محلة الحيدرخانة: ذاكرة بغداد التي تقاوم النسيان

 محلة الحيدرخانة: ذاكرة بغداد التي تقاوم النسيان

لا يسعك، وأنت تمرّ من أمام محلة الحيدر خانة في شارع الرشيد، إلا أن تقف متأمّلًا وجهها الذي لا يثير الانتباه فيه شيء، سوى الجامع الذي يحمل اسم المحلة؛ تلك المحلة ذات التاريخ العريق والتراث الشعبي الغني، والحكايات الكثيرة التي تحفظها الأزقة والشواهد والناس.

ويبدأ هذا الثراء من الاسم نفسه؛ فالتأمل فيه يثير الدهشة، ولا سيما ارتباط كلمة "خانة" به، إذ تارة يُذكر الاسم بصيغة «حيدر خانة» من دون أل التعريف، وتارة أخرى يُذكر بصيغة «الحيدر خانة» معرفًا، ولا سيما إذا ما عُرف أن كلمة «خانة» تعني البيت أو المكان، كما في «مسافر خانة» التي تعني مكان مبيت المسافرين، أو «جايخانة» وهو مكان أو محل بيع الشاي.
وعند النظر إلى طرفي شارع الرشيد اللذين يتوسطهما الجامع، يتبيّن أن الجامع كان نقطة انحراف بسيطة في مسار الشارع. ويمكن تسجيل ملاحظة مفادها أن أهالي الحيدر خانة، وأصحاب الدكاكين، ووجهاء المحلة، حين اقترب الهدم من بيوتهم، احتجّوا ورفضوا ذلك، فما كان من رئيس البلدية آنذاك، المرحوم رؤوف الجادرجي، إلا أن أمر بالهدم ليلًا، وحين أصبح الصباح وُوجه الناس بالأمر الواقع، ولم يكن لديهم من يشتكون إليه سوى الله، كما جاء في توصيف حاله.
وتُعد محلة الحيدرخانة من محلات بغداد القديمة، الواقعة في الجهة الشرقية منها، في جانب الرصافة، وتحديدًا في قلب المدينة، في المنطقة التي يشغلها حاليًا جزء من شارع الرشيد، ممتدةً من منطقة العاقولية وصولًا إلى الميدان. وهي واحدة من أعرق المحلات البغدادية التي تختزل في أزقتها حكايات القرون، فهي ليست مجرد حي سكني أو تجاري، بل سجل حي للتحولات السياسية والاجتماعية والمعمارية التي مرّت بها العاصمة العراقية.
وقد كانت هذه المحلة تُعرف باسم محلة سوق الثلاثاء في عصر الدولة العباسية، وهي محلة واسعة تتفرع إلى دروب وأزقة صغيرة، لكل منها اسم خاص، تحوّل لاحقًا إلى اسم محلة مستقلة، مثل درب الخبازين، وهي محلة العاقولية حاليًا، ودرب دينار الذي أصبح يُعرف بشارع المأمون، ودرب زاخا، وهو جزء من شارع المتنبي. وقد عُرف سوق الثلاثاء، بحسب ما ورد في وقفيات القرن الحادي عشر الهجري (القرن السابع عشر الميلادي)، بأسماء متعددة، منها: السوق السلطاني، أو السوق الطويل..


أصل التسمية:
اختلفت الآراء حول أصل تسمية محلة الحيدرخانة والجهة التي يُنسب إليها اسم «حيدر»، وقد تعددت الروايات التاريخية في هذا الشأن. فبينما يجزم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بأن اسم «حيدر» لا علاقة له بـ حيدر جلبي الشابندر، المعروف أيضًا بـ «حيدر باشا» أو «حيدر خان»، يذهب باحثون آخرون إلى رأي مغاير.
ومن أبرز هؤلاء الدكتور عبد الله الجبوري، المحقق وأمين المكتبة السابق، والذي يعدّه بعض الباحثين من أوثق من كتب وحقق في تاريخ محلة الحيدرخانة، إذ يرى أن «حيدر باشا» الذي تُنسب إليه الحيدرخانة هو حيدر جلبي الشابندر، ويُطلق عليه مرتضى نظمي زاده في كتابه كلشن خلقا (باللغة التركية) لقب «شيخ بندر». ويُعزّز هذا الرأي القول إن حيدر جلبي الشابندر هو من شيد حمام حيدر الشهير، الواقع في جانب الرصافة من بغداد، قرب شارع النهر (شارع المستنصر حاليًا)، وكان من أعيان بغداد وتجارها المعروفين. ويستشهد أنصار هذا الاتجاه بما أورده العلامة المؤرخ الدكتور مصطفى جواد، إذ قال: "الحيدر خانة: نسبة إلى حيدر، أحد الأعيان في العصور التركية".
في مقابل ذلك، تذهب رواية أخرى إلى أن اسم الحيدرخانة يعود إلى تكية قديمة لا يُعرف تاريخ تأسيسها على وجه الدقة، نُسبت إلى شخص يُدعى حيدر، وكان موقعها عند مدخل سوق الحيدرخانة القديم، في الموضع الذي يقع اليوم على يمين شارع الرشيد. وقد بيعت هذه التكية من قبل متوليها عام 1926م، فهُدمت وحُولت إلى فندق، كما ورد ذكرها في وقفية متأخرة تعود إلى عام 1890م، بوصفها تحد دارًا في محلة الحيدرخانة.
وتُعزّز هذه الرواية الدلالة اللغوية لكلمة "خانة"، وهي لفظة فارسية الأصل تعني البيت أو الدار أو المكان، وعليه فإن «الحيدرخانة» تعني بيت حيدر، نسبة إلى الشخص الذي ارتبط اسمه بتلك التكية، وهو نمط شائع في تسميات المحلات البغدادية التي ارتبطت بأسماء أشخاص أو منشآت دينية أو خدمية.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز التاريخي بين صاحب التكية التي ارتبط بها اسم الحيدرخانة، وبين حيدر جلبي الشابندر صاحب حمام حيدر الذي أُسس عام 1650م؛ إذ تؤكد بعض المصادر عدم وجود علاقة مباشرة بين الشخصيتين، وهو ما يفتح المجال أمام احتمال تعدد الأشخاص الذين حملوا اسم «حيدر» في تلك الحقبة، واختلاط الروايات حولهم بمرور الزمن.
ويُذكر أخيرًا أن محلة الحيدرخانة تضم منزل والي بغداد أحمد باشا، الواقع قبالة جامع الحيدرخانة مباشرة، وقد تحولت هذه الدار بعد أن باعها ورثتها عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى مدرسة شماس اليهودية، ثم إلى إعدادية شرافت الإيرانية، قبل أن تندثر تمامًا، شأنها شأن كثير من الشواخص الأثرية التي تحولت لاحقًا إلى محال تجارية.
تعدد الروايات حول أصل تسمية الحيدرخانة يعكس طبيعة التأريخ المحلي البغدادي، الذي غالبًا ما يتداخل فيه الشفهي بالمدون، وتتشابك فيه أسماء الأشخاص والمنشآت.
قراءة ترجيحية:
انطلاقًا من المعطيات الوقفية واللغوية، يمكن القول إن أقدم دلالة مؤكدة لاسم الحيدرخانة ترتبط بالتكية المنسوبة إلى شخص يُدعى حيدر، خاصة أن لفظ «خانة» يُستخدم غالبًا للدلالة على مكان أو منشأة محددة. أما ربط التسمية بحيدر جلبي الشابندر، فيبدو أقرب إلى تفسير لاحق نشأ بفعل شهرة الرجل ومنشآته، ولا سيما حمام حيدر، في الذاكرة البغدادية.
وعليه، فإن تسمية محلة الحيدرخانة تمثل مثالًا واضحًا على تطور أسماء الأمكنة في بغداد، حيث يبدأ الاسم بدلالة موضعية محددة، ثم تتسع دلالته لتشمل حيًا كاملًا، وتختلط فيه الرواية التاريخية بالتداول الشعبي.
الجذور التاريخية والأسماء القديمة لمحلة الحيدرخانة:
تعود الجذور التاريخية للمنطقة التي تُعرف اليوم بمحلة الحيدرخانة إلى العصر العباسي، حين كانت تمثل جزءًا حيويًا من النسيج العمراني والتجاري لمدينة بغداد. ففي تلك المرحلة، عُرفت المنطقة باسم محلة سوق الثلاثاء، وهو اسم يعكس طبيعتها الوظيفية بوصفها مركزًا تجاريًا تُقام فيه الأسواق الدورية، التي كانت تُعد من أبرز ملامح التنظيم الاقتصادي والاجتماعي للمدينة العباسية.
وقد كانت محلة سوق الثلاثاء من أوسع محلات بغداد في ذلك العصر، إذ لم تكن حيًا واحدًا متماسكًا بقدر ما كانت نطاقًا حضريًا واسعًا تتخلله دروب وأزقة عديدة، تخصص كل واحد منها بنشاط مهني أو تجاري معين. ومع مرور الزمن، ولا سيما في العصور المتأخرة، تحولت هذه الدروب إلى محلات قائمة بذاتها، احتفظ بعضها بأسمائه الأولى، في حين تبدلت أسماء أخرى تبعًا للتحولات السياسية والعمرانية.


ومن أبرز هذه الدروب:
• درب الخبازين: وهو درب اشتهر بتجمع الأفران ومحال الخَبز، وقد أصبح يُعرف في ما بعد بمحلة العاقولية، محتفظًا بطابعه المهني الذي يعكس إحدى سمات التخطيط الحضري العباسي القائم على تجميع الحِرَف المتشابهة في نطاقات محددة.
• درب دينار: وقد تحوّل لاحقًا إلى ما يُعرف اليوم بشارع المأمون، وهو من الشوارع المهمة التي لعبت دورًا إداريًا وتجاريًا في الفترات اللاحقة، ولا سيما في العصر العثماني.
• درب زاخا: الذي يشكل اليوم جزءًا من شارع المتنبي، أحد أهم المراكز الثقافية والفكرية في بغداد الحديثة، مما يدل على استمرارية الدور الحضري والثقافي للمنطقة عبر العصور.
وفي القرن الحادي عشر الهجري (القرن السابع عشر الميلادي)، تغيّر اسم السوق ليُعرف في المصادر والوثائق باسم سوق السلطان أو السوق الطويل، وهي تسميات تعكس مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والعمراني في ظل الحكم العثماني، حيث ارتبطت الأسواق غالبًا بالسلطة المركزية أو برعاية الولاة والسلاطين، سواء من حيث الإشراف أو إعادة التنظيم والبناء.
أما اسم الحيدرخانة، فقد بدأ بالظهور في السجلات الرسمية والوثائق الوقفية منذ القرن العاشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي)، وهو ما يشير بوضوح إلى أن المحلة كانت قد اكتسبت هوية مستقلة قبل ذلك التاريخ بفترة غير محددة. ويُرجّح أن هذا التحول في التسمية جاء نتيجة تغير في وظيفة المكان أو بروز منشأة ذات أهمية، مثل تكية أو خان أو مقر يرتبط بشخصية معروفة، وهو نمط شائع في تطور أسماء المحلات البغدادية.
وتكشف هذه التحولات الاسمية عن مسار تاريخي متدرج، انتقلت فيه المنطقة من كونها فضاءً تجاريًا واسعًا في العصر العباسي، إلى مجموعة من المحلات المتخصصة في العصور اللاحقة، ثم إلى محلة محددة المعالم والحدود تحمل اسم الحيدرخانة في العصر العثماني. كما تعكس هذه المسميات المتعاقبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مرت بها بغداد، ولا سيما الانتقال من التنظيم الحضري العباسي إلى النمط العثماني الذي ركّز على تثبيت الأسماء وربطها بالإدارة والوقف والمؤسسات الدينية والخدمية.
وعليه، فإن دراسة الأسماء القديمة لمحلة الحيدرخانة لا تقتصر على الجانب التسمياتي فحسب، بل تُعد مدخلًا لفهم تطور المدينة نفسها، وأنماط عمرانها، ووظائفها الاقتصادية، واستمرارية الذاكرة الحضرية في بغداد عبر أكثر من ألف عام.

المعالم العمرانية والدينية:
تضم المحلة نسيجاً معمارياً فريداً يجمع بين العهود العباسية، العثمانية، والمملوكية:

1 - جامع الحيدرخانة: أيقونة العمارة والذاكرة الوطنية
يتوسط محلة الحيدرخانة البغدادية جامعُها التاريخي الشهير، جامع الحيدرخانة، أحد أبرز معالم بغداد الدينية والعمرانية، وأكثرها حضوراً في الذاكرة الوطنية. ويشرف الجامع بواجهته الواسعة على شارع الرشيد، تتوسطها بوابة رئيسة فخمة، وإلى شمالها باب آخر، فيما ينتسب اسمه إلى المحلة التي احتضنته وأخذت هويتها منه.
تعود الجذور الأولى لتأسيس الجامع إلى العهد العباسي، إذ وُضع حجر أساسه في زمن الخليفة الناصر لدين الله (1158م -1225)، غير أن البناء القائم اليوم هو ثمرة إعادة بناء شاملة أمر بها الوالي المملوكي داود باشا عام 1242هـ/1827م، ليغدو الجامع من أبرز معالم بغداد في أواخر العهد العثماني، وأحد أتقن جوامعها من حيث التخطيط والتنفيذ المعماري.
تعرض الجامع عبر تاريخه لعدة أعمال صيانة وتجديد؛ فقد عُمّر في عام 1242هـ/ 1729م في عهد السلطان العثماني محمود خان بن عبد الحميد، ثم جُدد مرة أخرى سنة 1311هـ/1893م بأمر السلطان عبد الحميد الثاني. كما شهد آخر تجديد كبير في عام 1392هـ/1972م، وعُثر أثناء أعمال التعمير على حجر يشير إلى تجديد سابق قام به شخص يُدعى حسن سنة 1207هـ. وأنشأ داود باشا للجامع سقاية تطل على سوق الحيدرخانة عُرفت بـ«سقاية جامع الحيدرخانة»، لكنها هُدمت لاحقاً.
من الناحية المعمارية، يُعد جامع الحيدرخانة تحفة فنية متقنة؛ إذ تبلغ مساحته الكلية نحو 3344 متراً مربعاً، شُيّد على أرض شبه منحرفة الأبعاد. ويتألف من فناء واسع تحيط به مجنبات من الجهتين الشمالية والغربية، كانت تضم غرفاً وقاعات ومرافق عامة، وهي من بقايا المدرسة الدينية التي ألحقت بالجامع، وأسهمت في تخريج علماء في علوم القرآن والفقه الإسلامي.
أما حرم الصلاة، فمساحته تقارب 240 متراً مربعاً، وهو مربع متناسب الزوايا، يرتكز على أربعة دعائم ضخمة تحمل القبة الرئيسة، التي تحف بها قبتان أصغر حجماً. وقد كُسيت القباب من الخارج بالقرميد والكاشي الملون، وزُينت رقبة القبة الكبرى بحزام كتابي يضم سورتي الليل والشمس وآية الكرسي. ويعلو الأعمدة شريط من الكتابات القرآنية بخط النسخ، يتضمن الآية 286 من سورة البقرة، يبدأ من يمين المحراب ويحيط بالحرم حتى يساره.
وتُعد القبة من أبرز عناصر الجامع، إذ جرى في سبعينيات القرن العشرين تحويل الجزء العلوي للحرم من الشكل المربع إلى المثمن، باستخدام عقود إنشائية في زوايا السقف، تحصر بينها مثلثات كروية قُسمت إلى مقرنصات متعددة المستويات، أشبه بخلايا النحل، لتشكّل في مجموعها قاعدة دائرية استقر عليها بناء القبة.
ويضم الجامع مصليين: شتوياً وصيفياً. فالمصلى الشتوي يرتفع ذراعين عن الأرض، تعلوه القبة الرئيسة المكسوة بالكاشي الأزرق، وتجاوره منارة عالية أُعيد بناؤها سنة 1338 هـ/1920م على أسسها القديمة بعد أن كانت قد سقطت. أما المصلى الصيفي، فيقع في مستوى أعلى قليلاً من ساحة الجامع، ويتوسطه محراب من القرميد الملون، تحيط به أقواس مدببة وكتابات بالخط الكوفي المربع، ويوفر فيئه حماية للمصلين من حر الشمس.
وأمام المصلى الشتوي يمتد رواق معقود تعلوه خمس قباب صغيرة، وله مدخل كبير مقابل باب الحرم، وإلى جانبه أربعة مداخل أصغر. ويتصل المدخل الرئيس بقوس مدبب أعلى منه، تتدلى بين القوسين دلايات ومقرنصات، تتوسطها آية قرآنية وكتابة تؤرخ بناء الجامع. كما يحيط بالحافة العليا للبناء شريط زخرفي هندسي محفور على شكل معينات متكررة، يلف جميع الجدران الخارجية.
وتتعدد أبواب الجامع، منها باب خشبي قديم في الواجهة، كُسيت أعلاه ببلاطات خزفية ملونة تحمل زخارف نباتية وهندسية وآيات قرآنية، ودُوّن عليه تاريخ تجديد سنة 1392هـ. كما يوجد باب في الجانب الغربي يحمل زخرفة كتابية بالخط الكوفي المربع للآيتين (16–17) من سورة آل عمران، كُتبت بشكل أشرطة متداخلة ذات حركة دورانية، ودُوّن فيه تاريخ الإنجاز سنة 1311هـ. وعلى الواجهة الخارجية للباب الخشبي نُقشت أبيات شعرية تمجد باني الجامع داود باشا، جاء في مطلعها:
(فقل لدى الصنع يا مؤرخهِ كذا بدى جامعاً من صنع داود – 1242هـ)
ولم تقتصر أهمية جامع الحيدرخانة على دوره الديني والعمراني، بل كان له حضور وطني بارز، إذ عُرف بين البغداديين بلقب «الجامع الثائر». ففي عام 1920م اجتمع في رحابه أعيان بغداد، وانطلقت من ساحته شرارة أحداث ثورة العشرين ضد الحكم الاستعماري البريطاني. واتخذه الملا عثمان الموصلي منبراً لخُطبه وتحريك الناس نحو الثورة، وكان ساحة تجمع يومية للجماهير، كما تعاقب على إمامته أعلام بارزون، منهم الشيخ عبد الوهاب النائب، والشيخ أمجد الزهاوي، وبرز فيه عدد من الشخصيات الدينية والوطنية.
وشهد الجامع على مر السنين إقامة الاحتفالات الدينية والأدبية، وأسهم مع محيطه العمراني في تشكيل هوية محلة الحيدرخانة، التي سكنها أشراف بغداد وأنجبت علماء وأدباء. ولا يزال الجامع يؤدي دوره الديني حتى اليوم، حيث تُقام فيه صلاة الجمعة والصلوات الخمس، محافظاً على مكانته بوصفه رمزاً معمارياً وذاكرةً وطنيةً نابضة في قلب بغداد.
2 - جامع السلاحدار: شاهد عثماني مهمل في قلب بغداد. يُعد جامع السلاحدار، المعروف أيضاً بجامع حسين باشا السلاحدار أو جامع حسن باشا، أحد المعالم الدينية والتاريخية العثمانية البارزة في بغداد، وأحد شواهد العمارة العثمانية المبكرة في جانب الرصافة. يقع الجامع في محلة الحيدرخانة، خلف جامع الحيدرخانة، ضمن الأزقة القديمة المتصلة حالياً بشارع الجمهورية، عبر شارع ضيق يصل بدوره إلى شارع الرشيد.
شُيّد الجامع على يد والي بغداد حسين باشا السلاحدار سنة 1085هـ/1673–1674م، وهو من ولاة العهد العثماني البارزين، وكان من غلمان السلطان مراد الرابع، وتولى ولاية بغداد والبصرة. ويُعد الجامع من أقدم الجوامع التي أُنشئت في بغداد بعد دخول القوات العثمانية إليها عام 1638م، حتى وُصف بأنه ثاني أقدم جامع عثماني في المدينة.
من الناحية المعمارية، كان الجامع يتألف من حرم للصلاة تعلوه ثلاث قباب، ومحراب، ومنارة عثمانية أسطوانية الطراز تُعد أبرز عناصره المعمارية، ولا تزال قائمة إلى اليوم رغم ما تعانيه من تصدعات وانتفاخ وسقوط أجزاء منها نتيجة العوامل الجوية والإهمال المستمر. ويبلغ عمر هذه المنارة نحو 350 عاماً، ما يجعلها من أقدم المنائر العثمانية الباقية في بغداد.
وأُلحق بالجامع عند تأسيسه مدرسة علمية، دُرست فيها العلوم العقلية والنقلية، إلى جانب علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وكان يسكن بعض حجراتها طلبة العلم والقائمون على شؤون الجامع. ولم يبق من هذه المدرسة اليوم سوى عدد من الغرف المتناثرة، بعد أن تهدم معظم مبنى الجامع.
شهد الجامع تدهوراً كبيراً في حالته العمرانية خلال العقود الأخيرة، إذ تهدمت جدران الحرم بالكامل تقريباً، ولم يبقَ من بنائه سوى أجزاء محدودة من الملحقات، إضافة إلى المنارة التي باتت مهددة بالانهيار. كما يحتوي الموقع على ثلاث قبور تعود لأفراد من عائلة البعاج، توفوا جراء الطاعون في مطلع القرن العشرين، ما يضفي على المكان بعداً اجتماعياً وإنسانياً إضافياً. وفي هذا السياق، دعت لجنة إنقاذ الأبنية التراثية في بغداد ديوان الوقف السني إلى التدخل العاجل لصيانة جامع حسين باشا السلاحدار، الذي يعاني من إهمال واضح واندثار في بعض أجزائه، ليعود معلمًا دينيًا وتراثيًا يليق بمكانته التاريخية وسط العاصمة.
ويمثل جامع السلاحدار اليوم جزءاً مهماً من الإرث العثماني في بغداد، وشاهداً صامتاً على مرحلة تاريخية غنية، إلا أن حالته الراهنة تعكس حجم التحديات التي تواجه الأبنية التراثية في المدينة، وتستدعي جهداً مؤسسياً جاداً للحفاظ عليه من الضياع النهائي.
المقاهي التاريخية: صالونات الحيدرخانة الأدبية:
لم تكن المقاهي في محلة الحيدرخانة أماكن عابرة لاحتساء الشاي أو تمضية الوقت، بل شكّلت عبر عقود طويلة صالونات فكرية وبرلمانات شعبية، صيغت في أجوائها ملامح الوعي الثقافي والسياسي في بغداد، وتلاقحت فيها الأفكار، واشتدت المناظرات، وتكوّنت اتجاهات أدبية وسياسية مؤثرة في تاريخ العراق الحديث.

مقهى الزهاوي: ذاكرة بغداد الثقافية
يُعد مقهى الزهاوي واحداً من أشهر وأقدم المقاهي التراثية في بغداد، ومن أبرز معالمها الثقافية والاجتماعية. يقع في شارع الرشيد عند مدخل سوق الحيدرخانة، بين ساحة الميدان وجامع الحيدرخانة، في موقع ظل نابضاً بالحياة منذ مطلع القرن العشرين.
تأسس المقهى سنة 1917م، وكان يُعرف في بداياته باسم «مقهى أمين»، ولم يكن حينها سوى كوخ بسيط يضم مقاعد خشبية وكراسي متواضعة. وكانت أرضه وقفاً يعود لأسرة علمية من بيت آل الخطيب، وقد أُقيم في الأصل على موضع مسجد صغير يُنسب إلى أسماء خاتون. ومع توسّع العمران ونمو الحركة الثقافية في المنطقة، تحوّل المكان إلى مقهى شعبي سرعان ما أصبح ملتقى للمثقفين.
ارتبط المقهى لاحقاً بالشاعر والفيلسوف الكبير جميل صدقي الزهاوي، الذي اتخذه مجلساً دائماً له، يجتمع فيه مع الأدباء والمفكرين لتبادل الأحاديث والمساجلات الفكرية والشعرية. وبعد وفاته في 20 شباط 1936م، قررت أمانة العاصمة إطلاق اسمه على المقهى تكريماً له، ليُعرف منذ ذلك الحين بـ مقهى الزهاوي.
خلال النصف الأول من القرن العشرين، تحوّل المقهى إلى ساحة أدبية ساخنة، شهدت مناظرات شهيرة، أبرزها السجالات الحادة بين الزهاوي وخصمه اللدود الشاعر معروف الرصافي. وكان من رواده نواب وشيوخ وصحفيون وشعراء وأدباء، من بينهم الملا عبود الكرخي، ونوري ثابت (حبزبوز)، إضافة إلى أدباء مهتمين بالتراث العربي، يتدارسون شعر المتنبي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم.
ولم يقتصر دور المقهى على الفكر والأدب، بل كان فضاءً فنياً أيضاً، احتضن جلسات غنائية ومقامية، حضرها كبار مطربي العراق، مثل محمد القبانچي ويوسف عمر، إلى جانب شخصيات سياسية وثقافية تركت بصمتها في تاريخ العراق الحديث. وقد ازدانت جدرانه لاحقاً بصور مؤطرة لعدد من هؤلاء الرواد.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، حظي المقهى بصيتٍ عربي واسع حين زاره الشاعر والفيلسوف الهندي الكبير رابندرانات طاغور، وهو حدث تناولته الصحف البغدادية والقاهرية، مؤكداً المكانة الثقافية التي بلغها المقهى آنذاك.
شُيّدت البناية الحالية لمقهى الزهاوي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، غير أن المقهى تعرّض لاحقاً لمحاولات متكررة للاستيلاء عليه وتحويله إلى مشروع تجاري، خاصة بعد وفاة مستأجره السيد سلمان الكندير، نظراً لموقعه الحيوي المطل على شارع الرشيد وشارع حسان بن ثابت. إلا أن حملة واسعة قادها الأدباء والمثقفون نجحت في تحويل القضية إلى رأي عام، وأسفرت عن قرار حكومي بإلغاء إجراءات البيع والإبقاء على المقهى باسمه ووظيفته التراثية.
ورغم إعادة تعميره، فقد تراجع حضور رواده التقليديين في بعض الفترات، حيث وجد عدد منهم في مقهى الشاهبندر ملاذاً بديلاً، مما أدى إلى خفوت بعض التقاليد الثقافية التي اشتهر بها. ومع ذلك، بقي مقهى الزهاوي شاهداً حياً على مرحلة مفصلية من تاريخ بغداد الثقافي والفكري.


مقهى حسن عجمي:
يقع مقهى حسن عجمي في نطاق الحيدرخانة وشارع الرشيد، ويُعد من المقاهي العريقة التي ارتادها كبار الأدباء والشعراء، ولاسيما المهتمين بالأدب الكلاسيكي والشعر العربي الرصين. تميّز بأجوائه البغدادية الأصيلة ومقتنياته التراثية، وكان بمثابة نادٍ ثقافي غير معلن، جمع أجيالاً أدبية متعاقبة، وأسهم في حفظ تقاليد الجلسة البغدادية المحافظة.
مقهى البرلمان:
سُمي مقهى البرلمان بهذا الاسم لقربه من مبنى البرلمان القديم، ولأن رواده كانوا في الغالب من السياسيين والمحامين والموظفين الكبار، الذين اعتادوا مناقشة شؤون الدولة ومستقبلها في جلساته اليومية، مما منحه طابعاً سياسياً واضحاً، وجعل أحاديثه مرآةً للتحولات السياسية في العراق الملكي وما بعده.
الهوية التجارية والحرفية للمحلة:
إلى جانب دورها الثقافي، عُرفت الحيدرخانة بوصفها مركزاً تجارياً وحرفياً نشطاً، أسهم في دعم الحياة الاقتصادية لبغداد:


• تجارة التبغ (التتنچية): اشتهرت المحلة بمحال بيع التبغ والتمباك، التي كانت تزوّد المقاهي البغدادية باحتياجاتها، وتشكل جزءاً من ثقافة المقهى آنذاك.

• صناعة الخبز: ارتبط درب الخبازين بتجمع أمهر صناع الخبز والرقاق، وكان مقصداً لسكان المحلات المجاورة.
• محال العطارين والأصباغ: ضمت أزقة الحيدرخانة محالاً عريقة لبيع العطارة والمواد الأولية للأصباغ، التي احتاجتها المهن التقليدية والحرفيون.

شارع المتنبي: الرئة الثقافية المتصلة بالحيدرخانة
يمثل شارع المتنبي الامتداد الثقافي الطبيعي لمحلة الحيدرخانة، وقد عُرف تاريخياً بأسماء متعددة، منها درب زاخا ثم شارع السراي، قبل أن يُطلق عليه اسم شارع المتنبي سنة 1932م.

ويبرز في هذا الشارع مقهى الشابندر، الذي تأسس عام 1917م، ويُعد شيخ مقاهي المتنبي وملتقى النخبة الثقافية، محافظاً على هويته كمتحف حي وفضاء للحوار الفكري، ومكملاً للدور الذي أدته مقاهي الحيدرخانة في صناعة المشهد الثقافي البغدادي. غير أن هذا الدور التاريخي، الذي تشكّل عبر قرون، لم يَسلم من التحوّلات العنيفة التي أصابت النسيج العمراني لبغداد الحديثة، حيث بدأت ملامح الهوية الحرفية للمحلة تتراجع أمام ضغوط التحديث غير المنضبط والإهمال المتراكم.
المخاطر التي تتعرض لها محلة الحيدرخانة في ظل العمران الحديث والإهمال:
تواجه محلة الحيدرخانة، شأنها شأن العديد من المحلات التاريخية في بغداد، جملةً من المخاطر المتداخلة التي تهدد نسيجها العمراني وهويتها الثقافية، وتضع معالمها التراثية أمام احتمالات التلاشي أو التشويه، في ظل غياب سياسات حماية فاعلة ومستدامة.
ضغط العمران الحديث والهدم الباطني:
أسهم التوسع العمراني غير المنضبط، ولا سيما رفع الطوابق وإجراء تغييرات جذرية في واجهات المباني القديمة، في تقويض النسيج العمراني التقليدي للمحلة. فقد أخلّت هذه التدخلات بالتناسب المعماري، وطمست الخصائص البصرية المميزة للحيدرخانة، مثل الشناشيل والأزقة المتدرجة والواجهات ذات الطابع العثماني والبغدادي، لتحل محلها أشكال إنشائية غريبة عن السياق التاريخي.
الإهمال والترميم غير المنهجي:
تعاني المعالم الدينية والتاريخية في المحلة من إهمال واضح، أو من عمليات ترميم عشوائية تفتقر إلى الأسس العلمية المتخصصة. فاللجوء إلى مواد حديثة غير ملائمة، أو تأجيل الصيانة الدورية لعناصر حساسة مثل القباب، والزخارف الجصية والخزفية، والكتابات القرآنية، يؤدي إلى تآكل هذه العناصر وفقدان تفاصيلها الأصلية. وتشير تقارير صحفية وملاحظات أرشيفية متكررة إلى الحاجة الملحّة لترميم منهجي ومستدام لعدد من معالم الحيدرخانة.
الضغوط التجارية والسياحية غير المخططة:
يمثل الموقع الحيوي للحيدرخانة عامل جذب للاستثمار التجاري، إلا أن تحويل مبانٍ تاريخية إلى فنادق أو محال تجارية دون دراسات حماية أو تراخيص أصولية يشكل تهديداً مباشراً للوقفية التاريخية للمكان. وقد أسهمت مثل هذه الممارسات، في حالات سابقة، في فقدان أجزاء من الأوقاف، وتشويه الوظيفة الأصلية للمباني التراثية، وتحويلها إلى فضاءات استهلاكية منفصلة عن سياقها الثقافي.
أثر الصراعات والاهتراء العمراني:
ألقت الأزمات الأمنية والاقتصادية التي مرت بها بغداد بظلالها الثقيلة على قدرة المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية على حماية المواقع التاريخية. وأدى ذلك إلى تعريض عدد من الأبنية التراثية للسرقة، أو التخريب الجزئي، أو التدهور الطبيعي المتسارع بفعل العوامل المناخية والإهمال، في ظل غياب الرقابة المستمرة.
إن استمرار هذه المخاطر دون معالجة شاملة يهدد بفقدان الحيدرخانة بوصفها منظومة عمرانية وثقافية متكاملة، لا مجرد مجموعة من الأبنية المنفصلة، وهو ما يستدعي تدخلات عاجلة قائمة على التخطيط الحضري الواعي، والتشريع الحامي، والشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع الثقافي.

الخاتمة:

تمثّل محلة الحيدرخانة، بمساجدها الثائرة، ومقاهيها الأدبية، وأسواقها وحِرَفها العريقة، خلاصةً مكثفةً للوجدان الجمعي البغدادي، ومرآةً صادقةً لتحولات المدينة عبر قرون متعاقبة. فهي ليست رقعةً عمرانية فحسب، بل ذاكرة حيّة تشهد على تداخل الدين بالفكر، والسياسة بالثقافة، واليومي بالوطني. إن الحفاظ على هذا التراث المتشابك ليس ترفاً ثقافياً، بل هو صونٌ لأمانة التاريخ، ومقاومةٌ صريحةٌ للنسيان والتهميش.
غير أن الوقوف اليوم في أزقة الحيدرخانة يكشف فجوةً موجعة بين الذاكرة والواقع. فهذه الأزقة، التي لا يتجاوز عرض معظمها مترين، ملتوية، غير معبّدة، يغلب عليها الطين والحفر والنفايات، حتى ليكاد المرء يتعثّر في خطواته إن لم ينتبه. والمشي فيها، حتى في وضح النهار، يبعث شعوراً خفياً بالخوف، إذ يقلّ المارّة، ويخيّم صمت ثقيل على المكان. والمفارقة المؤلمة أنك لا تبعد سوى خطوات عن شارع الرشيد الصاخب، ومع ذلك تشعر وكأنك في مدينة أخرى، أو زمن منسي، حتى ليخطر ببالك القول: " ولا كأنك في بغداد".
تتداعى البيوت الآيلة للسقوط، ويغدو الهدم والخراب العنوان الأبرز للمشهد. أما الشناشيل، التي كانت يوماً رمزاً للجمال والخصوصية البغدادية، فقد فقدت سحرها، ولم يبقَ منها سوى هياكل محطمة يكتظ فيها القبح بدل الألق. وحتى العبور إلى شارع الجمهورية لم يعد سهلاً، إذ تُغلق بعض الدروب، أو تعيقها عوائق يصعب تجاوزها، في مشهد يختصر حالة الانقطاع بين الماضي والحاضر.
ومع ذلك، لا تخلو الحيدرخانة من طرائف إنسانية تكسر قسوة المشهد، وتعيد إلى المكان شيئاً من دفئه. ومن أطرف ما يُستذكر في هذا السياق ما روته الشاعرة لميعة عباس عمارة عن حادثة «حرامي الملابس الداخلية» في دار المعلمات بالحيدرخانة. إذ اشتكت طالبات القسم الداخلي مراراً من اختفاء ملابسهن الداخلية وجوارب النايلون من حبال الغسيل، إلى أن جاء اليوم الذي رأت فيه الشاعرة لقلقاً كبيراً يقف مستمعاً لمحاضرة لها في الأدب العربي. وحين أشارت إليه، طار مبتعداً. تقول لميعة: "هذا اللقلق الذي عاصر دار المعلمات منذ أول نشأتها، رأيته وأنا طفلة، وأراه دائماً أثناء تدريسي كمدرّسة، يسكن أعالي البنايات والمنائر، وهو من سكان محلة الحيدرخانة القدماء".
وتتابع حكايتها بأن فتح شارع الجمهورية، الموازي لشارع الرشيد، استلزم هدم بيوت كثيرة، وأصاب بناية دار المعلمات وبعض أعشاش اللقالق بأضرار جسيمة، فتناثرت منها جوارب النايلون وقطع الملابس الرقيقة، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر «الجرائم» طرافة في ذاكرة المكان.
وهكذا، تبقى الحيدرخانة، رغم ما آلت إليه من تراجع وإهمال، محلةً نابضة بالقصص، عامرة بالرموز، تختزن في أزقتها الضيقة تاريخاً لا يقل رحابةً عن شوارع بغداد الكبرى. إنها شاهدٌ على ما كانت عليه المدينة، وإنذارٌ بما قد تفقده إن لم يُلتفت إلى تراثها بعين المسؤولية والوعي.
المصادر والمراجع
1. مصطفى جواد، بغداد: تاريخها ومحلاتها وأسماؤها.
2. عماد عبد السلام رؤوف، محلات بغداد القديمة: دراسة تاريخية عمرانية.
3. عبد الله الجبوري، بغداد في العهد العثماني: محلاتها ومعالمها.
4. مرتضى نظمي زاده، كلشن خلقا.
5. عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين.

 

 

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1328 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع