وليس من أحد، واسطة ومادمتَ أيها الأخ لِمَ تفعل ذلك رغم علمي( ولحد الآن أنك … لم تستطع أن تعمله) فهل إذن من لوم عليّ أن أنفذ رغبتي ورغبتك في موافقتك في أن أتنقل في أرض الله الواسعة، وأخفف عنك وأريحك ؟ إبشر أيها الأخ، وسأكون عند حسن ظنك( إن أحسنت الظن) وسأعمل على ماقلته، وما وافقتَ عليه لعدم الإعتراض عليه .
أيها الأخ: أما عن سفرتي الى الكويت، فقد أخبرتك برسائلي السابقة عن سببها، وقد أخبرتُ سفاراتك الثلاث تباعاً، الجزائر روما الكويت بسفرتي مع مالزم ذكره … لهم فهل انني لم افعل هذا؟ واذا كنت تقول في نفسك ولكن البعض ( وممن كنت تزيد في وصفهم بنعوت لامجال لأن أذكرها فانت قائلها).
نعم إن كنت ستقول أن البعض سيقول عن وصولي الى الكويت، فإنني أود أن أذكرك متى تركوا التقول والتكهنات، ومتى تركوا الكتابة وسود التقارير، وهم في دورهم ومكاتبهم؟ وهل خلصت انت من هذا وذلك.. فاذن فلتكن هذه واحدة من تلك.
… … أيها الأخ: أما أن كنتَ تقول، ولكن لاحاجة بهذا كله، فإنني أسالك هل أن تقوّلاتهم- إن حصلت- ستكون أقوى مما قلت أنت بنفسك عليّ من إتهام ( ألا تذكر يا أبو هيثم أنك قلتَ عليّ وإتهمتني ما لا أريد ذكره في هذه الرسالة.. ولكنني أخبرتك (به برسائلي السابقة).
أيها الأخ أبو هيثم : إذن ما دمتَ أنت تقول الاكبر فلماذا الإهتمام بالأصغر ومن الصغار.. أو أنك تريد رمي اللوم على غيرك في كل هذا .. لا... لا لا يا أبو هيثم ، فالأمور لا تحتاج الى كل مناورة أو تعليل ، والله وحده سبحانه وتعالى يعلم ما نعلم وما لا نعلم.
… اخي أبو هيثم : ولقد سمعتُ الكثير، طبعاً من السيد مدحت جمعة سفيركم في الكويت، كما سبق وأن سمعتُ الكثير من السيد عبد الكريم كراسنة سفيركم في الجزائر، بخصوص معيشتي وراتبي وتقاعدي وحقوقي الأخرى، وأني للحقيقة أوضح لك الآن. وفي هذه الرسالة ماقد يجوز أنني لم أوضحه لك سابقاً بصورة كاملة أو أنك لم تقرأ رسائلي بإمعان لضيق وقتك، أو أنهم- بدافع المصلحة، أو أنهم بدافع ماعلموا من ظروفي- وقد ذكروا أكثر مما يجب، أو أخفوا مالا يعرفوه أولا يريدوا شرحه لك- نعم فإنني أقول لك لمرة أخرى، ماسبق وقلته أنني! كنتُ أتوقع منك تصليحاً لكل ماحدث، والبدء من نقطة، كأن لم يحدث شيء، وأن تتدّبر الأمر على هذا النحو، لا أن تبدأ بمعالجة الأمور من صغارها، أو بالأصح أن تتنبه الى إصلاح ما من حقي، بعد صدور قراراتك.. لا بل كنتُ أتوقع أن تبدأ بالإصلاح من قبل القرار، وكأنه لم يكن.…
نعم أيها الأخ :كان هذا ظني، وهذا أملي، أما الآن وأنك بعد الشهر السادس تريد أن تبدأ.. أو على وجه التحديد، أن تفكر بمعاونتي، بنيل بعضاً من حقوقي، بعد ظلمي بقراراتك ، فجوابي عليه لم يتغير، فسأقول :لا.. كما أخبرتك فيه سابقاً برسائلي، وسأقول مرفوض، كما أخبرتك به سابقا في رسائلي، وساقول دعوه للسيد رئيس الجمهوريه، لدين عليّ كما أخبرتك به برسائلي السابقة. فهل بهذا عيبٌ عليّ ؟.. طبعاً لا.. وأنت الذي ستقوله مع نفسك لاعيبَ عليه.. فأنا يا أبو هيثم أكبر من أن أشترى بمالٍ ولو كان من حقي، بعد أن بدأت تحسبه، وكأنه منةً… وأريد أيها الأخ أن أذكرك، بحادثة ليست بعيدة عنك بزمنها.. وهي أن عبد السلام عارف.. ورغم تشابه الحالة في قراراته معكم، وبصدور قراره بإعفائي وتعييني سفيراً في الخارج، وأنا في جنيف بطريق عودتي للعراق، فإنه لم يسلك هذا السلوك، ولم يحرمني من شيء أستحقه، بل على العكس، إستعجل بصرف كل إستحقاقاتي، ولم أقل، وأكثر( وهذا بمجرد من كون القرار الأول ظالماً ) ومع الإعتذار والفارق، وقد كنتُ أتوقع.. من سبب تأخير كل هذا من قبلكم، أنكم تنوون العودة الى ماقبل القرار لإعادة الحق .. ولكن ظهر العكس، فكيف تريدني قبول ماقام به من ذكرت.. وأن يكون شبيه منكم طبعاً، لا يا أحمد فهذا ليس ماتوقعته…
أيها الأخ أبو هيثم: لا تندم على مافات، ولكن لاتحملني أكثر مما تحملت، وخذ قراري واستفد منه، ووفر عليك التعب والسخاء..
أخي أبو هيثم.. ويقول البعض من أنني لم أترك هكذا، من دون أن يتفقد حاجاتي ودليلهم، أن الخارجية، قد أبرقت بصرف مبلغ لي، لفض حاجاتي عند وفاة زوجتي.. نعم وأنني رفضتها وأخبرتك برفضها في حينه ،ويا للأسف أوصلتَ الحال الى أن نبيع حتى شرفنا وعوراتنا وعرضنا لقاء المال.. الله أكبر.. الله أكبر ولنعد أيها الأخ الى غير هذا الموضوع. بعد أن ساعدني الله لأن أشرحه لكم تفصيلاً، رغم ذكره لكم مرات في رسائلي السابقة.
أيها الأخ ..لقد كتبتُ لك مراراً عن ضرورة قبولك بقطعة الارض والبستان، وقد أكدتُ لكَ ضرورة قبولها، منك أو من أخيك ،وكنتُ أقصد من وراء ذلك الحفاظ على سمعتكم ، وعدم تدخل أحد بينكم، وهذا شأني في كل عمل..( لا أريد إزعاج أحد، وأغار على سمعة من كانوا يوماً إخوة ولا زالوا عندي بنفس المكانة، رغم تنكرهم لها)
ولكن عدم جوابكم، يضطرني أن أسلك سلوكاً آخر في هذه القضية، وقد ذكرتُ لك في رسائلي السابقة، والظاهر أنه لامانع لديكم من ذلك، فأرجوا أن لا ألام على هذا … مادمتم لاترون فيه مانعاً.. وعليه، فأني أعتبر أن الأمر متروك لي بالتصرف بحقي .ولكن ماسمعته منكم عن لسان السيد مدحت جمعة( فهو لايعرف التفاصيل جعلني أكتب لكم بهذا الموضوع، مذكراً إياكم بما قلتموه، ليبلغني إياه) ( رغم أني قلتُ أيها الأخ، وفي كل رسالة أن لا أحد يعرف مضمونها).. نعم أيها الأخ لقد نُقلَ اليّ مايلي. وقد نقلها السيد مدحت نصاً وبدون أن يعرف سببها، ولماذا يريد حردان القسمة، فهل يتصور بأننا تخاصمنا على لعبة قمار، أو تخاصمنا على فاجرة.. أيها الأخ أبو هيثم.. لقد كنتُ أنا.. أظن أن القبر سوف لن يفرقنا، وقد كنتُ أتوقع أن القدر لايفرقنا، وسندفن في قبرٍ واحد . نعم.. أخي أحمد، لقد كنتُ أظن ذلك وأوقن به.. ولكن.. هذا ما أردتموه، فليغفر لك الله يا أخي( ...... ) لك ان اوهمك بكل ماعملت بي والله أعلم بما في قلبي، الذي يتمزق حسرة وألما وحيرة. اللهم صبرك ورحمتك ياارحم الراحمين.. يا أبو هيثم .. ولكن هلّا سألت نفسك، لماذا طلبتُ منك هذا؟ والله لو كنتُ قبالك، لما تجرأتُ أن أذكره ولكنني، مادمتَ بعيداً ،وخطابي وكلامي لك على الورق، فلا بأس بأن أقول لك وأشرح لك في الحالتين.. الأولى، هو أن السبب الرئيس حتى لا أمد يدي الى أحد (والله يعلم بحالي) وارجو عدم التفكير بهذا مطلقاً، لأن جوابي سيكون أقسى على نفسي… قبل غيري، فأرجو المعذرة أيها الأخ أحمد.
والحالة الثانية هلّا سألت نفسك أيها الأخ .. وأرجو هنا ( ) أن تفكر بهذا جيداً وتعيره إهتماماً أمامك ،لأنه يخصك قبلي.. نعم هلّا سألت نفسك، لماذا قبلت القسمة في لعبة القمار الكبيرة، والفاجرة الأكبر والأجمل أخي أبو هيثم؟… ولتوضيح ذلك، فهل يمكن أن أسالكم الآن، لماذا تعتبوا عليّ التفكير!
1- لكم حتى لايدخل بينكم غريب أستنكره أنا قبلكم.
2- وحتى لا أمد يدي للغير بحاجتي، وأنت تعرف الحاجة في البلاد الغريبة. ويشهد الله كم ألوف صرفتُ ،ولو أن من أجبرهم على قبولها إخوه ( رغم قبولهم عرضي أن تكون قرضةً) نعم وأسالكم، ولماذا لاتعيدوا إقصائي من الشركة الأكبر( ولا أقول هنا لعبة القمار.. وطردي منها وقد كان لي شأن في تكوينها ).
هل يجوز يا أبو هيثم أن يكون الأمر مرة حلال، وأخرى حرام، أخي أبو هيثم (وهنا وأرجو عدم مؤاخذتي في التشبيه) ولكنكم تذكرون حديث عبد الرحمن عارف مرة من المرات، عندما جمعنا في نفس الوقت، التي تعقد فيها إجتماعك مع إخوانك في القصرالجمهوري، وذلك على أثر الهزيمة في حرب 1967 ،ألا تذكر أيها الأخ أبو هيثم.. وبعد الحاحك عليه وإظهاره وتحميله مسؤولية سوق الجيش والصورة التي تعرفها أنت، والتي هاجمت بها عبد الرحمن. ماذا كان جوابه وكيف إعتذر عن تقصيره، وحكومته بأن رمى أكثر اللوم على عبد الناصر، وأن خطأ عبد الناصر، كان أكثر بكثير، وحيث قال بالحرف الواحد( ليش عصفور حرام وليش جمل حلال) يا أبو هيثم.. الى هذا الحد أوصلتني.. نعم أخي أحمد الى هذا الحد أوصلتني، بأن أستعين، باقوال قالها عبد السلام وعبد الرحمن ومن لفّ لفهم.. ألهذا الحد والأمر أوصلتني، أن أفهم مايجول بخاطري ولمن؟ لك يا أحمد.. أستغفر الله وأتوب اليه.. وأرجو من الله أن يهديك، وأدعوه مخلصاً أن يهدي لما فيه الخير..
أخي أبو هيثم.. لقد طال الحديث عليك ،وزاد همي وثارت شجوني، وعادت بي الحال الى زمان وزمان، ومرّ بي الزمن القريب، وكأنه شريط سينمائي، فأضحكني وأبكاني، وراحني وأتعبني وشجعني وأخافني.. فمن الوقت العصيب ونحن نتبادل الهم والعيش الضنك، ونقتسم لقمة العيش في صحن واحد الى الإعداد للثورة، الى التهرب من المراقبة، الى تلك الليلة نعم.. الى تلك الليلة التي قضيناها معاً، من أولها الى آخرها من دارنا الى غيرها، من الدور الى داركم، الى دار عبد الكريم الى الكتيبة.. وقد تقاسمنا خط الموت سويا( وكنتُ في ذلك الحين أحاول كسب الموت وحدي، دفعاً عنكم، فهل لم يحصل هذا) الى الأسبوع الأول في الشهر الأول، فالسنة الأولى والثانية، والعيش في القصر وترك أهلي بناء على طلبكم، ولكي أعطيكم مجالاً من الراحة ،الى تحملي مسؤوليات، الى سفراتي… وإلى.. وإلى.. وإلى تركي البلد، بناءاً على قراركم، وبدون مواجهتكم، ولله الأمر وحده. كل هذا يمر ويمر أكثر وأكثر، وإلى أن يصل بي الحال بعيداً عن الأهل والخلان، والبلد والشغل والمسؤولية. أعيش على الوهم والماضي وحلاوته ومرارته وأقتات على موائد الغير ( حفظهم الله).. فهل بعد كل هذا أعاتب على أي تصرف شريف يضمن على الأقل مستقبل أولادي؟ ايه يا بوهيثم؟ قل ماتقل وقل الذي فيه قلبي أو لا تقله ، فحردان هو حردان، لا يكون حمد ولا جون ولا غلام، وبنفس الوقت لن يفنيه عن عزمه أمر وسأتحمل همومي بنفسي وبمفردي لايشاركني فيها أحد، وسأشق طريقي منذ البداية، خدمة لأولادي وسمعتي وشرفي ولاتعتب ولاتتألم، ولا تحمل هماً أما أردت أن تسمع، فسأعلمك أنا كل الأخبار.
أخي: أكرر هنا وأنا أنهي هذه الرسالة، إنما ذكرته في هذه الرسالة، وقراراتي الصحيحة ،وماسمعته نقلاً عن سفير أو أخ فهو، مايجب أن يقال ويناقش في مثل هذه الجمل، فلا تتعب نفسك أيها الأخ، ولا تطل التفكير، فقد كنتُ أعتقد أن سبب كل تصرفاتك الأخيرة أنك ستعيد الأمور الى مجاريها، بالغاء أسبابها. أما الآن فلا مجال لقبول شيء، مما قد تفكر به، أو أرضى عليك. أخي أبو هيثم.…
لك مني مرة أخرى دعائي ودمتم بخير
التوقيع أخوك حردان
الرسالة الاخيرة بالرقم المشؤوم (13) التي ارسلها المرحوم الفريق حردان من الكويت الى الرئيس البكر قبل يوم واحد من اغتياله
الكويت
الاثنين في 29-3-1971
الرسالة الثالثة عشر والأخيرة
بسم الله الرحمن الرحيم
اخي ابو هيثم.. تحية طيبة .. وأدعو لك بالخير والصحة والعافية والشفاء ، وأن يهديك الله لما فيه الخير.
أخي وكالعادة والاتفاق والعهد ، الذي قطعته على نفسي من جملة ما قطعت من عهود، فإنني أخبرك، بأنني إستصحبتُ معي الوجبة الثانية من الاطفال ، وعددهم أربعة من الجزائر الى بغداد عن طريق الكويت ، ليقضوا إسبوعاً ، مع اهلهم في بغداد ، ليعودوا بعدها ، ونعود سوية وعلى نفس الطريق ( الرخيص المجاني) الى الجزائر ، لاكمال دراستهم .. وحتى لا يحصل أي إلتباس ، فقد أخبرتُ سفارتكم في الجزائر .. وبالطريق في إيطاليا ..والكويت .. وحتى لا يقال سمعنا بسفره ، ولماذا .. وغيرها .. وغيرها .. كما قيل عن سفرة حاموا بها( أنني كنتُ في لندن) وفسروها .. فالعجيب أنهم يحلموا ويفسروا.. فسفارتكم تعلم بهذه السفرة_ وأنت شخصياً أيها الأخ لأعملك بذلك والاسباب في إختيار هذا الطريق – فرغم الحرية التي أتمتع بها ما دمتُ لستُ عراقياً ، والحرية التي منحتني إياها ، بالتنقل أينما أريد عدا العراق. رغم كل هذا فأنا أخبرك بذلك، بدلاً من أن تسمعه من قربان أو حمدان. أو غيرهم.
أخي أبو هيثم.. وماذا أقول وأنت تختار المناسبات لتفجعني في كل يوم ، وفي كل وقت. ألم أقل لك أيها الأخ ، وبعد أن مضت ستة أشهر على قراراتك وأوامرك رغم إخباري لك بحقوقي الممنوعة. بأنني سوف أرفض نيل حقوقي أو ساحولها لك( وعن دين سابق) نعم لقد قلتُ لك هذا، وفي كل رسالة ، وهذه الرسالة الثالثة عشر، ولمن؟ يا للعجب ..إيه . يا أبو هيثم .. فهل تذكر تاريخ يوم 24 ؟إن لم تذكره فهو يوم وفاة أم أولادي – ولا أريد هنا أن أضيف كثيراً ، أو أذكر لك آهات وآهات ، ولكن لا مانع من أن تفرح بهذا اليوم ، ولتختار فيه وقتاً وتاريخاً مناسباً ، فيبلغني فيه القائم بأعمال سفارتكم في الجزائر ،بانه إستلم إشعاراً منكم بأن يصرف لي سلفة( 300 ) ثلثمائة دينار .. نعم ثلثمائة دينار . نعم أيها الأخ ، لقد إحتار القائم بالاعمال ( وهو الذي أبلغني قبلها ، وفي التاريخ المحزن الذي ذكرته لك بصرف المبلغ السابق الذي رفضته ، حيث لم أقرر بيع شرفي وجثة زوجتي بالمبلغ السابق) نعم لقد قال لي بأنني رفضتُ اربعة آلاف دينار ، والآن قرروا صرف ثلثمائة دينار كسلفة.
2
وهنا أسألك أإيها الأخ عن أي المبلغين أكثر.. لك دركم على هذا العمل ، وإختيار التواريخ أوأنه صدفة، وكيف ضوعف المبلغ الابعة آلاف ، فأصبح ثلثمائى دينار، وبعد هذه المدة.. أم هو لمعيشتي وأطفالي ، للستة أشهر الماضية؟؟ جزاك الله كل خير.
يا أبو هيثم
أخي .. وطبعاً وكما أخبرتك سابقاً ، وإتفقنا عليه ، فقد كان الجواب كسابقه، فالف شكر..وأرجو أن لا تكلف نفسك بالبقايا من تقاعد وإكرامية ورواتب إجازات( إن كنتَ قد فكرتَ بها) لانها ستعود اليك ، وقد يكون في ذلك إحراج لك، وأنا لا أريد لك أي إحراج ، كما يفعله الغير.
أخي أبو هيثم .. مسكين سفيركم في الكويت الاخ مدحت.. لقد عاد من بغداد في المرة السابقة ، وهو متفائل ، ويقول أن كل شيء سيكون على ما يرام ، ما دام الأخ أبو هيثم قد تفهم الموضوع.. وعندما سألني : هل نفذ كل شيء ، وكما إتفقنا ووافق عليه الرئيس؟ فأجبته بنعم( فحمد الله .. ثم سألني هل وصلك كل شيء ؟ فأجبته بأن موافقة لصرف سلفة(300) ثلثمائة دينار قد وصلت.. فتعجب من الجواب ، وإعتبره من إحدى النكات .. وإحتار في الأمر.
بارك الله فيك أيها الأخ أحمد.. الى هذا الحد وصلت بك الأمور.. وأحلف لك.وأني لا أقول هذا متأثراً بشيء ، معاذ الله .لأنني آمنتُ بأن لا خير يرتجى .. ولكنني أقول لك صادقاً ، بأن لا تفكر بشيء ، لأنه سيرفض وسيرجع اليك، وأنا لاأريد إحراج أمام إخوانك ، ما دمتَ معهم لفترة ( وقد أخبرتك ذلك).
أيها الأخ أبو هيثم : وهنا أعيد ما قلته لك في رسالة سابقة ، وهو قول عبد الرحمن عارف ، للحلال والحرام، عندما كنا معه في جلسة بعد حرب 67 حيث رمى اللوم على عبد الناصر ، وأن تقصيره أقل من تقصير عبد الناصر ( ليش جمل حلال.. وليش عصفور حرام).
أخي لقد كتبتُ لك هذا في الرسالة السابقة ، مع سفيركم الحالي في الجزائر، والمنقول الى بغداد ، ليكون ممثلاً لكم ( ممثل رئيس الجمهورية) حسب قوله (أو رئيساً للجمهورية) عسى أن تكون قد وصلتكم وبدون أن تستنسخ تصويراً كما أخبرتك( وهذا إنتبهتُ عليه أيها الأخ ، ولكنك تريده على ما يظهر ، والحديث طويل ومسجل عندي لغير هذا الوقت). وإنني إذ أدرج لك مثلاً قاله عبد الرحمن عارف، إنما أذكره ، لما سمعته من إخوانكم : بأن حردان قد وصل الى لندن وعاد للجزائر.. الخ .. وطبعاً أنت تعرف قبل غيرك بالجواب..إن هذا لم يحصل .. وإن هذا ليس ما قصدته من ذكر المثال. فالأغرب في الموضوع ، هو أن يذكر سفري ( والذي لم يحصل) وينسوا أن ما حصل هو وجود قادة وجنرالات وأعضاء مجلس قيادة الثورة ، وقيادة قطرية في لندن للفحوص والتطبيب وإلراحة والاستجمام.( وأكثر منها سرد طويل من كلام لا لزوم له .. ويمسك بعضه) إذن أمن الحق والعدل أن يكون لهؤلاء الحق الحلال في وجودهم في لندن ، وهم في المسؤولية .. ويمنع غيرهم ( رغم عدم وصوله اليها) وهو خارج المسؤولية .. وعليه فهل تقرون كلام عبد الرحمن عارف ( ليش جمل حلال .. وليش عصفور حرام). عجيب أمركم الى هذا الحد وصل الأمر؟ أما عن وجودي في الكويت ، فقد شرحتُ لكم ذلك في المرة السابقة ، والحالية ، وسفارتكم في الكويت على إطلاع من الموضوع – فهل في هذا حرام وغيره حلال- عافاكم الله وهداكم للخير..
أخي أبو هيثم .. وللمعلومات المسبقة فأنني طلبتُ من الاطفال الذين يتركوني اليوم الى بغداد أن يستصحبوا معهم جدتهم المسكينة لمواجهتي في الكويت ، ليوم أو يومين ، تعود بعدها الى تكريت ، وأسافر أنا معهم عائداً الى الجزائر لنقضي بعضاً من عمرنا على موائد الغير( وهذا لا يعيبني أمام العالم ، ولو أنني لا أشعر فيه براحة) ولكن سيكون هذا الوقت قصيراً إن شاء الله الاطفال والعائلة.. فالف مبروك لكم على كل شيء..
أخي .. ما دمتَ أنت وصالح ، لم تجيبوني على طلباتي ، فيما يخص قبولكم للبستان ، وقطعة الارض ، ولا تسديد صالح لدين محمد سعيد النقيب ، فإنني مضطر للإن أتبع إسلوباً آخر ، وأمري لله، ما دمتم لا ترون فيه ضرر ، فلا ملامة .أيها الأخ أحمد.
أخي أبو هيثم .. لك مني ألف دعاء بالخير والصحة والهداية ، وسأبقى( لا أبيع نفسي مرة أخرى ،إن فهمتَ قصدي). ودمتَ.
التوقيع – أ خوك حردان

957 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع