نهاية اليقين النووي إذا لم يعد الردع النووي ضمانةً للاستقرار، فما الذي سيحفظ توازن العالم؟ / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
18 حزيران – يونيو 2026

نهاية اليقين النووي إذا لم يعد الردع النووي ضمانةً للاستقرار، فما الذي سيحفظ توازن العالم؟

مقدمة
تبلورت فكرة هذا المقال بعد قراءتي للمقال المهم الذي نشرته الكاتبة روز غوتمولر تحت عنوان: «الهزيمة الغريبة للردع النووي وأزمة الاستقرار الاستراتيجي القادمة»، في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs)، ضمن عدد يوليو/أغسطس 2026، والمنشور إلكترونياً في 12 حزيران/يونيو 2026. وقد قدمت الكاتبة قراءة عميقة للتحولات التي بدأت تصيب أحد أكثر المفاهيم رسوخاً في الفكر الاستراتيجي الحديث، وهو مفهوم الردع النووي بوصفه الضامن النهائي للاستقرار الدولي.
غير أن ما استوقفني في ذلك المقال لم يكن الاستنتاجات التي خلصت إليها الكاتبة بقدر ما كانت الوقائع التي استندت إليها. فمن أوكرانيا إلى غزة، ومن المواجهات المتكررة بين الهند وباكستان إلى الصراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران، يبدو أن العالم يشهد ظاهرة تستحق التوقف والتأمل؛ فالدول والجماعات المسلحة لم تعد تتصرف دائماً وفق الافتراضات التي قامت عليها نظريات الردع التقليدية. فالسلاح النووي ما زال موجوداً، والتهديد به ما زال حاضراً، لكن الحروب تستمر، والهجمات تقع، والتصعيد يحدث، بينما تبقى الترسانات النووية في خلفية المشهد أكثر مما تكون أداة حاسمة فيه. ولعل ما يزيد من أهمية هذه التساؤلات أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين، الأمر الذي يدعو إلى التأمل في الأسباب التي قادت إلى هذه النتيجة، وفي طبيعة الإنجاز الذي استطاعت إيران تحقيقه رغم التفاوت الكبير في القدرات والإمكانات بينها وبين خصومها. وربما يستحق هذا الموضوع دراسة مستقلة بحد ذاته، إلا أنه يثير في الوقت نفسه سؤالاً أوسع يتعلق بطبيعة القوة وحدود فاعلية الردع في عالم اليوم.
لقد عاش العالم طوال ما يقرب من ثمانية عقود في ظل يقين استراتيجي بدا راسخاً لا يقبل الجدل، مفاده أن الخوف المتبادل من الدمار النووي كفيل بمنع اندلاع الحروب الكبرى وضبط سلوك القوى الدولية. ونشأت على هذا اليقين مفاهيم توازن الرعب، والدمار المؤكد المتبادل، والاستقرار الاستراتيجي، حتى أصبحت جزءاً من المسلمات التي نادراً ما جرى التشكيك فيها.
غير أن التطورات الأخيرة تفرض علينا إعادة النظر في كثير من تلك المسلمات. فروسيا، صاحبة واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم، لم تستطع منع استهداف بعض أصولها الاستراتيجية بأسلحة تقليدية زهيدة الكلفة. وإسرائيل، التي يُعتقد أنها تمتلك قدرة نووية متقدمة، لم يمنعها ذلك من التعرض لهجمات متكررة من دول وجهات غير حكومية. كما أن الهند وباكستان، رغم امتلاكهما للسلاح النووي، لم تتوقفا عن الانزلاق إلى مواجهات عسكرية خطيرة. أما إيران، التي يُعتقد أنها اقتربت من العتبة النووية، فقد تعرضت بدورها لضربات وعمليات تخريب واغتيالات، دون أن يشكل احتمال التصعيد النووي حاجزاً مانعاً بالقدر الذي افترضته النظريات التقليدية.
ولا يعني ذلك أن عصر الردع النووي قد انتهى، ولا أن الأسلحة النووية فقدت قيمتها بالكامل، وإنما قد يعني أن العالم بدأ يفقد يقينه القديم بأن هذه الأسلحة وحدها قادرة على توفير الأمن وضمان الاستقرار. وربما تكون الوظيفة الحقيقية للقنبلة النووية قد تغيرت هي الأخرى؛ فبعد أن كان يُنظر إليها بوصفها ضمانة للحصانة الاستراتيجية الشاملة، باتت تبدو أقرب إلى وسيلة لمنع التهديد الوجودي أو الإطاحة الكاملة بالدولة، من دون أن توفر الحماية من الهجمات التقليدية، أو العمليات السرية، أو الحروب السيبرانية، أو الضربات الدقيقة منخفضة الكلفة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يسعى هذا المقال إلى مناقشته: إذا لم يعد الردع النووي الضامن الأوحد للاستقرار الاستراتيجي، فما الذي سيحفظ توازن العالم في العقود القادمة؟ وهل ستظل الدول الطامحة إلى امتلاك السلاح النووي تنظر إليه بالحماسة ذاتها التي طبعت العقود الماضية، أم أن الحروب الأخيرة فرضت إعادة حسابات جديدة حول جدوى القنبلة النووية وحدود قدرتها على توفير الأمن؟
قد لا يقدم هذا المقال إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يحاول أن يساهم في إعادة فتح النقاش حول واحدة من أكثر المسلمات الاستراتيجية رسوخاً في العصر الحديث. فربما لا نكون أمام نهاية الردع النووي، ولكننا قد نكون بالفعل أمام نهاية اليقين النووي.
من اليقين إلى التساؤل
ليس من المبالغة القول إن الردع النووي كان أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في تشكيل النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبعد أن شاهد العالم للمرة الأولى القوة التدميرية الهائلة للسلاح النووي في هيروشيما وناغازاكي، ترسخ اعتقاد مفاده أن البشرية دخلت عصراً جديداً أصبحت فيه الحرب الشاملة بين القوى الكبرى غير قابلة للتصور، ليس لأن الدول أصبحت أكثر حكمة أو أقل ميلاً إلى الصراع، بل لأن كلفة الحرب النووية أصبحت تعادل الفناء المشترك.
ومع مرور الزمن، تحول هذا الاعتقاد إلى ما يشبه اليقين الاستراتيجي. فقد قامت نظريات الردع، وتوازن الرعب، والدمار المؤكد المتبادل، على فرضية بسيطة لكنها شديدة التأثير: إذا كانت كل قوة نووية تعلم أن استخدامها للسلاح النووي سيؤدي إلى تعرضها لانتقام مدمر، فإن العقلانية السياسية ستفرض نفسها في النهاية، وسيمتنع الجميع عن تجاوز العتبة النووية. وهكذا أصبح الخوف نفسه أداة لحفظ السلام، وتحولت القدرة على التدمير إلى وسيلة لمنع استخدام تلك القدرة.
وبالرغم من كثرة الأزمات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، فإن هذا المنطق بدا وكأنه أثبت صحته. فلم تقع مواجهة نووية مباشرة بين القوى الكبرى، ولم يُستخدم السلاح النووي مرة أخرى منذ عام 1945، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأن الردع النووي لا يحول دون الحرب النووية فحسب، بل يشكل أيضاً الضمانة النهائية للاستقرار الاستراتيجي العالمي.
غير أن السنوات الأخيرة حملت معها مشاهد يصعب تفسيرها وفق هذا المنطق التقليدي. فقد شهد العالم حرباً واسعة النطاق في أوكرانيا بين دولة نووية عظمى ودولة غير نووية مدعومة من تحالف نووي. وشهد الشرق الأوسط هجمات متبادلة بين أطراف تمتلك قدرات نووية أو يُعتقد أنها تمتلكها، دون أن يمنع ذلك استمرار التصعيد. كما عادت الهند وباكستان، وهما قوتان نوويتان، إلى حافة المواجهة العسكرية المباشرة. وفي الوقت نفسه، أخذت الطائرات المسيّرة الرخيصة، والصواريخ الدقيقة، والحرب السيبرانية، والعمليات الخاصة، تؤدي أدواراً كان يُعتقد سابقاً أن السلاح النووي كفيل بردعها أو منعها.
إن هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن الردع النووي فقد قيمته أو أنه أصبح بلا أثر في العلاقات الدولية، لكنها تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت بعض الافتراضات التي قامت عليها نظريات الردع التقليدية ما تزال صالحة بالدرجة نفسها التي كانت عليها خلال الحرب الباردة. فالعالم الذي أنتج تلك النظريات لم يعد هو العالم نفسه الذي نعرفه اليوم، كما أن طبيعة التهديدات وأدوات القوة ومصادر الخطر شهدت تغيرات عميقة خلال العقود الأخيرة.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي تنطلق منه هذه الدراسة: هل ما زالت القنبلة النووية تؤدي الوظيفة ذاتها التي افترضها منظرو الردع قبل عقود، أم أن العالم بدأ يفقد يقينه القديم بقدرتها على توفير الأمن والاستقرار؟ فالمسألة لا تتعلق بإثبات أن الردع النووي قد انتهى، إذ لا توجد شواهد كافية على ذلك، وإنما تتعلق ببحث ما إذا كان اليقين الذي أحاط به طوال ثمانية عقود قد بدأ يتآكل بالفعل.
إن الفرق بين الأمرين جوهري. فالقول بانتهاء الردع النووي يعني أن الأسلحة النووية فقدت قيمتها الاستراتيجية، وهو استنتاج لا تدعمه الوقائع. أما الحديث عن نهاية اليقين النووي، فيعني أن هذه الأسلحة ما زالت تحتفظ بدورها في ردع التهديدات الوجودية ومنع الحرب النووية الشاملة، لكنها لم تعد تمنح الشعور ذاته بالحصانة الذي افترضته النظريات التقليدية.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة. فهي لا تهدف إلى إعلان وفاة الردع النووي، ولا إلى التقليل من خطورة الأسلحة النووية أو أهميتها، وإنما تسعى إلى استكشاف ما إذا كان العالم قد دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها القنبلة النووية جزءاً من معادلة الأمن، لا المعادلة كلها. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي النتائج التي ينبغي أن تستخلصها القوى النووية القائمة، والدول الطامحة إلى امتلاك السلاح النووي، وسائر الدول التي تبحث عن معادلة تضمن أمنها واستقرارها في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟
كيف نشأ اليقين النووي؟
لفهم الأسباب التي تدفع اليوم إلى التشكيك في بعض المسلمات المرتبطة بالردع النووي، لا بد أولاً من العودة إلى اللحظة التاريخية التي وُلد فيها ذلك اليقين الاستراتيجي الذي حكم تفكير العالم طوال ما يقرب من ثمانية عقود.
ففي السادس والتاسع من آب/أغسطس عام 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في أول وآخر استخدام فعلي للسلاح النووي في الحروب. ولم يكن أثر هاتين الضربتين مقتصراً على حجم الدمار والخسائر البشرية الهائلة التي أحدثتاها، بل امتد ليُحدث تحولاً جذرياً في طبيعة التفكير العسكري والسياسي. فقد أدركت الدول الكبرى أن البشرية دخلت عصراً جديداً أصبحت فيه القدرة على التدمير تتجاوز كل ما عرفته الحروب السابقة.
وفي السنوات الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية، تمتعت الولايات المتحدة باحتكار السلاح النووي، غير أن هذا الاحتكار لم يدم طويلاً. ففي عام 1949 نجح الاتحاد السوفييتي في إجراء أول تجربة نووية له، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي بين القوتين العظميين. ثم تسارعت وتيرة سباق التسلح النووي مع تطوير القنبلة الهيدروجينية، وظهور الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات النووية المسلحة بالصواريخ، والقاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى.
ومع ازدياد القدرة التدميرية للطرفين، برزت مفارقة بدت للوهلة الأولى غير منطقية: فكلما ازدادت قدرة الخصمين على تدمير بعضهما بعضاً، تراجعت احتمالات لجوئهما إلى الحرب المباشرة. ومن هنا نشأت فلسفة الردع النووي الحديثة، التي قامت على افتراض أن القادة، مهما بلغت درجة عدائهم، سيظلون في نهاية المطاف فاعلين عقلانيين يدركون أن استخدام السلاح النووي سيقود إلى نتائج كارثية لا يمكن لأي طرف أن يخرج منها منتصراً.
وقد تجسد هذا المنطق في مفهوم «الدمار المؤكد المتبادل» (Mutual Assured Destruction)، الذي أصبح أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في الفكر الاستراتيجي خلال الحرب الباردة. ومفاد هذا المفهوم أن كلاً من الطرفين يحتفظ بقدرة انتقامية كافية لتدمير الطرف الآخر حتى بعد تعرضه لضربة نووية أولى. وبذلك يصبح شن هجوم نووي استباقي عملاً انتحارياً لا يحقق أي مكسب استراتيجي حقيقي.
ولضمان هذه القدرة الانتقامية، اعتمدت القوى النووية الكبرى ما عُرف بـ«الثالوث النووي»، المتمثل في الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المتمركزة على اليابسة، والصواريخ المحمولة على الغواصات النووية، والقاذفات الاستراتيجية الثقيلة. وقد صُمم هذا التوزيع المتعدد للقدرات النووية ليضمن بقاء جزء من الترسانة النووية قادراً على الرد مهما كانت شدة الضربة الأولى التي قد يتعرض لها الطرف الآخر.
ومن رحم هذه الأفكار نشأ مفهوم «الاستقرار الاستراتيجي»، الذي يفترض أن امتلاك القوى الكبرى لقدرات انتقامية مضمونة يجعلها أقل ميلاً إلى المخاطرة باستخدام السلاح النووي، وأكثر حرصاً على إدارة الأزمات ومنع التصعيد غير المحسوب. وقد عززت أزمات كبرى، مثل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، هذا الاعتقاد، إذ خرج كثير من المحللين باستنتاج مفاده أن الاقتراب من حافة الهاوية النووية كان كافياً لإقناع الجميع بأن البديل الوحيد الممكن هو ضبط النفس.
ومع مرور الزمن، لم يعد الردع النووي مجرد نظرية عسكرية، بل تحول إلى جزء من الثقافة الاستراتيجية العالمية. فقد نشأت أجيال كاملة من السياسيين والعسكريين وهي تؤمن بأن امتلاك السلاح النووي يمثل الضمانة القصوى للأمن الوطني، وأن الدول المسلحة نووياً أقل عرضة للغزو أو الإكراه الخارجي. كما أصبح هذا المنطق أحد المبررات الرئيسية التي دفعت بعض الدول إلى السعي لامتلاك القدرة النووية، انطلاقاً من الاعتقاد بأن القنبلة النووية توفر نوعاً من الحصانة الاستراتيجية التي لا يمكن تعويضها بوسائل أخرى.
ومع ذلك، فإن هذا اليقين لم يكن مطلقاً حتى في ذروة الحرب الباردة. فقد ظل قائماً على مجموعة من الافتراضات الضمنية، من بينها عقلانية صناع القرار، ووضوح خطوط التصعيد، وإمكانية التمييز بين الحرب التقليدية والحرب النووية، واحتكار الدول للقوة الاستراتيجية. كما افترض أن التهديد الأخطر الذي تواجهه القوى النووية يأتي من قوى نووية أخرى مماثلة لها.
واليوم، تبدو بعض هذه الافتراضات أقل رسوخاً مما كانت عليه في السابق. فالحروب المعاصرة تكشف أن الدول النووية قد تتعرض لهجمات مؤلمة من خصوم غير نوويين، وأن الفاعلين من غير الدول باتوا يمتلكون قدرات لم تكن متاحة لهم من قبل، وأن أدوات الحرب التقليدية أصبحت أكثر دقة وأقل كلفة وأكثر قدرة على تجاوز الحدود الجغرافية. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان اليقين النووي قد أدى وظيفته التاريخية خلال العقود الماضية، بل ما إذا كانت الظروف التي أنتجت ذلك اليقين ما تزال قائمة بالقدر نفسه في عالم القرن الحادي والعشرين.
أوكرانيا... الضربة التي هزّت المنطق القديم
إذا كانت الحرب الباردة قد شكلت المختبر الذي وُلدت فيه نظريات الردع النووي، فإن الحرب الروسية–الأوكرانية قد تكون المختبر الذي تعرضت فيه تلك النظريات لأشد اختبار عملي منذ عقود. فهذه الحرب لم تقتصر على كونها أكبر مواجهة عسكرية تشهدها أوروبا منذ عام 1945، بل إنها وقعت أيضاً بين دولة تمتلك أكبر ترسانة نووية تقريباً في العالم، وبين دولة غير نووية تحظى بدعم سياسي وعسكري واستخباري واسع من تحالف تقوده قوى نووية كبرى.
ومنذ الأيام الأولى للحرب، عاد السلاح النووي إلى واجهة الخطاب الدولي. فقد لوّحت موسكو، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإمكانية اللجوء إلى خيارات غير تقليدية إذا ما تعرضت مصالحها الحيوية أو وجودها للخطر. وارتفعت التحذيرات الغربية من مخاطر التصعيد النووي، بينما انشغلت مراكز الدراسات والدوائر السياسية بوضع سيناريوهات تتراوح بين الاستخدام المحدود للسلاح النووي التكتيكي وبين الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
غير أن ما حدث فعلياً كان مختلفاً عما توقعته كثير من تلك السيناريوهات. فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها الطرفان، واتساع نطاق الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، واستهداف أهداف ذات أهمية استراتيجية داخل العمق الروسي، فإن العتبة النووية لم يتم تجاوزها. لقد استمرت الحرب، وتصاعدت في بعض مراحلها، ولكنها بقيت في إطار الحرب التقليدية، وإن كانت حرباً تستخدم أكثر الوسائل التقنية تطوراً.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الحرب كشفت عن ظاهرة لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي في الأدبيات التقليدية للردع، وهي قدرة الوسائل التقليدية منخفضة الكلفة نسبياً على تهديد أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية. فقد أظهرت الهجمات بالطائرات المسيّرة، والعمليات الخاصة، والاستخدام الذكي للمعلومات الاستخبارية، أن الدولة النووية ليست بمنأى عن التعرض لضربات مؤلمة داخل أراضيها، وأن امتلاك آلاف الرؤوس النووية لا يمنع بالضرورة خصماً أضعف من إلحاق الضرر أو فرض تكاليف سياسية ونفسية وعسكرية مرتفعة.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه في هذا السياق هو استهداف بعض الأصول المرتبطة بالبنية الاستراتيجية الروسية باستخدام وسائل تقليدية. فسواء تعلق الأمر بالقواعد الجوية، أو منشآت الدعم اللوجستي، أو الأهداف الواقعة في عمق الأراضي الروسية، فإن الرسالة كانت واضحة: لقد أصبح من الممكن الاقتراب من بعض ركائز القوة الاستراتيجية لدولة نووية دون اللجوء إلى السلاح النووي ذاته.
ولا يعني ذلك أن الردع النووي فشل في الحرب الأوكرانية. فالحقيقة أن مجرد وجود الترسانة النووية الروسية ربما أسهم في وضع حدود غير معلنة لسلوك الأطراف المختلفة. فقد تجنبت الدول الغربية، على سبيل المثال، الانخراط المباشر بقواتها في القتال، كما تجنبت أوكرانيا تجاوز بعض الخطوط التي قد تُفسر على أنها تهديد وجودي مباشر للدولة الروسية. وبعبارة أخرى، ظل السلاح النووي يؤدي وظيفة معينة تتمثل في ضبط سقف التصعيد ومنع الانتقال إلى الحرب الشاملة بين القوى الكبرى.
إلا أن هذه الوظيفة تختلف عن الصورة التقليدية التي رُسمت للردع النووي خلال الحرب الباردة. فالردع لم يمنع الحرب، ولم يمنع الهجمات عبر الحدود، ولم يمنع الضربات المؤلمة، ولم يحقق الحصانة الكاملة للدولة النووية. وإنما نجح، على الأرجح، في منع الانهيار الكامل للقيود الاستراتيجية التي تفصل بين الحرب التقليدية والحرب النووية.
وهنا تكمن أهمية الدرس الأوكراني. فالاعتقاد القديم بأن امتلاك السلاح النووي يوفر حصانة استراتيجية شبه مطلقة يبدو اليوم أقل إقناعاً مما كان عليه في الماضي. فالدولة النووية قد تتعرض للاستنزاف، وقد تُستهدف منشآتها الحيوية، وقد تواجه تحديات عسكرية خطيرة، دون أن يكون ردها النووي خياراً عملياً أو عقلانياً.
ومن زاوية أخرى، أعادت الحرب الأوكرانية إحياء النقاش حول مذكرة بودابست لعام 1994، التي تخلت أوكرانيا بموجبها عن الترسانة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي مقابل ضمانات تتعلق بأمنها وسيادتها. وقد رأى البعض في الغزو الروسي دليلاً على خطأ ذلك القرار، وأن امتلاك السلاح النووي كان سيحول دون وقوع الحرب أصلاً. غير أن هذا الاستنتاج، على الرغم من وجاهته الظاهرية، ليس بالبساطة التي يبدو عليها. فالحرب نفسها أظهرت أن الدول النووية ليست بمنأى عن التهديد، وأن امتلاك القنبلة النووية لا يحول دون التعرض للهجمات أو تحمل كلف باهظة وطويلة الأمد.
ولذلك، فإن الدرس الحقيقي الذي يمكن استخلاصه من أوكرانيا ليس أن الردع النووي انتهى، ولا أن امتلاك السلاح النووي أصبح بلا قيمة، بل إن الوظيفة التي يؤديها هذا السلاح قد أصبحت أكثر تواضعاً وأكثر تحديداً مما كان يُعتقد سابقاً. فهو ما زال يشكل حاجزاً أمام التهديدات الوجودية والحرب النووية الشاملة، لكنه لم يعد قادراً وحده على منع الحروب التقليدية أو ضمان الأمن الكامل للدول التي تمتلكه.
وهكذا، ربما تكون الحرب الأوكرانية قد وجهت أول ضربة قوية إلى اليقين النووي الذي ساد منذ منتصف القرن العشرين. فهي لم تثبت عجز الردع النووي، لكنها كشفت حدوده. ولم تعلن نهاية عصر القنبلة النووية، لكنها دفعت العالم إلى التساؤل عما إذا كانت القنبلة ما تزال قادرة على الوفاء بكل الوعود التي ارتبطت بها طوال العقود الماضية.
غزة وإسرائيل... حين بقيت القنبلة في الظل
إذا كانت الحرب في أوكرانيا قد كشفت حدود الردع النووي في مواجهة حرب تقليدية واسعة النطاق بين الدول، فإن الحرب في غزة وما أعقبها من تطورات إقليمية قدمت نموذجاً مختلفاً لا يقل أهمية في دلالاته الاستراتيجية. فإسرائيل، التي تتبنى منذ عقود سياسة "الغموض النووي" من دون أن تنفي أو تؤكد رسمياً امتلاكها للسلاح النووي، تُعد في نظر معظم الخبراء إحدى القوى النووية الفعلية في العالم. ومع ذلك، فإن هذه القدرة النووية المفترضة لم تمنع وقوع هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولم تحول دون انخراط إسرائيل في أطول وأعقد مواجهة عسكرية شهدتها في تاريخها.
لقد شكلت أحداث السابع من تشرين الأول صدمة استراتيجية لإسرائيل وللمراقبين على حد سواء. فالدولة التي تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً كبيراً، ويُعتقد أنها تحوز قدرات نووية متقدمة، تعرضت لهجوم واسع النطاق نفذته جهة غير حكومية لا تمتلك أي قدرات استراتيجية مماثلة. ولم يكن الرد النووي وارداً في الحسابات الإسرائيلية، ليس فقط لأسباب أخلاقية أو سياسية، بل لأن طبيعة التهديد ذاته جعلت من السلاح النووي أداة غير ذات صلة بالمعركة الدائرة.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة الصراع بصورة تدريجية. فقد شهدت المنطقة مواجهات متبادلة بين إسرائيل وحلفاء إيران في أكثر من ساحة، ثم انتقلت المواجهة إلى مستوى غير مسبوق مع تبادل الضربات المباشرة بين إسرائيل وإيران. وعلى الرغم من أن أحد طرفي هذه المواجهة يُعتقد أنه يمتلك السلاح النووي بينما كان الطرف الآخر يقترب من العتبة النووية، فإن الصراع ظل يدور باستخدام وسائل تقليدية متطورة: صواريخ باليستية، وصواريخ كروز، وطائرات مسيّرة، وعمليات استخبارية، وهجمات سيبرانية، ومنظومات دفاع جوي متعددة الطبقات.
ومن اللافت للنظر أن الخطاب الإسرائيلي خلال تلك المرحلة لم يركز على الردع النووي بقدر ما ركز على فعالية منظومات الدفاع والإنذار المبكر، وقدرة الدولة على امتصاص الضربات والرد عليها. فقد برزت منظومات مثل "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"حيتس" بوصفها أدوات الردع العملية التي يعتمد عليها صانع القرار في مواجهة التهديدات اليومية. وبعبارة أخرى، بدا أن الردع بالمنع أصبح أكثر حضوراً في إدارة الصراع من الردع بالانتقام النووي.
ولا يعني ذلك أن القدرة النووية الإسرائيلية أصبحت بلا قيمة. فمن المرجح أنها ما زالت تؤدي دوراً مهماً بوصفها ضمانة أخيرة في مواجهة التهديدات الوجودية التي قد تستهدف بقاء الدولة نفسها. إلا أن التطورات الأخيرة أوضحت أن هذا النوع من الردع يعمل عند مستوى معين من التهديد، ولا يمتد تلقائياً إلى كل أشكال الصراع. فالسلاح النووي لم يمنع الهجمات الصاروخية، ولم يمنع العمليات المسلحة، ولم يمنع الاستنزاف العسكري والسياسي والنفسي الذي صاحب الحرب.
كما أن هذه الوقائع تكشف عن مفارقة جديرة بالتأمل. فالدولة التي يُفترض أنها تتمتع بأقصى درجات الردع الاستراتيجي، اضطرت في نهاية المطاف إلى الاعتماد على أدوات أخرى أكثر مرونة وملاءمة لطبيعة التهديدات التي تواجهها. فالأمن لم يتحقق من خلال التلويح بالقنبلة النووية، وإنما عبر مزيج معقد من التفوق الاستخباري، والدفاعات الجوية، والقدرات التقليدية الدقيقة، والقدرة على تعبئة الموارد الوطنية وتحمل أعباء الحرب لفترات طويلة.
ومن زاوية أخرى، فإن الحالة الإسرائيلية تثير تساؤلات مهمة حول مفهوم "الحصانة الاستراتيجية" ذاته. فإذا كانت الدولة التي تمتلك أعلى درجات التفوق العسكري والتكنولوجي في محيطها، ويُعتقد أنها تمتلك رادعاً نووياً فعالاً، لا تستطيع منع تعرضها لهجمات مؤلمة ومفاجئة، فإلى أي مدى يمكن اعتبار السلاح النووي ضمانة للأمن الشامل؟
إن الإجابة التي تقدمها الوقائع تبدو أكثر تواضعاً من التصورات التي سادت خلال العقود الماضية. فالقنبلة النووية قد تمنع محاولات الإبادة أو التهديدات الوجودية الكبرى، لكنها لا توفر حصانة مطلقة ضد جميع أشكال العنف والصراع. وهي لا تستطيع أن تحل محل الاستخبارات الفعالة، أو الدفاعات المتطورة، أو الجاهزية العسكرية التقليدية، أو القدرة المجتمعية على الصمود.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من الحرب في غزة وما تلاها من مواجهات إقليمية. فالمشكلة لم تعد في غياب الردع النووي أو وجوده، وإنما في الاعتقاد بأن امتلاكه وحده يكفي لضمان الأمن. لقد بقيت القنبلة النووية في الظل، حاضرة بوصفها خلفية استراتيجية بعيدة، لكنها غابت عن إدارة الصراع الفعلية، تاركة المسرح لأدوات أخرى أثبتت أنها الأكثر تأثيراً في رسم مسار الأحداث وتحديد نتائجها.
وهكذا، كما كشفت أوكرانيا أن الدولة النووية ليست بمنأى عن الاستنزاف العسكري، كشفت غزة وما تلاها أن الدولة النووية ليست بمنأى عن المفاجأة الاستراتيجية والتهديدات غير التقليدية. وفي الحالتين معاً، يتعزز الانطباع بأن ما يتعرض للتآكل ليس السلاح النووي ذاته، بل اليقين القديم الذي افترض أنه قادر بمفرده على توفير الأمن والاستقرار في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
الهند وباكستان... النووي لا يمنع الحرب
إذا كانت أوكرانيا قد سلطت الضوء على حدود الردع النووي في مواجهة حرب تقليدية واسعة النطاق، وإذا كانت غزة قد أظهرت محدودية تأثيره في مواجهة الفاعلين من غير الدول والتهديدات غير المتكافئة، فإن التجربة الهندية–الباكستانية تقدم نموذجاً مختلفاً لا يقل أهمية، لأنها تتعلق بدولتين تمتلكان السلاح النووي فعلياً، وتعيشان حالة عداء تاريخي مزمن، ومع ذلك لم يمنعهما ذلك من الانزلاق مراراً إلى حافة المواجهة العسكرية.
فمنذ أن أعلنت الهند وباكستان امتلاكهما القدرة النووية بصورة علنية من خلال التجارب النووية المتبادلة عام 1998، ساد اعتقاد لدى كثير من المحللين بأن جنوب آسيا دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، على أساس أن الخوف المتبادل من التصعيد النووي سيحول دون اندلاع حروب كبيرة بين الطرفين. وبدا الأمر للوهلة الأولى وكأنه تأكيد إضافي لصحة نظرية الردع النووي التقليدية. غير أن الأحداث اللاحقة سرعان ما كشفت أن الواقع أكثر تعقيداً.
ففي عام 1999، وبعد أقل من عام على إعلان الدولتين نفسيهما قوتين نوويتين، اندلعت أزمة (كارجيل) عندما تسللت قوات ومقاتلون مدعومون من باكستان إلى مواقع داخل الجزء الذي تسيطر عليه الهند في إقليم كشمير. وقد خاض الطرفان معارك عنيفة استخدمت فيها المدفعية والطيران والقوات البرية، وسقط المئات من القتلى، بينما كان العالم يتابع بقلق احتمال انزلاق أول حرب بين قوتين نوويتين حديثتي العهد بالسلاح النووي.
ورغم أن الأزمة انتهت دون استخدام السلاح النووي، فإنها حملت رسالة مهمة: فامتلاك القنبلة لم يمنع نشوب الحرب، بل وضع فقط سقفاً أعلى للتصعيد لا يرغب الطرفان في تجاوزه.
وتكررت الصورة بأشكال مختلفة خلال السنوات اللاحقة. فقد شهدت العلاقات بين البلدين سلسلة من الأزمات الخطيرة، من بينها أزمة البرلمان الهندي عام 2001، وهجمات مومباي عام 2008، ثم المواجهة الجوية عام 2019 عقب هجوم بولواما، حيث تمكنت القوات الباكستانية من إسقاط طائرة هندية وأسر أحد طياريها قبل إطلاق سراحه لاحقاً في خطوة هدفت إلى تخفيف حدة التصعيد. وفي كل مرة، كانت الآلية ذاتها تتكرر: تصعيد تقليدي، وتعبئة عسكرية، وضغوط سياسية وإعلامية، ثم جهود دبلوماسية مكثفة لاحتواء الموقف قبل تجاوزه العتبة النووية.
غير أن التطور الأكثر أهمية جاء مع المواجهة الأخيرة التي شهدها عام 2025، والتي يمكن اعتبارها أخطر اختبار للعلاقة بين الردع النووي والحرب التقليدية في جنوب آسيا منذ كارجيل. فقد تصاعد التوتر بين الهند وباكستان إلى مستوى تبادل الضربات الجوية والصاروخية، وتحدثت تقارير متعددة عن نجاح القوات الباكستانية في إسقاط عدد من الطائرات الهندية خلال تلك المواجهات، الأمر الذي رفع منسوب القلق الدولي إلى مستويات غير مسبوقة.
وأعادت تلك الأزمة إلى الأذهان حقيقة أن جنوب آسيا ما تزال واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية النووية، ليس بسبب غياب الردع، بل بسبب وجوده في بيئة تتسم بالتوتر الدائم، والنزعات القومية المتصاعدة، وقصر زمن اتخاذ القرار، وقرب المسافات الجغرافية، وما يرافق ذلك من ارتفاع احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
ومن اللافت للنظر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار لاحقاً إلى هذه الأزمة باعتبارها واحدة من النزاعات التي نجحت الولايات المتحدة في احتوائها ومنع تحولها إلى حرب أوسع نطاقاً، مستشهداً بها ضمن قائمة الحروب التي قال إنه أسهم في وقفها. وبغض النظر عن مدى دقة هذا التوصيف أو حجم الدور الأمريكي الفعلي في إنهاء الأزمة، فإن مجرد الحديث عن تدخلات دولية عاجلة لاحتواء النزاع بين قوتين نوويتين يكشف حقيقة مهمة: وهي أن الخوف من التصعيد النووي لم يكن كافياً وحده لضبط الموقف، وأن عوامل أخرى، من بينها الضغوط الدبلوماسية، والحسابات السياسية والاقتصادية، والمخاوف الدولية من تداعيات الانفلات، لعبت دوراً أساسياً في إعادة الطرفين إلى حافة أكثر أمناً.
وهنا تكمن أهمية التجربة الهندية–الباكستانية بالنسبة إلى موضوع هذه الدراسة. فهي تشير إلى أن الردع النووي قد ينجح في منع الحرب الشاملة، لكنه لا يمنع بالضرورة الحروب المحدودة، أو الاشتباكات الحدودية، أو العمليات العقابية، أو المغامرات العسكرية المحسوبة. بل إن بعض الباحثين ذهبوا إلى القول إن امتلاك السلاح النووي قد يمنح الأطراف المتنازعة شعوراً بإمكانية إدارة نزاعات محدودة تحت "المظلة النووية"، طالما أنها تعتقد أن الطرف الآخر سيتجنب التصعيد إلى المستوى النووي.
وقد أدى ذلك إلى ظهور ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ«مفارقة الاستقرار–اللااستقرار» (Stability–Instability Paradox)، Michael Krepon, The Stability-Instability Paradox) Misperception, and Escalation Control in South Asia, The Henry L. Stimson Center, Washington, D.C., 2006) والتي تفترض أن الاستقرار الذي يخلقه الردع النووي على المستوى الاستراتيجي قد يفتح المجال أمام قدر أكبر من عدم الاستقرار على المستويات الأدنى من الصراع. فطالما أن الحرب النووية تبدو مستبعدة، قد يصبح اللجوء إلى أشكال محدودة من القوة التقليدية أكثر قبولاً من الناحية السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية الدور الذي أداه السلاح النووي في جنوب آسيا. فوجوده ربما حال دون تحول الأزمات المتكررة إلى حروب شاملة كتلك التي شهدها البلدان في أعوام 1947 و1965 و1971. كما أنه فرض على القيادات السياسية والعسكرية قدراً أكبر من الحذر عند إدارة الأزمات، ورفع كلفة القرارات المتهورة التي قد تقود إلى نتائج كارثية.
لكن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه التجربة يتمثل في أن الردع النووي لا يعمل بالطريقة المطلقة التي تصورها بعض المنظرين خلال الحرب الباردة. فهو ليس مفتاحاً سحرياً يمنع جميع أشكال الحرب، ولا يوفر حصانة كاملة ضد الأزمات المتكررة، وإنما يؤدي وظيفة أكثر تحديداً تتمثل في منع الانهيار الكامل للضوابط الاستراتيجية ومنع الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وإذا كانت كارجيل قد وجهت أول إنذار إلى المنظرين للردع النووي، فإن أزمة عام 2025 جاءت لتؤكد أن شيئاً جوهرياً لم يتغير: فالقنبلة النووية قد تمنع النهاية الكارثية للصراع، لكنها لا تمنع بدايته، ولا تحول دون المغامرات المحدودة، ولا تلغي الحاجة إلى إدارة سياسية ودبلوماسية واعية للأزمات.
وهكذا، فإن التجربة الهندية–الباكستانية، القديمة منها والحديثة، تقدم دعماً قوياً للأطروحة المركزية لهذه الدراسة. فما نشهده اليوم ليس نهاية الردع النووي، بل نهاية الثقة المطلقة بقدرته على صناعة الاستقرار بمفرده. فقد بقي الردع قائماً، لكنه أصبح جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً، ولم يعد اليقين الذي أحاط به خلال العقود الماضية قادراً على الصمود أمام وقائع عالم تتقاتل فيه الدول النووية، وتختبر حدود بعضها بعضاً، بينما تبحث في الوقت نفسه عن وسائل أخرى أكثر مرونة وفاعلية لإدارة المخاطر وصون الأمن الوطني.
وبذلك، تضيف جنوب آسيا دليلاً جديداً إلى الأطروحة التي يتبناها هذا المقال: لسنا أمام نهاية الردع النووي، وإنما أمام نهاية اليقين النووي الذي افترض أن امتلاك القنبلة كفيل وحده بمنع الحرب وصناعة الاستقرار. لقد أثبتت الوقائع أن القنبلة قد تمنع الأسوأ، لكنها لا تمنع الكثير مما يسبقه.
إيران وسؤال القنبلة النووية
إذا كانت التجارب الروسية والإسرائيلية والهندية–الباكستانية قد دفعت إلى إعادة التفكير في حدود الردع النووي، فإن الحالة الإيرانية تطرح سؤالاً مختلفاً وأكثر حساسية: هل ما زال السعي إلى امتلاك السلاح النووي يمثل الطريق الأقصر إلى الأمن في عالم تتآكل فيه بعض المسلمات التي حكمت العصر النووي؟
فعلى مدى أكثر من عقدين، كان البرنامج النووي الإيراني في صلب التفاعلات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وقد انقسمت التفسيرات بشأن أهدافه الحقيقية بين من رأى فيه مشروعاً ذا طبيعة سلمية يهدف إلى امتلاك التكنولوجيا النووية المتقدمة، ومن اعتبره محاولة مدروسة للوصول إلى "العتبة النووية" بما يتيح لإيران امتلاك خيار التحول السريع إلى قوة نووية إذا اقتضت الظروف ذلك.
وبغض النظر عن صحة أي من هذين التفسيرين، فإن المنطق الذي حكم كثيراً من التحليلات كان واضحاً: فالدول التي تشعر بتهديدات وجودية أو تواجه خصوماً يتفوقون عليها عسكرياً قد تجد في السلاح النووي الضمانة النهائية لأمنها وبقائها. وقد عززت بعض الأحداث هذا التصور، لا سيما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين برزت مقولة مفادها أن الدول التي لا تمتلك رادعاً استراتيجياً فعالاً تصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية أو حتى لتغيير الأنظمة بالقوة. غير أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تدفع إلى إعادة النظر في هذا الاستنتاج.
فإيران، رغم ما يُعتقد أنها حققته من تقدم كبير في برنامجها النووي واقترابها من وضع "الدولة العتبة"، تعرضت لسلسلة طويلة من العمليات التي استهدفت برنامجها ومنشآتها وكوادرها العلمية والعسكرية. فقد شهدت اغتيالات لعلماء نوويين، وعمليات تخريب داخل منشآت حساسة، وهجمات سيبرانية معقدة، وضربات استهدفت مواقع مرتبطة ببنيتها العسكرية داخل إيران وخارجها. ولم يشكل احتمال امتلاكها مستقبلاً لقدرة نووية رادعة عائقاً مطلقاً أمام تنفيذ تلك العمليات.
ثم جاءت المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لتضيف بعداً جديداً إلى هذا النقاش. فقد شهدت المنطقة تبادلاً للضربات الصاروخية والمسيّرات، وعمليات عسكرية واستخبارية متبادلة، من دون أن يؤدي ذلك إلى كسر العتبة النووية أو إلى توقف الصراع خشية من احتمال التصعيد النووي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لو كانت إيران تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً، هل كانت هذه الأحداث ستتخذ مساراً مختلفاً بصورة جوهرية؟
ليس من السهل تقديم إجابة حاسمة عن هذا السؤال. فمن المحتمل أن امتلاك إيران لقدرة نووية معلنة كان سيرفع كلفة بعض الخيارات العسكرية المطروحة ضدها، ويزيد من حذر خصومها عند التفكير في تهديد وجود النظام أو شن عمليات واسعة النطاق داخل أراضيها. لكنه، في المقابل، لا يبدو كفيلاً بمنع جميع أشكال الضغوط والهجمات التي تعرضت لها بالفعل.
فالوقائع الحديثة تشير إلى أن السلاح النووي قد يردع محاولات الإطاحة الكاملة بالدولة أو فرض هزيمة وجودية عليها، لكنه لا يوفر حصانة ضد الاغتيالات، أو الهجمات السيبرانية، أو الضربات الدقيقة، أو العمليات السرية، أو الاستنزاف الاقتصادي والسياسي طويل الأمد. وبعبارة أخرى، فإن القنبلة النووية قد تمنع أسوأ السيناريوهات، لكنها لا تلغي معظم أدوات الصراع التي أصبحت تشكل جوهر المنافسة الاستراتيجية المعاصرة.
وهنا تكمن أهمية الحالة الإيرانية بالنسبة إلى موضوع هذه الدراسة. فالقضية لا تتعلق بإيران وحدها، وإنما تمتد إلى جميع الدول التي قد تنظر إلى السلاح النووي بوصفه بوليصة تأمين مطلقة ضد الأخطار الخارجية. فإذا كانت القوى النووية القائمة نفسها لم تعد بمنأى عن التعرض لهجمات مؤلمة ومكلفة، فإن السؤال لم يعد: "كيف نمتلك القنبلة؟"، بل: "ما الذي يمكن للقنبلة أن تفعله فعلاً، وما الذي تعجز عن فعله؟"
ومن زاوية أخرى، قد تكون الحروب والأزمات الأخيرة قد غيرت حسابات الكلفة والمنفعة المرتبطة بالانتشار النووي. فالسعي إلى امتلاك السلاح النووي يفرض أثماناً سياسية واقتصادية ودبلوماسية باهظة، وقد يقود إلى عقوبات وعزلة وضغوط طويلة الأمد. وكان الافتراض الضمني دائماً أن هذه الأثمان تستحق الدفع لأنها تؤدي في النهاية إلى تحقيق الأمن والحصانة. أما اليوم، فإن هذا الافتراض نفسه أصبح موضع تساؤل.
ولا يعني ذلك أن جاذبية السلاح النووي قد اختفت، أو أن الدول ستتوقف عن السعي إلى امتلاكه. فما زالت القنبلة النووية تمثل في نظر كثير من الدول أداة ردع ذات قيمة استثنائية، خصوصاً في مواجهة التهديدات الوجودية. لكن الحماسة التي أحاطت بها خلال العقود الماضية قد تصبح أكثر تحفظاً، وأكثر إدراكاً لحدود ما تستطيع تحقيقه.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي تفرضه الحالة الإيرانية. فالقضية لم تعد تتعلق بوجود السلاح النووي أو غيابه، وإنما بإعادة تعريف وظيفته وحدود قدرته. لقد كان يُنظر إليه يوماً باعتباره طريقاً مختصراً إلى الأمن الشامل. أما اليوم، فقد بات يبدو أقرب إلى عنصر واحد ضمن منظومة أكثر تعقيداً تشمل القدرات التقليدية المتقدمة، والدفاعات الجوية والصاروخية، والحرب السيبرانية، والمرونة الوطنية، والتحالفات السياسية، والقدرة على الصمود في مواجهة الضغوط طويلة الأمد.
ومن هنا، فإن السؤال الإيراني يتحول إلى سؤال عالمي: إذا كانت القنبلة النووية لم تعد تمنح حصانة استراتيجية كاملة، فهل ستظل الدول الطامحة إلى امتلاكها تنظر إليها بالجموح ذاته الذي ساد خلال العقود الماضية، أم أننا بدأنا بالفعل نشهد بداية عصر جديد، يصبح فيه الأمن أكثر تعقيداً من أن تختصره قنبلة واحدة؟
وربما لا توجد حتى الآن إجابة نهائية عن هذا السؤال. لكن مجرد طرحه يعكس التحول العميق الذي أصاب التفكير الاستراتيجي المعاصر، ويعزز الفكرة المركزية لهذه الدراسة: إن ما يتآكل أمام أعيننا ليس الردع النووي ذاته، وإنما اليقين القديم الذي أحاط به، والاعتقاد الراسخ بأنه قادر وحده على توفير الأمن وضمان الاستقرار في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
البحث عن معادلة جديدة للاستقرار الاستراتيجي
إذا كان القرن العشرون قد ارتبط بصعود الردع النووي بوصفه الركيزة الأساسية للاستقرار الدولي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما هي المعادلة التي يمكن أن تحافظ على ذلك الاستقرار في عالم لم يعد الردع النووي فيه كافياً بمفرده؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في استبدال الردع النووي كلياً، ولا في التقليل من أهميته، وإنما في إعادة تعريف موقعه ضمن منظومة أوسع وأكثر تعقيداً من أدوات القوة والأمن. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه صناع القرار في القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في البحث عن بديل مطلق للسلاح النووي، بل في بناء نموذج جديد للاستقرار يأخذ في الحسبان طبيعة التهديدات المتغيرة وخصائص البيئة الاستراتيجية المعاصرة.
ولعل أول عناصر هذه المعادلة الجديدة يتمثل فيما يمكن تسميته بـ الردع متعدد الطبقات. فبدلاً من الاعتماد على التهديد بالانتقام النووي وحده، أصبحت الدول بحاجة إلى مزيج متكامل من القدرات يشمل الردع النووي، والقدرات التقليدية الدقيقة، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والقدرات السيبرانية، ووسائل الحرب الإلكترونية، فضلاً عن القدرات الاستخبارية المتقدمة. فكل طبقة من هذه الطبقات تسد ثغرة لا تستطيع الطبقات الأخرى معالجتها بمفردها.
وثاني هذه العناصر يتمثل في تنامي أهمية المرونة الوطنية والصمود المجتمعي. فقد أظهرت الحروب الحديثة أن قدرة الدولة على امتصاص الصدمات والتعافي السريع منها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قوتها الاستراتيجية. ولم يعد الأمن يقاس فقط بعدد الدبابات أو الرؤوس النووية، بل أيضاً بقدرة شبكات الكهرباء والاتصالات، والنظم المالية، وسلاسل الإمداد، والمؤسسات الحكومية، والمجتمع نفسه، على مواصلة العمل تحت الضغط وفي ظروف الاستهداف المباشر.
أما العنصر الثالث، فهو الدور المتزايد للتكنولوجيا المتقدمة في تشكيل ميزان القوى. فالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، وأنظمة القيادة والسيطرة المعتمدة على البيانات الضخمة، لم تعد مجرد وسائل مساعدة، بل أصبحت أدوات استراتيجية قادرة على التأثير في قرارات الحرب والسلم. وقد يكون الاستثمار الذكي في هذه المجالات أكثر جدوى بالنسبة لبعض الدول من الدخول في سباقات تسلح نووية طويلة ومكلفة.
ويتمثل العنصر الرابع في ضرورة تعزيز إدارة الأزمات وقنوات الاتصال الاستراتيجي. فقد أثبت التاريخ أن كثيراً من أخطر اللحظات في العصر النووي لم تكن نتيجة نيات عدوانية متعمدة، بل نتاج سوء التقدير، وسوء الفهم، والقرارات المتخذة تحت ضغط الوقت والخوف. ولذلك، فإن بناء آليات فعالة للتواصل بين الخصوم، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، وتطوير قواعد واضحة لإدارة التصعيد، قد يكون من أهم ضمانات الاستقرار في المستقبل.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير أعراف وقواعد دولية جديدة تتناسب مع طبيعة البيئة الأمنية الراهنة. فالقانون الدولي والاتفاقات التي نشأت خلال الحرب الباردة لم تكن مصممة للتعامل مع تهديدات مثل الهجمات السيبرانية على البنى التحتية النووية، أو استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة الإنذار المبكر، أو توظيف الطائرات المسيّرة في استهداف منشآت استراتيجية حساسة. ومن ثم، فإن العالم يحتاج إلى حوار دولي جاد حول كيفية منع هذه الأدوات الجديدة من أن تصبح عوامل إضافية لعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، يكتسب موضوع حماية البنية التحتية المرتبطة بالقوى النووية أهمية خاصة. فالهجمات التقليدية على منشآت أو أنظمة تعد جزءاً من منظومات الردع النووي قد تؤدي إلى سوء تفسير خطير، إذ قد تنظر إليها الدولة المستهدفة باعتبارها تمهيداً لضربة استراتيجية أوسع، بما يدفعها إلى ردود فعل متسرعة في ظل ضيق الوقت وغموض المعلومات. ومن هنا، فإن وضع ضوابط دولية تحد من استهداف هذه المنشآت قد يصبح ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن اتفاقات الحد من التسلح التقليدية والنووية.
ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن الوصول إلى معادلة جديدة للاستقرار لن يكون أمراً سهلاً. فالنظام الدولي الحالي يشهد عودة واضحة للتنافس بين القوى الكبرى، وتراجعاً في الثقة المتبادلة، وتآكلاً في بعض آليات ضبط التسلح التي أسهمت في إدارة المخاطر خلال العقود الماضية. كما أن التطور التكنولوجي يتسارع بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات الدولية على مواكبته.
لكن هذه الصعوبات لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أن الإصرار على التعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العشرين قد يكون أكثر خطورة من التحديات ذاتها. فالعالم الذي أفرز مفهوم "توازن الرعب" لم يعد هو العالم نفسه الذي نعيش فيه اليوم، تماماً كما أن أدوات القوة التي ضمنت قدراً من الاستقرار خلال الحرب الباردة لم تعد وحدها قادرة على أداء الوظيفة ذاتها في عصر المسيّرات والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
ومن هنا، فإن البحث عن معادلة جديدة للاستقرار الاستراتيجي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة للتخلي عن الردع النووي، وإنما بوصفه دعوة إلى تجاوز الاعتماد المطلق عليه. فالقنبلة النووية ستظل، على الأرجح، جزءاً من المشهد الاستراتيجي العالمي لسنوات طويلة قادمة، لكنها لن تكون وحدها الضامن للأمن، ولن تستطيع بمفردها مواجهة التهديدات المتعددة والمتشابكة التي تميز عالمنا المعاصر.
لقد كان الاستقرار الاستراتيجي في الماضي يقوم إلى حد كبير على الخوف من الدمار المتبادل. أما في المستقبل، فقد يعتمد بدرجة أكبر على القدرة على التكيف، والمرونة، والتكامل بين أدوات الردع المختلفة، وحسن إدارة الأزمات، وبناء الثقة، وتطوير قواعد جديدة تضبط استخدام القوة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم: ليس كيف يحافظ على إرث الردع النووي فحسب، بل كيف يبني فوقه نظاماً أكثر قدرة على التعامل مع تعقيدات القرن الحادي والعشرين، دون أن يفقد السيطرة على المخاطر التي ما زالت الأسلحة النووية تمثل أخطر تجلياتها.

خاتمة
عالم أكثر غموضاً وأقل يقيناً
منذ أن ارتفعت سحب هيروشيما وناغازاكي في سماء العالم قبل أكثر من ثمانية عقود، تشكلت قناعة استراتيجية مفادها أن البشرية دخلت عصراً جديداً أصبح فيه الخوف من الدمار النووي المتبادل هو الحارس الأخير للاستقرار الدولي. وقد صمد هذا اليقين أمام أزمات كبرى، ونجح، إلى حد بعيد، في منع انزلاق القوى العظمى إلى مواجهة نووية مباشرة، حتى بدا لكثيرين أنه إحدى الحقائق الثابتة في العلاقات الدولية.
غير أن الوقائع التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة تدفعنا إلى إعادة النظر في تلك المسلمات.
فالحرب في أوكرانيا كشفت أن الدولة النووية ليست بمنأى عن الاستنزاف والاستهداف المؤلم. والحرب في غزة وما تلاها من مواجهات إقليمية أظهرت أن امتلاك القدرة النووية لا يوفر حصانة ضد المفاجآت الاستراتيجية والتهديدات غير المتكافئة. أما الهند وباكستان فقد أكدتا، مرة أخرى، أن السلاح النووي لا يمنع الأزمات والحروب المحدودة، بل يضع سقفاً أعلى للتصعيد. في حين طرحت الحالة الإيرانية سؤالاً أكثر عمقاً حول جدوى السعي إلى امتلاك القنبلة النووية بوصفها الطريق الأقصر إلى الأمن في عالم تتغير فيه طبيعة القوة وأدوات الصراع.
ولا تقودنا هذه الوقائع إلى استنتاج أن الردع النووي قد انتهى أو فقد قيمته. فالسلاح النووي ما زال يمثل الضمانة القصوى ضد التهديدات الوجودية، وما زال يشكل عاملاً رئيسياً في حسابات الحرب والسلام لدى القوى الكبرى والدول الطامحة إلى تعزيز أمنها. لكن ما يبدو أنه يتراجع بالفعل هو ذلك الإيمان المطلق بأن امتلاك القنبلة النووية وحده كفيل بتوفير الأمن وصناعة الاستقرار.
لقد بقي الردع النووي قائماً، لكنه لم يعد يحتكر وظيفة الاستقرار الاستراتيجي. وأصبح الأمن نتاج تفاعل معقد بين عناصر متعددة تشمل القدرات التقليدية الدقيقة، والدفاعات الجوية والصاروخية، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والمرونة الوطنية، والتحالفات السياسية، والقدرة على إدارة الأزمات والتعافي من الصدمات. وباتت الدول مطالبة ببناء منظومات ردع أكثر شمولاً ومرونة، بدلاً من التعويل على أداة واحدة مهما بلغت قدرتها التدميرية.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لما حاولت هذه الدراسة تسليط الضوء عليه. فنحن لا نقف على أعتاب نهاية العصر النووي، ولا نشهد أفولاً وشيكاً للسلاح النووي، وإنما نعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها مسلمات الأمس، بينما لم تتبلور بعد قواعد جديدة تحكم عالم الغد.
لقد كان السؤال الذي شغل العالم طوال العقود الماضية هو: كيف يمكن امتلاك القنبلة النووية؟
أما السؤال الذي قد يفرض نفسه خلال العقود القادمة فهو أكثر تعقيداً وأشد إلحاحاً:
كيف يمكن بناء الأمن والاستقرار في عالم لم تعد فيه القنبلة النووية وحدها كافية؟
وربما لا توجد حتى الآن إجابة نهائية عن هذا السؤال. لكن مجرد طرحه يعكس تحولاً عميقاً في التفكير الاستراتيجي المعاصر، ويدعونا إلى قدر أكبر من التواضع في التعامل مع الظواهر الدولية، وإلى الحذر من تحويل النظريات التي نجحت في تفسير الماضي إلى حقائق أبدية تصلح لكل زمان ومكان.
لقد علمتنا التجربة أن التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، وأن أدوات القوة تتغير، وأن اليقين الاستراتيجي نفسه ليس قدراً ثابتاً. وإذا كان القرن العشرون قد عرف عصر الردع النووي، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون عصر البحث عن معادلة جديدة للأمن، أكثر تعقيداً، وأكثر مرونة، وأقل يقيناً.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أخطر ما يواجه العالم اليوم هو تراجع فاعلية الردع النووي، بل الإصرار على الاعتقاد بأن الإجابات القديمة ما تزال كافية لفهم عالم لم يعد يشبه ذلك العالم الذي أنتجها.
وهكذا، فإن ما نشهده ليس نهاية الردع النووي، بل نهاية اليقين النووي.

المراجع
- المراجع العربية
- خماس، علاء الدين حسين مكي. (2025). الحرب السيبرانية: مستقبل الحروب في عالم ما وراء الجغرافيا. بغداد.
- خماس، علاء الدين حسين مكي. (2026). القوة الناعمة وإعادة تعريف الصراع في زمن التحولات الكبرى. بغداد.
- كولينز، جون م. (1980). الاستراتيجية الكبرى: المبادئ والممارسات (ترجمة: علاء الدين حسين مكي خماس). بغداد: وزارة الدفاع العراقية.
- السيد، أحمد يوسف. (1988). الاستراتيجية والسياسة الدولية. القاهرة: مكتبة مدبولي.
- هيكل، محمد حسنين. (1992). حرب الخليج: أوهام القوة والنصر. القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر

- المراجع الأجنبية
- Freedman, L. (2003). The Evolution of Nuclear Strategy (3rd ed.). London: Palgrave Macmillan.
- Gottemoeller, R. (2026). The Strange Defeat of Nuclear Deterrence and the Coming Crisis in Strategic Stability. Foreign Affairs, 105(4), July/August 2026. Published online June 12, 2026.
- Krepon, M. (2003). The Stability-Instability Paradox: Misperception, and Escalation Control in South Asia. Washington, DC: The Henry L. Stimson Center.
- Sagan, S. D. (1994). The Perils of Proliferation: Organization Theory, Deterrence Theory, and the Spread of Nuclear Weapons. International Security, 18(4), 66–107.
- Schelling, T. C. (1966). Arms and Influence. New Haven, CT: Yale University Press.
- Snyder, G. H. (1965). The Balance of Power and the Balance of Terror. In P. Seabury (Ed.), The Balance of Power (pp. 184–201). San Francisco, CA: Chandler Publishing Company.
- Waltz, K. N. (1981). The Spread of Nuclear Weapons: More May Be Better. Adelphi Papers, 21(171), 1–32

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

966 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع