الحرب الحقيقية على مستقبل إيران من سيحدد مصير الجمهورية الإسلامية؟ / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

ترجمة وتعليق
اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

الحرب الحقيقية على مستقبل إيران من سيحدد مصير الجمهورية الإسلامية؟
أفشون أوستوفار
31 / 3 / 2026

تقديم
كنت قد اطلعت على هذا المقال بتاريخ 30 / 3 / 2026، وهو منشور في مجلة فورين أفيرز بتاريخ 31 / 3، وكنت مترددًا في ترجمته ونشره بسبب تذبذب الأخبار والمعلومات آنذاك؛ سواء فيما يتعلق بسير الحرب من جهة، أو بالمفاوضات التي أُعلن عنها في باكستان بين ممثلين إيرانيين وأمريكيين من جهة أخرى، فضلًا عما صرّح به ترامب بشأن طلب وقف إطلاق النار من قبل إيران، إلى غير ذلك من الأخبار والأفكار المتضاربة التي لم تكن تساعد على اتخاذ قرار ببذل جهد ترجمة مقال قد يصبح خارج السياق عند نشره إذا ما تغيرت الظروف بشكل جذري.
غير أن تطور الأحداث بالشكل المعروف اعتبارًا من يوم 1 / نيسان / 2026، دفعني إلى المضي قدمًا في إكمال الترجمة والتعليق عليه كما ستجدونه. وقد آثرت أن أبدأ بالتعليق قبل المقال، كونه يقدم خلاصة سريعة لمن يرغب في الاطلاع السريع وفهم مضمونه.
أترككم مع ما أنجزته من جهد، لعل فيه فائدة.
مع الشكر والتقدير.
خلاصة استراتيجية: هل بدأت مرحلة "كسر البُنية" في إيران؟
قراءة في تداخل العامل الداخلي مع الضغط العسكري الأمريكي

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس

تُظهر قراءة المقال، مقرونةً بما ورد في خطاب الرئيس Donald Trump بتاريخ 2 مايو، أن الصراع حول إيران لم يعد يدور حول إسقاط النظام بشكل مباشر، بل حول إعادة تشكيله من الداخل تحت ضغط خارجي محسوب. فوفاة خامنئي لم تُنهِ النظام، لكنها أزالت عنصر التوازن الذي كان يضبط إيقاعه الداخلي، ما فتح الباب أمام صراع خفي بين مراكز القوى الثلاثة: الحرس الثوري كقوة منظمة ومسلحة، التيار الإصلاحي كقوة سياسية ضعيفة التسليح لكنها حاضرة، والشعب الإيراني كقوة كامنة يمكن أن تتحول إلى مركز ثقل حاسم إذا ما أُحسن توظيفها. غير أن التطور الأهم الذي يجب إدخاله في التحليل—والذي لم يكن حاضرًا في المقال الأصلي—هو الضربة التي نُفذت يوم 3/ 4 / 2026 على جسر كرج، وهو جسر استراتيجي يربط مناطق وسط إيران ويسهّل حركة القوات والإمدادات. هذه الضربة، من الناحية العسكرية، لا يمكن قراءتها كهدف تكتيكي معزول، بل تمثل—على الأرجح—بداية تحول في نمط العمليات من ضربات انتقائية ضد الأهداف العسكرية المباشرة إلى استهداف عناصر البنية التحتية الحيوية التي تمكّن الدولة من إدارة الحرب. وهنا تكمن أهميتها الحقيقية. فما حدث في جسر كرج يذكّر—ولو بشكل جزئي ومحدود حتى الآن—بما قامت به الولايات المتحدة في حربي العراق عامي 1991 و2003، عندما استهدفت بشكل منهجي شبكات القيادة والسيطرة، والجسور، ومحطات الكهرباء، ووسائل النقل، ضمن ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية شل الدولة". تلك الضربات الماحقة على البنية التحتية العراقية كانت عاملًا حاسمًا في تسريع انهيار القدرة القتالية، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى تماسك الدولة ككل.
أما في الحالة الإيرانية حتى الآن، فإننا لم نشهد استخدامًا مماثلًا للقوة الهائلة المتوفرة لدى الولايات المتحدة. ( راجع فديوهات الاعلامي رافد جبوري ولاسيما المنشور على اليوتيوب يوم 3 / 4 / 2026 ) . فالضربات السابقات ركزت على القدرات النوعية: الدفاعات الجوية، مواقع الصواريخ، والمنشآت النووية. لكن ضرب جسر كرج قد يشير إلى بداية انتقال تدريجي نحو مرحلة جديدة، يكون فيها استهداف البنية التحتية جزءًا من الضغط العملياتي، وليس مجرد استثناء. وهذا يتقاطع بشكل مباشر مع ما أشار إليه ترامب في خطابه، حيث بدا واضحًا أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على مبدأ:
إضعاف الخصم إلى الحد الذي يُجبره على إعادة التشكّل من الداخل، دون الانخراط في احتلال مباشر أو حرب شاملة طويلة. من هنا، يمكن إعادة قراءة المشهد وفق ثلاث حقائق استراتيجية مترابطة:
أولًا: أن الحرس الثوري، رغم تعاظم نفوذه، يواجه وضعًا مركبًا:
فهو الأقوى تنظيمًا وتسليحًا، لكنه بدأ يتعرض لاستنزاف نوعي في قدراته، ومع احتمال انتقال الضربات إلى البنية التحتية، فإن قدرته على إدارة العمليات والتحرك الداخلي قد تتأثر بشكل متزايد. وهذا يضعه أمام معضلة: السيطرة بالقوة مقابل فقدان القدرة على الاستمرار.
ثانيًا: أن التيار الإصلاحي أو البراغماتي، رغم ضعفه العسكري، أصبح يمتلك نافذة فرصة غير مسبوقة.
فكلما توسعت الضربات لتشمل عناصر الحياة الاقتصادية والبنية التحتية، زادت الضغوط على النظام لتقديم بدائل سياسية واقتصادية. وهنا يمكن لهذا التيار أن يطرح نفسه كـ"مخرج من الأزمة"، خاصة إذا اقترن ذلك بإشارات أمريكية للاستعداد للتفاوض.
ثالثًا، أن الشعب الإيراني قد يتحول من عامل ضغط غير حاسم إلى فاعل استراتيجي مباشر. فاستهداف البنية التحتية—كما حدث في العراق سابقًا—لا يؤثر فقط على قوات الأمن ، بل على الحياة اليومية، وهو ما قد يدفع قطاعات مثل البازار والنقابات والجيل الشاب إلى التحرك بشكل أكثر تنظيمًا وتأثيرًا.
ثالثا: وهنا يظهر البعد الأكثر حساسية: ففي العراق، أدى تدمير البنية التحتية إلى تسريع الحسم العسكري، لكنه ترك آثارًا عميقة طويلة الأمد على الدولة والمجتمع. أما في إيران، فإن استخدام هذا النمط بشكل تدريجي قد يهدف إلى خلق ضغط كافٍ دون الوصول إلى الانهيار الكامل، أي دفع النظام نحو التغيير لا تدميره بالكامل.

الخلاصة الاستراتيجية تشير إلى أن إيران قد تكون دخلت—أو على وشك الدخول—في مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ: مرحلة كسر البنية التشغيلية للدولة (Operational Disruption Phase) وهي مرحلة تقع بين الضربات المحدودة والحرب الشاملة، وهدفها إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام نفسه. وعليه، فإن مستقبل إيران لن يتحدد فقط في ميدان القتال، بل في التفاعل بين ثلاثة عناصر هي :
مستوى التصعيد العسكري الأمريكي/ قدرة الحرس الثوري على امتصاص الضربات/ ومدى قدرة التيارات الداخلية على استثمار لحظة الضعف لإعادة رسم الاتجاه السياسي للدولة. إنها، باختصار، ليست حربًا على إيران، بل حرب على شكل إيران القادم.

وفي الصفحات التالية المقال المشار اليه .  
الحرب الحقيقية على مستقبل إيران
من سيحدد مصير الجمهورية الإسلامية؟
أفشون أوستوفار
31 / 3 / 2026
ترجمة وتعليق
اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس


في الأول من مارس عام 2026، أعلنت الحكومة الإيرانية الأمر رسميًا.
قال مذيع في التلفزيون الرسمي:
"بعد حياة حافلة بالنضال، شرب قائد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي رحيق الشهادة العذب والنقي، والتحق بالملكوت السماوي الأعلى."
وأشاد المذيع بخامنئي واصفًا إياه بأنه "لا يكل ولا يمل"، وبأنه يتمتع بـروح سامية وسماوية". وبينما كان يتلو البيان، كانت أصوات النحيب تُسمع خارج الشاشة. وعندما أنهى القراءة، لم يتمالك نفسه وانفجر بالبكاء.
من المرجح أن معظم الإيرانيين لم يبكوا عند سماع خبر وفاة خامنئي.
فطوال أكثر من 35 عامًا، حكم المرشد الأعلى إيران بقبضة من حديد، وقمع النساء والأقليات وكل من تجرأ على معارضته. ومع ذلك، فإن الصياغة الدرامية لإعلان الوفاة كانت، إلى حد ما، مبررة: فأكثر من أي شخص آخر، يُعد خامنئي مهندس الجمهورية الإسلامية بكل ما تنطوي عليه. ورغم أن آية الله روح الله الخميني هو من أسس النظام الثيوقراطي عبر الاستيلاء على السلطة خلال ثورة 1979 في إيران، فإن خليفته هو من حوّله إلى الشكل الذي نراه اليوم. لقد كان خامنئي هو من ضمن أن يبقى منصب المرشد الأعلى السلطة العليا في إيران عمليًا، وليس مجرد منصب نظري. وهو من دفع إيران إلى السعي نحو الهيمنة الإقليمية، مما أدخلها في صراع دائم مع إسرائيل والولايات المتحدة. وهو أيضًا من حوّل الحرس الثوري الإسلامي، الذي كان في السابق قوة عسكرية ذات مستقبل غير واضح، إلى الركيزة الأساسية للنظام. تحركت النخبة الإيرانية بسرعة لتسمية بديل. فبعد ما يزيد قليلًا على أسبوع من وفاته، أعلنت مجلس الخبراء، وهو الهيئة الدينية المسؤولة عن تعيين المرشد الأعلى، أن نجل خامنئي، مجتبى، سيتولى المنصب. لكن السرعة والوراثة لن تمنعا حدوث فراغ في السلطة في إيران.
فخامنئي الأب وحده كان يمتلك الخبرة والمكانة اللازمتين لضبط مختلف أجنحة النظام. ونتيجة لذلك، بدأ كبار المسؤولين في إيران الآن بالاصطفاف لرسم مستقبل البلاد.
حتى وقت كتابة هذا النص، فإن الجهات الأكثر قدرة على الوصول إلى السلطة هي تلك المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي، ومن بينهم مجتبى خامنئي. وباعتباره أقوى قوة مسلحة في إيران، يمتلك الحرس الثوري الموارد التي تمكنه من فرض إرادته على الشعب.
وهذا ينذر بسوء بالنسبة لإيران. فقيادة الحرس الثوري، في معظمها، من المتشددين الذين يزدهرون في أجواء الصراع الدائم، سواء مع القوى الخارجية أو الداخلية. وإذا تمكنوا من ترسيخ سلطتهم، فستبقى طهران معادية بشكل تلقائي لإسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك للقوى المؤيدة للديمقراطية داخل البلاد.
لكن هذا المستقبل ليس حتميًا. فسياسات الحرس الثوري المتشددة فشلت بوضوح في حماية البلاد، فضلًا عن تحقيق منفعة لشعبها، وقد اعتبرها الإصلاحيون داخل النظام منذ زمن طريقًا مسدودًا. وهناك العديد من الإصلاحيين، من بينهم مسؤولون حاليون ورؤساء سابقون، يمكنهم رسم مسار أكثر مرونة. وإذا تمكنوا من التأثير في الدولة، فقد يوافق النظام على مقايضة برنامجه النووي وسياسته العدوانية الإقليمية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية وتحقيق التنمية.
لكن البراغماتيين يواجهون معركة شاقة. فعلى عكس المتشددين، لا يمتلكون قوة مسلحة تُذكر. كما أنهم فقدوا ثقة الشعب الإيراني، إما بسبب إدانتهم الضعيفة لقمع النظام الوحشي للاحتجاجات الشعبية، أو بسبب دعمهم له بشكل صريح. ومع ذلك، فإن إيران تعيش حالة من الفوضى، ويملك الإصلاحيون من داخل النظام الخبرة اللازمة لقيادة الحكومة نحو أرض أكثر استقرارًا. ويمكنهم استغلال حقيقة أن صفوف المتشددين قد تضررت بشدة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، من أجل الإمساك بزمام السلطة.
لكن لتحقيق ذلك، يتعين عليهم كسب تأييد المواطنين الإيرانيين المحبطين الذين طال معاناتهم، وذلك عبر الوعد بمستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا وحرية سياسية.
مراقبة العرش
لم يكن من المفترض أصلًا أن يصبح علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران.
فخلال الثورة في البلاد، كان مجرد واحد من بين العديد من أتباع الخميني. وكان وضعه كعالم دين من الدرجة المتوسطة، يهتم بالسياسة أكثر من الإنتاج العلمي، يجعله دون المعايير الدينية العالية التي كان الخميني يشترطها في الحكام المستقبليين.
ومع ذلك، تمكن خامنئي بسرعة من بناء تحالفات قوية واكتساب مكانة بارزة، وتم انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1981. لكن في ذلك الوقت، كانت الكاريزما القيادية للخميني قد جعلت منصب الرئاسة موقعًا ثانويًا. وكان أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس البرلمان، هو الشخصية الأكثر ثقة لدى الخميني. لكن الخميني ودائرته المقربة قاموا بتهميش رجال الدين الذين كان بإمكانهم تحدي سلطته الدينية.
فعلى سبيل المثال، تم عزل المرجع الكبير آية الله كاظم شريعتمداري من منصبه كرئيس لحوزة قم، وهي مركز رئيسي للسلطة الدينية الشيعية، ووُضع تحت الإقامة الجبرية بأمر من معاوني الخميني. كما انقلب المرشد الأعلى على خليفته المعين في البداية، آية الله حسين علي منتظري، الذي كان أكثر ميلاً للإصلاح، وذلك بسبب معارضته العلنية له في عدد من القضايا، من بينها رفضه إعدام آلاف السجناء السياسيين في نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988.
وعندما تدهورت صحة الخميني عام 1989، وجد أنه لا يوجد خَلَفٌ محتمل يجمع بين المؤهلات الدينية المطلوبة، والتوجه السياسي المناسب، والدعم الكافي داخل النظام.
لذلك قام بتعديل الدستور بحيث يسمح لأي رجل دين من المستوى المتوسط، يدعم نظام الحكم الإسلامي في إيران، ويمتلك معرفة بالظروف الجيوسياسية للبلاد، بأن يخلفه.
وقد أتاحت هذه التعديلات لمساعدي الخميني الأصغر سنًا التنافس على خلافته، وكان خامنئي من بينهم. ومع ذلك، لم يكن صعود خامنئي مضمونًا على الإطلاق.
ففي الواقع، كان المرشح الأبرز هو رفسنجاني. وربما كان بإمكانه الحصول على المنصب لو لم يقرر أنه يفضل أن يصبح رئيسًا للجمهورية بعد وفاة الخميني.
فبحسب تقدير رفسنجاني، فإن منصب المرشد الأعلى سيفقد الكثير من أهميته بعد وفاة الخميني، بينما ستصبح الرئاسة هي المنصب الأكثر نفوذًا. ولذلك، لم يتردد في التنازل عن منصب المرشد الأعلى لصالح صديقه خامنئي، بل قام بالفعل بالضغط لدى الخميني ومجلس الخبراء لدعم ترشيحه. وقد نجح ذلك . فقد توفي الخميني في 3 يونيو 1989، وتم تعيين خامنئي خليفة له في اليوم التالي، بينما انتُخب رفسنجاني رئيسًا في الشهر الذي تلاه. لكن إذا كان رفسنجاني يعتقد أنه يسير نحو أن يصبح صاحب السلطة المطلقة في إيران، فقد كان مخطئًا ، إذ سرعان ما دخل المسؤولان الكبيران في خلافات حول سياسات ما بعد الحرب، وانخرطا في صراع على السلطة. في البداية، كان رفسنجاني هو الطرف الأقوى. فقد كان الأكثر كفاءة بين تلاميذ الخميني، والأكثر دهاءً سياسيًا في إيران. كما كان لديه برنامج واضح لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية المتهالكة في البلاد. في المقابل، لم يكن لدى خامنئي خطة واضحة، وكان الأمر الأكثر إشكالية أنه كان يفتقر إلى الشرعية. فبينما أصبح رفسنجاني رئيسًا عبر انتخابات، ووصل الخميني إلى السلطة بقيادة ثورة، فإن خامنئي وصل إلى منصبه عبر ترتيبات خلف الكواليس، ولم يكن يتمتع بدعم شعبي.
لكن خامنئي أدرك ضعفه، وبدأ يبحث عن قوة يمكن أن تدعمه. ولم يستغرق الأمر طويلًا: فقد كان الحرس الثوري الإسلامي يبحث هو الآخر عن شريك سياسي جديد.
فقد ساعدت هذه المؤسسة الخميني في إقصاء خصومه بعد الثورة، لكن الدمار والتكاليف الباهظة للحرب مع العراق أضعفت مكانتها، وكان رفسنجاني يسعى إلى الحد من نفوذها.
أما خامنئي، فكان على استعداد لدعمها في الحفاظ على نفوذها وتوسيعه.
لذلك، دعم بقوة أجندة الحرس الثوري الداخلية، التي هدفت إلى إعادة توجيه المجتمع نحو القيم الإسلامية المحافظة. واستخدم صلاحيات منصبه لمنح قادة الحرس الثوري دورًا أكبر في السياسة الداخلية، ونفوذًا أوسع داخل المجتمع الإيراني.
وفي المقابل، استخدم الحرس الثوري قوته العسكرية لاعتقال وإكراه الشخصيات الإصلاحية، بما في ذلك تلك المرتبطة برفسنجاني. وعندما غادر رفسنجاني منصبه بعد فترتين رئاسيتين، كان منصب الرئاسة قد فقد الكثير من أهميته. وبحلول بداية الألفية الجديدة، كانت العلاقة التكافلية بين خامنئي والحرس الثوري قد رسخت سيطرة التيار المتشدد في طهران بشكل كامل. فقد قام الحرس الثوري مرارًا بقمع المظاهرات الإصلاحية واحتجاجات الطلاب، ومنع خليفة رفسنجاني الإصلاحي، محمد خاتمي، من إجراء أي تغييرات جوهرية في البلاد. حتى محمود أحمدي نجاد، وهو من التيار المتشدد وتولى الرئاسة بين عامي 2005 و2013، تم تهميشه من قبل خامنئي والحرس الثوري عندما حاول إعادة بعض النفوذ إلى السلطة التنفيذية. لقد كان خامنئي والحرس الثوري وحدهما من يمتلكان السلطة الحقيقية.
أوهام العظمة
نجحت شراكة المرشد الأعلى مع الحرس الثوري الإسلامي، جزئيًا، بسبب توافقهما على أجندة داخلية إسلامية محافظة. لكنها نجحت أيضًا بسبب تقاربهما في الرؤية تجاه الشؤون العالمية. فكلاهما سعى إلى جعل رؤية الخميني للعالم—التي تعتبر الولايات المتحدة العدو الرئيسي للحضارة الإسلامية، وإسرائيل الأداة الأساسية للنفوذ الأمريكي—مرتكزًا أساسيًا للسياسة الخارجية الإيرانية. وأصبحت "تحرير القدس"—أي هزيمة إسرائيل كدولة يهودية—وإسقاط النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، الهدفين الرئيسيين لهما.
في البداية، كان التقدم متقطعًا. فقد تراجع زخم سعي إيران لتصدير ثورتها الإسلامية خلال الحرب مع العراق. وتحولت فترة التسعينيات إلى مرحلة تهيمن عليها القضايا الداخلية، بينما اقتصرت العمليات الخارجية للحرس الثوري في الغالب على تنفيذ أعمال إرهابية. ومع ذلك، ظل الحرس الثوري طموحًا، وعندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، تغيرت موازين القوى لصالحه.
فقد خلقت كلتا العمليتين صراعات مفتوحة قابلة للاستغلال، وكانت إيران، بحكم موقعها الجغرافي المجاور للدولتين، في موقع مثالي للاستفادة من الاضطرابات الإقليمية. لذلك، بدأ الحرس الثوري بسرعة بتنفيذ تدخلات سرية في أفغانستان، لعب على طرفي الصراع، لكنه انتهى بدعم فصائل من حركة طالبان، مقدمًا لها التمويل والسلاح ، وفي العراق، عملت طهران على إنشاء ميليشيات جديدة لقتال القوات الأمريكية. وعندما انسحبت القوات الأمريكية من العراق عام 2011، بقيت هذه الروابط قائمة، وأصبحت طهران اللاعب الخارجي الأكثر نفوذًا في بغداد. وقد شكّل هذا النجاح في البلدين نموذجًا لإيران.
ومع اجتياح الربيع العربي للمنطقة في العقد الثاني من الألفية، وما صاحبه من اندلاع صراعات جديدة، استغل الحرس الثوري حالة عدم الاستقرار لبناء علاقات مع أطراف مسلحة متعددة، فتدخل في سوريا لإنقاذ حكومة بشار الأسد من الانهيار، وساعد لاحقًا الحوثيين على الصعود إلى السلطة في اليمن. وقد ترافقت سياسة خامنئي الخارجية الهجومية مع طموحه لجعل إيران قوة عسكرية كبرى . فقد استثمر النظام بكثافة في صنع وتطوير أسلحة تمكّن إيران من تهديد خصومها عن بُعد، مما أدى إلى تطوير برامج متقدمة للصواريخ والطائرات المسيّرة. كما عمل النظام على إتقان تقنيات تخصيب اليورانيوم. ورغم أن طهران أنكرت باستمرار سعيها لإنتاج أسلحة نووية—بل إن خامنئي أصدر فتوى دينية تحظر ذلك—فإن تقدم البرنامج تجاوز بكثير ما هو مطلوب للاستخدامات المدنية. وعلى أقل تقدير، فقد منحت الجهود النووية الإيرانية البلاد المواد والخبرة اللازمة لصناعة قنبلة نووية.
لفترة من الزمن، أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها. فبحلول أوائل عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، أصبحت إيران الفاعل السياسي المهيمن في مساحة واسعة من الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن. وقد عززت سياسة التوسع الإيرانية والصراعات التي نتجت عنها من نفوذ الحرس الثوري داخل النظام، محولةً إياه إلى الصوت المهيمن في الشؤون الخارجية. كما أن مشاريعه الأمنية الواسعة مكّنته من السيطرة على حصة كبيرة وغير متناسبة من الاقتصاد الإيراني. غير أن تكاليف هذا النهج كانت باهظة للغاية.
فعلى سبيل المثال، أدت النفقات العسكرية الضخمة إلى حرمان طهران من الاستثمار في شعبها. كما أسفرت برامج إيران النووية والصاروخية عن فرض عقوبات أمريكية شديدة. وبالتالي، تراجع الاقتصاد الإيراني في حين ارتفعت معدلات التضخم بشكل كبير.
وبدأ الإيرانيون بالاحتجاج ضد حاكمهم غير المنتخب—أولًا في عام 2009، ثم بشكل متقطع بين عامي 2017 و2022، وأخيرًا في شهري ديسمبر ويناير من هذا العام .
وفي نهاية المطاف، بدأت طهران تواجه انتكاسات على الساحة الدولية.
فبعد أن شنت حركة حماس، وهي حليف آخر لإيران، هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، تخلت الدولة اليهودية عن ترددها السابق في تدمير قدرات الجمهورية الإسلامية. وخلال العامين التاليين، شنت إسرائيل ضربات متكررة على حزب الله، ومواقع الحرس الثوري في سوريا، وكذلك على الحوثيين. وأخيرًا، استهدفت العديد من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية ومواقع إنتاج الصواريخ، وبمساعدة الولايات المتحدة، قامت بقصف ودفن العديد من المنشآت النووية الإيرانية. وفي فبراير 2026، عاودت الدولتان الهجوم، مما أدى إلى مقتل خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، وإلحاق أضرار جسيمة بكامل المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية.
أزمة إيمان
لقد فتح موت خامنئي الباب أمام التغيير داخل إيران. لكن حتى الآن، كانت النتيجة الرئيسية لذلك هي تعزيز نفوذ الحرس الثوري الإسلامي. فحتى لحظة مقتله، كان خامنئي هو الكابح الوحيد المتبقي لنزوات هذا الجهاز، إذ كان يضمن أنه رغم حصول الحرس الثوري على ما يريد في معظم الأحيان، فإنه لم يكن يحقق هيمنةً كاملةً أبدًا. أما الآن، فلم يعد له نظير يحده. وسواء استمر مجتبى خامنئي في موقعه أم لا (وبحسب ما أفاد به مسؤولون أمريكيون وقت كتابة هذا النص، فإنه مصاب)، فإن منصب المرشد الأعلى لم يعد يمتلك المكانة التي تمكنه من عرقلة أجندة الحرس الثوري. وسيكون المرشد الجديد بقدر ما هو مشرف على الحرس، تابعًا له أيضًا.
وقد يعني ذلك، بدوره، أن المسؤولين المنتخبين في إيران أصبحوا أضعف من أي وقت مضى. ففي عهد خامنئي، كانت السلطة التنفيذية تتمكن أحيانًا من تحدي الحرس الثوري؛ فعلى سبيل المثال، سمح المرشد الأعلى للرئيس حسن روحاني، وهو إصلاحي شغل المنصب بين عامي 2013 و2021، بالتفاوض وتوقيع الاتفاق النووي لعام 2015 مع الولايات المتحدة رغم اعتراض الحرس. أما الرئيس الحالي ذو التوجه الإصلاحي، مسعود بزشكيان، فهو في موقع أضعف بكثير.

" إن المستقبل الأكثر احتمالًا لإيران هو دولة سلطوية خاضعة لسيطرة عسكرية."

وعليه، فإن المستقبل الأكثر احتمالًا لإيران هو قيام دولة سلطوية تخضع لسيطرة عسكرية، مع وجود واجهة دينية. ومن شبه المؤكد أن يكون مثل هذا النظام عدوانيًا. فالحرس الثوري يهيمن عليه المتشددون، وهو مهيأ لمواصلة المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتوجيه ما تبقى من اقتصاد البلاد نحو إعادة بناء القوة العسكرية. ولتحقيق ذلك، من المرجح أن يسعى هؤلاء المسؤولون للحصول على دعم من الصين وروسيا، وهما الداعمان الرئيسيان لإيران. لكن هذا المسار يواجه تحديات جدية. فبكين وموسكو منشغلتان بمشكلاتهما في السياسة الخارجية، وعليهما الموازنة بين علاقاتهما مع إيران وعلاقاتهما مع الدول العربية، التي أصبحت الآن غاضبة من إيران بسبب هجماتها عليها ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية. ومن غير المرجح أن تساعدا إيران على استعادة نفوذها الإقليمي الذي فقدته. وفي الوقت نفسه، تعاني طهران من ضائقة مالية. فهي غير قادرة على إعادة بناء جيشها بسرعة، أو إنشاء بنية تحتية تحت الأرض لإحياء برنامجها النووي، أو إعادة تسليح وكلائها، خاصة في وقت واحد. وفي هذه الأثناء، فإن عدوانيتها ورفضها للتسويات لن يؤدي إلا إلى استدعاء مزيد من الهجمات في المستقبل. ومهما وجد النظام من راحة في خطابه التقليدي حول "المقاومة"، فإن التصريحات الحادة لن تعالج حالة الاستياء العميق لدى الشعب الإيراني، ولن تمنع موجات جديدة من الاضطرابات. وللبقاء في السلطة، سيضطر المسؤولون إلى الاستمرار في الاعتماد على العنف. ولا يمانع الحرس الثوري ذلك. فبالنسبة لقادته، فإن البقاء في السلطة وفق شروطهم هو كل ما يهم؛ أما حياة الإيرانيين العاديين فهي غير ذات أهمية. وهم مدفوعون بغضبهم تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وقد تضاعف هذا الغضب بشكل كبير بفعل الحرب.
لكن ليس جميع أفراد النظام يرغبون في أن يكون مستقبل إيران شبيهًا بماضيها، خاصة وأن سياسات هذا الماضي قادت إلى كارثة، وبعضهم مستعد للدفع نحو مسار مختلف. ومن بين هؤلاء بزشكيان. ففي شهر مارس، وفي خضم الحرب، طلب الرئيس من الحرس الثوري التعاون مع حكومته لمعالجة الوضع الاقتصادي الصعب المتوقع بعد الحرب بشكل استباقي. وبحسب ما أوردته منصة IranWire، عندما تجاهل ضابط شاب في الحرس الثوري كلام بزشكيان خلال اجتماع، قائلاً إن حالة الطوارئ الدائمة ستكون مفيدة لطهران لأنها ستضمن ألا يجرؤ أي إيراني على التعبير عن استيائه، أبدى الرئيس دهشته الشديدة، ورد قائلاً:
"هذا ليس جوابًا! هل يعني ذلك أنه بعد انتهاء الحرب يجب أن نقتل جولة أخرى من المحتجين؟ هل هذا ما تسمونه تخطيطًا؟"
ومع ذلك، فإن إبعاد إيران عن سيطرة الحرس الثوري لن يكون أمرًا سهلًا، نظرًا لقدراته القسرية الكبيرة. لكن رغم أن قوته النسبية داخل إيران قد ازدادت منذ بدء الهجمات، فإن قوته المطلقة قد تراجعت. ففي النهاية، كانت استراتيجية الحرس وسياساته هي التي دفعت إيران إلى حافة الهزيمة، وأفلسَت اقتصادها، وأثارت سخط قطاعات واسعة من الشعب الإيراني ضد النظام. وقد كلّفه ذلك رأس مال سياسيًا داخليًا، مما جعله عرضة لهجمات من منتقديه داخل النظام. وقد ازداد نفوذه الآن بعد غياب خامنئي الذي كان يشكل عامل توازن، لكن موته في الوقت نفسه حرم الحرس من أكبر داعميه وأكثرهم قوة.
كما قد يواجه الحرس الثوري صعوبة في حشد قدراته القسرية. فقد أضعفت الحرب صفوفه، بما في ذلك مقتل عدد من أبرز قياداته، مثل علي لاريجاني، وهو مسؤول أمني بارز، وعلي شمخاني، مستشار رفيع للمرشد السابق. وفي المقابل، نجا معظم القادة الإصلاحيين الأكثر كفاءة. ومن بينهم بزشكيان وروحاني وخاتمي، الذي لا يزال أبرز شخصية إصلاحية في البلاد. كما يشمل ذلك أحمدي نجاد، الذي أعاد تقديم نفسه كمنتقد للوضع القائم بعد انتهاء ولايته، ووُضع فعليًا تحت الإقامة الجبرية (وقد تكون الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد ساهمت في رفع هذا التقييد عنه). كما قد يشمل ذلك بعض الشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري التي تبدو متشددة ظاهريًا لكنها أقل عقائدية، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي حاول تقديم نفسه كمدير براغماتي ويمتلك نفوذًا كافيًا داخل النظام لتغييره. وهؤلاء المسؤولون جميعًا يتمتعون بدهاء سياسي، ويمكنهم استغلال حالة الانفراج النسبي داخل النظام الإيراني للدفع نحو التغيير، وذلك من خلال توحيد مؤسسات الدولة، والعمل خلف الكواليس لحشد الدعم لمسار مختلف، وعرض رؤيتهم على الرأي العام. وإذا تمكن هؤلاء من تقديم خطة واضحة لتحسين الاقتصاد، ومعالجة حالة انعدام الأمن، وتخفيف الضغوط الاجتماعية—مع الحفاظ على النظام الديني—فقد يجد الحرس الثوري صعوبة في تجاهلهم.

تغيير يمكن الوثوق به
هناك فئة أخيرة يمكنها أن تجبر طهران على تغيير مسارها: وهم الإيرانيون العاديون.
فهم يشكلون المصدر المحتمل الأقوى للشرعية الوطنية. ولم يحظوا حتى الآن بممثل حقيقي لهم داخل الحكومة، لكن لم تكن هناك فرصة أفضل من الآن لكي يقوم شخص من داخل النظام بهذا الدور. وفي الواقع، فإن أفضل فرصة لمسؤول طموح من داخل النظام لتجاوز الحرس الثوري أو إجباره على التغيير، تتمثل في التوجه مباشرة إلى الشعب. إن الاحتجاجات الجماهيرية في الماضي لم تُفضِ إلى إصلاحات جوهرية.
لكن المجتمع الإيراني لا يزال يضم طبقات تمتلك نفوذًا حقيقيًا. ومن بين هذه الطبقات صغار التجار، أو ما يُعرف بـ"البازاريين"، الذين يشكلون نسبة صغيرة من السكان، لكنهم يسيطرون على الاقتصاد التقليدي وعلى مراكز حضرية مهمة. وخلال العقدين الأولين من عمر الجمهورية الإسلامية، كان هؤلاء التجار القاعدة الاجتماعية الأهم للنظام الديني، إلا أن سنوات من عدم الاستقرار الاقتصادي أضعفت دعمهم له . وبالمثل، فإن النقابات العمالية والاتحادات المهنية في إيران تمتلك نفوذًا على قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل، وقد تضررت بشدة من تدهور أوضاع البلاد. وإذا ما توحد البازاريون مع هذه المجموعات العمالية، فإنهم يستطيعون شل جزء كبير من الاقتصاد من خلال الإضرابات والمقاطعات. كما يمكن أن يشكل الجيل الشاب في إيران حليفًا قويًا. فهذا الجيل لا يمتلك أي ارتباط بثورة عام 1979، ولا يعرف النظام إلا من خلال الفساد والقمع. وقد تشكلت حياته في ظل عقود من الصراع والحرمان . وكان هذا الجيل هو المحرك الرئيسي لمعظم الاحتجاجات الأخيرة، كما كان الأكثر تضررًا من حملات القمع العنيفة التي شنها النظام ضد المعارضين. ومع ذلك، فإنه لا يزال الفئة الأكثر حيوية من الناحية السياسية. ويمكن لسياسي طموح يسعى إلى التغيير أن يكسب ملايين المؤيدين المتحمسين إذا نجح في تحفيزهم بشكل فعّال. إذا تمكن البراغماتيون أو الإصلاحيون في إيران من الوصول إلى السلطة، فقد يبدو مستقبل البلاد مختلفًا تمامًا عن ماضيها. فمن المرجح أن يركز القادة الجدد على تحسين الاقتصاد وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي للحكومة، وهو ما سيجبرهم على البحث عن طرق للخروج من حالة الصراع الدائم مع واشنطن. وقد يسعون لذلك إما عبر تسوية شاملة مع الولايات المتحدة، أو من خلال سلسلة من التنازلات المتبادلة التي تؤدي مجتمعة إلى تقديم تنازلات في المجالين النووي والعسكري مقابل تخفيف العقوبات. ومن شأن ذلك أن يمنح الشعب الإيراني سببًا للأمل، وبالتالي يقلل من رغبته في التمرد. وينبغي على الولايات المتحدة أن تحاول دعم هذه العناصر الأكثر براغماتية بطرق تتجاوز مجرد القضاء على منافسيهم المتشددين
فعلى سبيل المثال، ينبغي لواشنطن أن تنخرط دبلوماسيًا مع أي طرف مستعد للحوار.
فوجود قناة اتصال مباشرة مع الولايات المتحدة من شأنه، بحد ذاته، أن يمنح العناصر البراغماتية نفوذًا أكبر داخل النظام. كما ينبغي للولايات المتحدة أن تقدم بشكل استباقي حوافز مدروسة لإيران، مثل تخفيف محدد للعقوبات، مقابل استعدادها لتقديم تنازلات في القضايا الأساسية. ومن غير المرجح أن يقبل حتى القادة الإيرانيون الأكثر اعتدالًا بالمطالب القصوى لواشنطن، لكنهم قد يوافقون على خطوات تدريجية تبدأ بالملف النووي ثم تمتد لاحقًا إلى المجالات العسكرية والسياسة الخارجية. كما يمكن للمسؤولين الأمريكيين الضغط على إيران للسماح بمزيد من الحريات الاجتماعية، ووضع حد لاضطهاد الأقليات الدينية—وهي خطوات من شأنها تقليل مشاعر العداء للنظام داخل المجتمع الإيراني. لكن هذه الإجراءات لن تكون حلًا سحريًا. فالإصلاحيون داخل النظام ليسوا دعاة ديمقراطية بالمعنى الكامل؛ فبالرغم من أن المتشددين هم من قادوا إيران إلى هذا الوضع المتدهور، فإن المعتدلين كانوا أيضًا شركاء في ذلك. ومع ذلك، ورغم كل القصف، لا يزال النظام قائمًا، ولا يوجد بديل واقعي جاهز ليحل محله. وبناءً عليه، فإن الطريقة الأكثر فاعلية لتحسين مسار طهران هي العمل مع عناصر من داخل النظام تؤيد التغيير. فهؤلاء يعرفون كيفية عمل النظام، وكيفية التأثير فيه . وبعد عقود من هيمنة التيار المحافظ المتشدد، فإن حالة الاضطراب التي تمر بها إيران تمنح هؤلاء المعتدلين أخيرًا فرصة لإحداث تغيير.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

630 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع