الزمن الجميل … هل كان جميلاً حقاً؟ / سعد عبد المجيد ابراهيم

سعد عبد المجيد ابراهيم

الزمن الجميل… هل كان جميلاً حقاً؟


“الحنين إلى الماضي ليس بالضرورة حباً للماضي، بل قد يكون احتجاجاً على الحاضر.”
كُتب الكثير عمّا يُسمّى بـ«الزمن الجميل»، وتغنّى به كثيرون حتى أصبح هذا المصطلح جزءاً من الذاكرة الجمعية، يثير الجدل ويستدعي آراءً متباينة. وكما هي الحال في الوجدان الإنساني عموماً، والعراقي على وجه الخصوص، فإن استحضار الماضي غالباً ما يأتي محاطاً بهالة من الحنين والشوق، حتى يبدو وكأنه واحة دافئة نهرب إليها من تعقيدات الحاضر وضغوطه.
فهل كان هناك زمن جميل حقاً؟
ظل هذا السؤال يشغلني طويلاً، فبحثت في آراء المؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس، قديماً وحديثاً، محاولاً فهم أسباب هذا الحنين المتكرر إلى الماضي، وما إذا كان نابعاً من حقيقة تاريخية أم من طبيعة الذاكرة الإنسانية نفسها.
لقد مرّ العراق، منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921 وحتى اليوم، بعدد من الأنظمة السياسية، بدءاً بالعهد الملكي وانتهاءً بالنظام الحالي، ولكل مرحلة أنصارها ومعارضوها، كما شهدت معظمها أشكالاً مختلفة من الصراعات السياسية التي كثيراً ما تخللها العنف وعدم الاستقرار. وينظر أنصار كل مرحلة إلى حقبتهم بوصفها «الزمن الجميل»، حتى خرج هذا المصطلح من إطاره الاجتماعي إلى دلالات سياسية في كثير من الأحيان، رغم أن معناه الأصلي يرتبط بطبيعة الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية ومستوى الطمأنينة التي كان يعيشها الناس.
ويُستخدم مفهوم «الزمن الجميل» في السياق العراقي أحياناً لأغراض تتجاوز الحنين الإنساني الطبيعي إلى الماضي، فيتحول إلى أداة للمقارنة أو لتجميل بعض الحقب التاريخية، لا حباً بتلك الحقب بقدر ما هو تعبير عن عدم الرضا عن الواقع الحالي أو رفض للمرحلة الراهنة. وبرغم ما شهدته تلك الفترات من حروب وصراعات وأزمات اقتصادية واجتماعية أثقلت كاهل المجتمع لعقود طويلة، فإن بعض الروايات تتجاهل تلك المعاناة وتقدّم صورة انتقائية للماضي توحي بأنه كان زمناً مثالياً خالياً من المشكلات والعيوب.
غير أن الواقع يؤكد أن كل مرحلة من مراحل التاريخ تحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وتفرض تحدياتها الخاصة على أبنائها. ولا شك أن مثل هذه الطروحات قد تخلق شعوراً بالإحباط أو الاغتراب لدى الأجيال التي لم تعش تلك الحقب، فتدفع بعض أفرادها إلى الاعتقاد بأنهم حُرموا من الانتماء إلى «جيل ذهبي» لم يكن في الحقيقة مثالياً كما يُصوَّر لهم مما يعيق تقدمهم وفقا لما قاله عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريـدي (1947-) أن الإفراط في تمجيد الماضي قد يتحول إلى عائق يمنع المجتمعات من التعامل بفاعلية مع تحديات الحاضر وبناء المستقبل.
وقد لخّص عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913-1995) هذه الفكرة بعبارته الشهيرة: "نحن لا نتذكر الماضي لجماله، ولكن لبشاعة حاضرنا". وكان الوردي يحذر من المبالغة في تمجيد الماضي، ويرى أن لكل عصر مشكلاته وتناقضاته، وأن الحنين إلى الأزمنة السابقة يزداد كلما شعر الناس بالإحباط من واقعهم الحالي. وهذا ينسجم أيضاً مع ما ذكره ابن خلدون قبل قرون حين لاحظ ميل الناس إلى الاعتقاد بأن الأزمنة السابقة كانت أفضل من زمانهم، بينما الحقيقة أن لكل عصر مزاياه ومشكلاته الخاصة.
ويرى الوردي أن الإنسان عندما يواجه صعوبات الحاضر وتعقيداته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، يميل تلقائياً إلى استدعاء صور الماضي بحثاً عن الطمأنينة. غير أن هذه العملية لا تتم بصورة موضوعية كاملة، إذ تقوم الذاكرة بانتقاء بعض المشاهد وتهميش أخرى، فتتراجع في الأذهان صور المعاناة والأزمات، بينما تبقى الذكريات المرتبطة بالدفء الاجتماعي وبساطة الحياة والعلاقات الإنسانية.
كانت الحياة أبسط في ذلك الزمن، وكان المجتمع العراقي في معظمه مجتمعاً بسيطا، وتزداد هذه البساطة كلما عدنا إلى فترات أبعد في التاريخ. وكانت متطلبات المعيشة محدودة، والقناعة أكثر انتشاراً بين الناس. ومع التحولات الاقتصادية والسياسية واتساع الهجرة إلى المدن، أخذت احتياجات الحياة تتزايد وتزداد معها الأعباء المعيشية على الأسر. كما أن خيارات الأفراد كانت أقل بكثير مما هي عليه اليوم؛ فلا إنترنت ولا هواتف ذكية ولا مئات القنوات الفضائية التي تنقل إلى الإنسان ما يرغب فيه وما لا يرغب. وكانت مصادر المعرفة محدودة، ووسائل الترفيه أقل، وفرص السفر والتنقل أضيق. ولذلك كان نمط الحياة يقوم على التكيّف مع المتاح أكثر من السعي الدائم وراء البدائل والخيارات الجديدة، كما كانت التطلعات أكثر تواضعاً، والضغوط الناتجة عن المقارنة الاجتماعية أقل مما هي عليه اليوم.
وفي كتابها الشهير “The Future of Nostalgia” فرّقت سفيتلانا بويم (1959-2015) بين نوعين من الحنين: حنين يسعى إلى استعادة الماضي كما كان، وحنين تأملي يدرك أن الماضي لن يعود لكنه يستمتع باستذكاره. وترى أن الناس لا يحنّون إلى الماضي نفسه بقدر ما يحنّون إلى الشعور بالأمان والانتماء الذي يربطونه بذلك الماضي.
وقد تناول كثير من المفكرين والمؤرخين هذه الفكرة بصيغ مختلفة، مؤكدين أن نظرة الإنسان إلى الماضي تتأثر بدرجة رضاه عن الحاضر. فالمؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم (1917-2012) رأى أن الحنين إلى الماضي هو استجابة نفسية واجتماعية للأزمات التي يعيشها الناس في الحاضر. فعندما تتعرض المجتمعات لاضطرابات اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، يزداد الشعور بعدم الأمان والقلق تجاه المستقبل، فيلجأ كثير من الناس إلى استحضار صورة مثالية عن الأزمنة السابقة وكأنها كانت خالية من المشكلات والصراعات.
وعندما يشعر الإنسان بالإحباط من واقعه، فإنه يقارن الحاضر بكل تفاصيله ومشكلاته بأفضل ما يتذكره من الماضي، فتظهر صورة غير متوازنة؛ إذ تُنسى كثير من سلبيات الماضي أو تُهمَّش، بينما تُضخَّم إيجابياته. ولهذا نسمع عبارات متكررة مثل: "كان الناس أكثر أخلاقاً وطيبة"، أو "كانت الحياة أبسط وأجمل"، أو "كان كل شيء أفضل في الماضي"، رغم أن الشهادات التاريخية تؤكد أن تلك الأزمنة لم تكن خالية من التحديات والمعاناة.

وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجتمعات التي عانت من الحروب والأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية السريعة. فكلما ازداد الشعور بثقل الحاضر، ازداد الميل إلى استحضار الماضي بوصفه زمناً أكثر استقراراً وأماناً. ومن هنا يمكن فهم انتشار الحديث عن "الزمن الجميل" باعتباره تعبيراً عن عدم الرضا عن الواقع أكثر من كونه وصفاً دقيقاً للتاريخ.
ولا ينكر هوبسباوم وجود جوانب إيجابية في الماضي، لكنه يحذر من تحويله إلى عالم مثالي متخيّل. فالماضي ليس فردوساً مفقوداً، كما أن الحاضر ليس شراً مطلقاً، وإنما لكل زمن مزاياه ومشكلاته، وما نصنعه اليوم سيصبح يوماً ما جزءاً من ذاكرة الأجيال القادمة.
ومن أبرز العوامل التي تغذي مشاعر الحنين إلى الماضي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي اتسمت بالدفء والتقارب. فقد كانت العائلة الممتدة ركيزة أساسية في حياة الأفراد، وكانت الزيارات العائلية واللقاءات الاجتماعية جزءاً من الحياة اليومية. كما امتد هذا التلاحم ليشمل أبناء المحلة الواحدة في مشاركة الأفراح، والأتراح وتبادل الدعم والمساندة.
وفي زمن سبق هيمنة وسائل الاتصال الحديثة، كان التواصل المباشر وجهاً لوجه هو السائد والأعمق أثراً. وكانت المجالس العائلية تضم أجيالاً متعددة تتشارك الأحاديث والذكريات، الأمر الذي عزز الشعور بالانتماء والألفة. ولعل هذا الدفء الإنساني هو أحد أهم أسباب الحنين إلى الماضي. وذلك ما ذهب اليه المؤرخ والناقد الاجتماعي الأمريكي كريستوفر لاش (1932-1994) إذ يرى أن الحنين إلى الماضي يشتد عندما يشعر الناس بتراجع الروابط الاجتماعية وضعف دور الأسرة والمجتمع المحلي. فالحنين هنا لا يكون إلى الماضي بحد ذاته، بقدر ما يكون إلى منظومة القيم والعلاقات الإنسانية التي يعتقد الناس أنهم فقدوها.

ومن زاوية أخرى تناول الكاتب الفرنسي مارسيل بروست (1871-1922) هذه القضية من خلال اهتمامه العميق بالذاكرة والزمن في عمله الشهير "البحث عن الزمن المفقود". فقد رأى أن الذاكرة ليست سجلاً دقيقاً للأحداث، بل عملية يعيد العقل من خلالها تشكيل الماضي في ضوء المشاعر والتجارب اللاحقة. ومن أشهر الأمثلة في أدبه ما يُعرف بـ«حادثة كعكة المادلين»، حيث أدى تذوق قطعة من الحلوى إلى تدفق ذكريات الطفولة بصورة مفاجئة. وقد أصبحت هذه الحادثة رمزاً لما يُعرف بالذاكرة اللاإرادية، أي الذكريات التي تعود إلى الإنسان دون تخطيط مسبق.
ويرى المؤرخ الفرنسي بيير نورا (1931-) أن المجتمعات عندما تشعر بأن ماضيها يتلاشى تبدأ بصناعة رموز وذكريات جماعية تحفظ ذلك الماضي وتمنحه أحياناً صورة أكثر جمالاً مما كان عليه فعلاً، وربما يكون هذا التصور قريباً من واقعنا المعاصر.
ومن الناحية النفسية تشير دراسات عديدة إلى أن الإنسان يميل مع مرور الزمن إلى نسيان كثير من التفاصيل السلبية أو إعادة تفسير التجارب المؤلمة بطريقة أقل إيلاماً، في حين تبقى التجارب الإيجابية أكثر حضوراً في الذاكرة.
كما يرى سيغموند فرويد (1856-1939) أن الذاكرة ليست سجلاً محايداً للأحداث، بل تخضع لعمليات نفسية معقدة تؤثر فيما نتذكره وما ننساه. فالإنسان يميل بصورة واعية أو غير واعية إلى إبعاد الذكريات المؤلمة عن دائرة الوعي والاحتفاظ بما يمنحه الراحة أو الشعور بالأمان. ومن ثم يبدو الماضي أكثر إشراقاً مما كان عليه في الواقع.
ولهذا يمكن تفسير ظاهرة الحنين إلى ما يسمى "الزمن الجميل" بأن الناس لا يقارنون الماضي كما كان بالحاضر كما هو، بل يقارنون صورة منتقاة من الماضي بالحاضر بكل تفاصيله اليومية ومشكلاته. فالحاضر نعيشه بكل ما فيه من ضغوط وتحديات، أما الماضي فنستحضره بعد أن تكون الذاكرة قد خففت كثيراً من منغصاته.

وفي أحيان كثيرة لا يحن الإنسان إلى الماضي ذاته، بل إلى شبابه وصحته وأصدقائه الذين غابوا، وإلى أفراد أسرته الذين فقدهم بعد رحيلهم، وإلى مرحلة عمرية ارتبطت في وجدانه بالأمل والحيوية. ولذلك فإن الحنين إلى الماضي يكون أحياناً حنيناً إلى الذات التي كناها أكثر مما هو حنين إلى الزمن نفسه.
وفي ضوء ما تقدم، يبدو أن ما نطلق عليه «الزمن الجميل» ليس دائماً حقيقة تاريخية بقدر ما هو حالة نفسية ووجدانية تتشكل في الذاكرة الإنسانية. فالناس لا يتذكرون الماضي كما كان، بل كما بقي في وجدانهم بعد أن تلاشت كثير من آلامه وتفاصيله المرهقة. وحين يشتد القلق من الحاضر أو الخوف من المستقبل، يصبح الماضي ملاذاً آمناً تستريح إليه النفوس وتبحث فيه عن الطمأنينة.
ولعل الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الماضي بعين الإنصاف لا بعين التقديس؛ فنستفيد من تجاربه ونستلهم من إيجابياته دون أن نتجاهل ما كان فيه من صعوبات وإخفاقات. فلكل زمن تحدياته وإنجازاته، وما نعيشه اليوم سيغدو يوماً ما "الزمن الجميل" في ذاكرة أجيال قادمة.
يبقى الماضي جميلاً لأن الذاكرة تحتفظ غالباً بأجمل صوره وتترك كثيراً من عثراته خلفها، غير أن الحكمة تقتضي ألّا يتحول الحنين إلى الماضي إلى انشغال دائم به، بل أن يكون دافعاً لصناعة حاضر أكثر جمالاً وعدلاً واستقراراً. فالأجيال القادمة ستنظر يوماً إلى أيامنا هذه بالطريقة نفسها التي ننظر بها نحن إلى ما مضى، وستبحث في حاضرنا عن ذلك «الزمن الجميل» الذي نصنعه اليوم بأعمالنا وخياراتنا.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

873 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع