باب المعظم: بوابة التاريخ وقلب بغداد الحديثة من الأسوار العباسية إلى مدينة الطب والجامعات

باب المعظم: بوابة التاريخ وقلب بغداد الحديثة من الأسوار العباسية إلى مدينة الطب والجامعات

تعدّ منطقة باب المعظم من أبرز المناطق المركزية في جانب الرصافة من مدينة بغداد، إذ تمثل عقدة حضرية واستراتيجية تربط بين شمال العاصمة ووسطها. اكتسبت أهميتها التاريخية من موقعها كأحد أبواب بغداد القديمة المؤدية إلى جامع الإمام الأعظم، ثم تطورت عبر العقود لتصبح مركزاً حيوياً يضم مؤسسات تعليمية وطبية وحكومية بارزة، فضلاً عن كونها محوراً رئيسياً لشبكات النقل والمواصلات. وتمثل باب المعظم اليوم إحدى أكثر مناطق بغداد نشاطاً وكثافةً بشرية، بما تعكسه من تداخل بين البعدين التاريخي والوظيفي في الحياة البغدادية المعاصرة. وسيحاول هذا البحث تحليل تأثير هذا التراث

الموقع:
تقع منطقة باب المعظم في الجزء الشمالي من مركز مدينة بغداد ضمن جانب الرصافة. تُعدّ من أكثر مناطق العاصمة حيويةً واتصالاً بالمحاور الرئيسية، وتمثل إحدى البوابات التاريخية المهمة للمدينة. يحدّ المنطقة من الغرب نهر دجلة، ومن الشمال منطقتا الوزيرية والكسرة، ومن الشرق شارع الشيخ عمر، ومن الجنوب منطقة الحيدرخانة وشارع الرشيد. ويقع موقعها التاريخي بين جسر الصرافية شمالاً وجسر السنك جنوباً تقريبًا.
تتميز المنطقة بموقعها الاستراتيجي المتميز الذي جعلها حلقة وصل طبيعية بين أحياء بغداد القديمة والمناطق التوسعية الحديثة. كما ترتبط بعدد من الشوارع والمحاور الرئيسية، مما يجعلها بوابة مرورية أساسية للقادمين من شمال بغداد باتجاه مركز العاصمة. وقد أكسبها هذا الموقع أهمية مرورية وتجارية كبيرة منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم. ويمنح قربها المباشر من نهر دجلة بعداً عمرانياً وتاريخياً خاصًا، حيث شكّل النهر عاملاً مؤثرًا في نمو المنطقة وتطورها العمراني عبر العصور. ونتيجة لهذا الموقع المركزي، أصبحت باب المعظم واحدة من أكثر مناطق بغداد كثافة سكانية وحركة مرورية ونشاطًا تجاريًا على مدار اليوم، وتتميز بطابع اجتماعي حيوي يجمع بين مختلف الأنشطة اليومية.
أصل التسمية:
يرتبط اسم باب المعظم (أو باب الإمام الأعظم) بأحد الأبواب التاريخية الرئيسية لمدينة بغداد في العصر العباسي المتأخر والعصر العثماني، وكان يُعدّ منفذاً رئيسياً يربط مركز المدينة بالمناطق الشمالية خارج الأسوار.

وتعود التسمية الأبرز "المُعظّم" إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، الذي يُلقب بـ"الإمام الأعظم". فقد كان الطريق الخارج من هذا الباب يؤدي مباشرة إلى منطقة الأعظمية حيث يقع مرقده الشريف. ومع مرور الزمن، امتد الاسم من الباب إلى الطريق ثم إلى المنطقة المحيطة به بأكملها، فأصبحت تُعرف جميعاً بـ"باب المعظم".
كما حمل الباب أسماء أخرى عبر العصور، مما يعكس طبقاته التاريخية. فكان يُعرف باسم "باب السلطان" نسبة إلى السلطان السلجوقي طغرل بك، الذي دخل بغداد منه في القرن الحادي عشر. وفي بعض الروايات التاريخية ارتبط أيضاً بدخول السلطان العثماني مراد الرابع إلى بغداد عام 1638م بعد استعادتها من الصفويين، مما أضفى عليه رمزية سياسية وعسكرية في الذاكرة الجماعية البغدادية.
وعلى المستوى الإداري والعسكري خلال فترة الاحتلال البريطاني، حاولت السلطات تسميته "الباب الشمالي" (North Gate) نظراً لموقعه الجغرافي. وقد تجسد هذا الاسم بوضوح في تسمية المقبرة البريطانية القريبة، والتي عُرفت رسمياً باسم (North Gate Cemetery) مقبرة الباب الشمالي. إلا أن هذه التسمية لم تتجاوز الوثائق الرسمية الإنجليزية، وظل الاسم العربي الأصلي التقليدي "باب المعظم" سائداً بين أهل بغداد، مما يدل على قوة الذاكرة الشعبية والاستمرارية الثقافية.
وقد اكتسبت التسمية بعداً وظيفياً وثقافياً إضافياً مع توسع المدينة، إذ أصبح اسم "باب المعظم" لا يشير إلى الباب المادي فحسب، بل إلى منطقة كاملة ارتبطت بالقوافل والمسافرين والتجارة القادمة من الشمال. واستمر الاسم متداولاً بقوة حتى بعد هدم السور والباب نفسه في العشرينيات من القرن العشرين (حوالي 1923-1932)، محتفظاً بقيمته الرمزية كشاهد على البنية التاريخية للمدينة ومساراتها العمرانية والثقافية.
تاريخ المنطقة:
العصر العباسي
يُعدّ باب المعظم من المناطق ذات الجذور التاريخية العميقة في مدينة بغداد، إذ كانت في العصر العباسي جزءاً من الامتداد الشمالي الشرقي للمدينة المدورة وما تلاها من توسعات عمرانية. ارتبطت المنطقة بحريم دار الخلافة والأسوار الشرقية لبغداد، وشكّلت ممراً مهماً للقوافل والمسافرين المتجهين نحو مناطق شمال العراق وبلاد الشام. وقد اكتسب الباب أهمية استراتيجية بسبب موقعه القريب من مراكز الحكم والإدارة، فضلاً عن كونه منفذاً رئيسياً لحركة التجارة والنقل. وكان أحد الأبواب الرئيسية في الأسوار التي شُيّدت أو أُكملت في العصر العباسي المتأخر. وقد شُيد الباب أصلاً في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله، وتم إكمال بناؤه في عهد الخليفة المسترشد بالله (حوالي القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)، ليصبح أحد الأبواب الأربعة الرئيسية التي أُضيفت إلى تحصينات بغداد في تلك الفترة. وتضم المنطقة مباني تعود إلى نهاية العصر العباسي والدول اللاحقة مثل الإلخانية والجلائرية، مما يعكس استمرارية الحياة الحضرية فيها عبر العصور.
العهد العثماني
في العهد العثماني، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تحولت المنطقة إلى مركز عسكري وإداري مهم. فقد أُنشئت فيها الثكنات العسكرية المعروفة بـ"القشلة" (التي بُنيت حوالي 1861-1869م)، إضافة إلى عدد من الدوائر الحكومية والمخازن العسكرية التي ارتبطت بإدارة ولاية بغداد. وأصبح باب المعظم نقطة تمركز للقوات العثمانية بسبب قربها من الطرق المؤدية إلى شمال العراق.

وشهدت المنطقة خلال فترة حكم الوالي مدحت باشا إصلاحات عمرانية وإدارية مهمة، إذ اتجهت الدولة العثمانية إلى تحديث مدينة بغداد وإزالة أجزاء من الأسوار القديمة لفتح المجال أمام التوسع العمراني وتنظيم الشوارع. وقد ساهم ذلك في تحويل باب المعظم من منطقة ملاصقة للأسوار إلى فضاء حضري مفتوح أخذ يندمج تدريجياً مع نسيج المدينة الحديثة. كما ارتبط اسمها بجامع الإمام الأعظم (أبي حنيفة النعمان) في الأعظمية، الذي أعطاها تسميتها الشائعة.


بدايات القرن العشرين
مع نهاية العهد العثماني وبداية الاحتلال البريطاني (الذي دخل بغداد عبر باب المعظم في مارس 1917 بقيادة الجنرال ستانلي مود) ثم تأسيس الدولة العراقية الحديثة، شهدت المنطقة تحولاً جذرياً في طبيعتها العمرانية والوظيفية.

الجنرال ستانلي مود

هُدم الباب نفسه في العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات (حوالي 1923-1932) ضمن عمليات التوسعة العمرانية، بعد أن كان يقع قرب موقع وزارة الدفاع القديمة. فبعد هدم السور القديم، توسعت الشوارع وظهرت الأبنية الحديثة، وبدأت باب المعظم تكتسب طابعاً مدنياً وتعليمياً متنامياً.
وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين أصبحت المنطقة مركزاً للنشاط العلمي والطبي في العراق، مع تأسيس عدد من الكليات والمعاهد العليا فيها،

ولا سيما الكلية الطبية الملكية التي عُدت نواة التعليم الطبي الحديث في البلاد، إلى جانب مدارس ومعاهد أخرى ارتبطت لاحقاً بجامعة بغداد. كما أُنشئت بالقرب منها مستشفيات تعليمية ومؤسسات صحية عززت من مكانة المنطقة كمركز أكاديمي وطبي بارز. وقد شُيّد جسر باب المعظم لاحقاً (1977) لتعزيز الربط بين جانبي دجلة.
النصف الثاني من القرن العشرين
خلال العقود اللاحقة، أصبحت باب المعظم واحدة من أكثر مناطق بغداد حيوية واكتظاظاً، إذ تركزت فيها مؤسسات حكومية ومراكز نقل عامة ومحطات للحافلات تربط العاصمة بالمحافظات الشمالية. كما ارتبط اسمها بالحياة الطلابية والثقافية بسبب كثرة الكليات والمعاهد والمكتبات والمقاهي التي كان يرتادها الطلبة والمثقفون.
وقد تأثرت المنطقة، شأنها شأن بقية مناطق بغداد، بالتحولات السياسية والحروب التي شهدها العراق في العقود الأخيرة، إلا أنها حافظت على مكانتها بوصفها مركزاً تعليمياً وإدارياً مهماً، وما زالت تمثل إحدى العلامات الحضرية البارزة في ذاكرة البغداديين وتاريخ العاصمة الحديثة. يُذكر أن بعض المباني التاريخية في المنطقة (مثل أجزاء من القشلة) تحولت في العقود الأخيرة إلى فضاءات ثقافية، مما يعيد إحياء تراثها العثماني والحديث.

أهم المعالم القديمة منطقة باب المعظم:
تضم باب المعظم إرثاً عمرانياً وتاريخياً غنياً يعكس تعاقب العصور التي مرت بها مدينة بغداد، إذ ما تزال المنطقة تحتفظ بملامح من العمارة العباسية المتأخرة والإلخانية والجلائرية والعثمانية وبدايات الدولة العراقية الحديثة. هذا التنوع العمراني منحها مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية للعاصمة، حيث يلتقي فيها التراث الديني والعسكري والتعليمي. من أبرز معالمها القديمة:


جامع الأوزبك:
جامع الأوزبك من مساجد العراق التاريخية القديمة ويجاور جدران مبنى وزارة الدفاع القديم، ويقع في جانب الرصافة من مدينة بغداد ويبعد عن جامع المرادية مسافة مائة وثلاثون مترا تقريباً، وتبلغ مساحته 1200 متر مربع، بينما تبلغ مساحة الحرم 600 متر مربع. شيد هذا الجامع في عام 1093هـ/ 1682م من قبل (عبد العزيز خان) الذي كان سلطان ولاية الأوزبك، وكان بناؤه في المكان الذي دفن فيهِ عمه السلطان السابق لأوزبكستان (إمام قلي خان) الذي مر ببغداد في طريقهِ إلى مكة لأداء فريضة الحج لكنهُ توفى في هذا المكان ودفن فيه ببغداد عام 1650م. وتم تشييد هذا الجامع على قبرهِ بعد مدة لا تقل عن ثلاثين عاما. وسمي جامع الأوزبك بهذا الاسم نسبة إلى اسم الذي بناه وهو من ولاية أوزبكستان، من بلاد ما وراء النهر حالياً (جمهورية أوزبكستان هي دولة غير ساحلية في آسيا الوسطى). وكانت الوفاة في زمن والي بغداد حسين باشا الذي كان يعتكف في الجامع كل ليلة جمعة ولم تطل أيامه حيث توفى ودفن بجوار مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني.
وقد أشرف جامع الأوزبك على السقوط في عهد داود باشا في عام 1242هـ/1826م وهو أحد الولاة المماليك في الحكم العثماني، فتداركه الوالي وجدد بنيانه ووسع فناءه وشيد فيه منارته الصغيرة والمطلة على الشارع العام، ونصب لهُ إماماً وخطيباً ومدرساً وشيخاً، وأنشأ فيه سقاية مطلة على الطريق، ثم هدمت السقاية، وأنشأ فيهِ مدرسة فقهية، وكانت تصرف رواتب للطلاب الذين يدرسون في مدرسة هذا الجامع حيث كانت وزارة الأوقاف فيما بعد تتولى الأنفاق على الطلاب من واردات أوقاف الجامع، ولقد جدد بناؤه مرة أخرى في عام 1296هـ/ 1879م. ويقع الجامع على يمين الداخل من باب المعظم، وهو الباب الذي هدمه الإنكليز في عام 1917م، وأزال الجيش البريطاني مبنى تكية الجامع عند دخولهم بغداد، وجدد الجامع مرة أخرى في فترة حكم عبد الكريم قاسم عام 1961 حيث هدم وأعيد بناؤه بهيئة حديثة بالكامل، وقد لجأ إليهِ عبد الكريم قاسم عند قيام انقلاب 8 شباط 1963 وقضى في الجامع مبيت ليلة قبل أن يعتقل ويعدم بعد ذلك، ومن العلماء الأعلام الذين دفنوا في هذا الجامع الشيخ محمد سعيد إمام الجامع والشيخ برهان أبدين بن مير گلال النقشبندي. وفي جوار الجامع كانت هناك زاوية (تكية) يسكن فيها فقراء الأوزبك، وقد خصص لهم ما يسد حاجتهم من إدارة الأوقاف المحلية في وقتها، ولأن أفراد شعب أوزبكستان يتجمعون فيهِ مع دواليبهم حيث كانوا يمتهنون حد السكاكين، وأهالي بغداد يسمونهم (الجراخين)، والأوزبك هم من ما بقي من الجنود المقاتلين الذين جاءوا إلى بغداد مع جيش السلطان العثماني مراد الرابع عام 1638م. ولقد ذكر ذلك الشيخ جلال الحنفي في أحد مقالاته بالصحف حيث قال: (ما مررت بمنطقة باب المعظم إلا تذكرت بغداد عبر سنين طويلة يوم كان الداخل إلى بغداد يمر بجامع الأوزبك عن جهة اليمين الذي كان يقع عند مدخل الشارع فانه سيرى على بابه شعراً قاله شاعر بغداد في الحقب الماضية صالح التميمي إذ قال من بعض ما قال:
(إذا جئت للزوراء قف عند بابها / تجد جامعاً من غفلةِ الجهلِ مانعاً)

جامع المرادية:
يُعدّ جامع المرادية، المعروف أيضاً بجامع الميدان، من أقدم وأجمل الجوامع العثمانية في بغداد، ومن أبرز معالم منطقة باب المعظّم على جانب الرصافة، إذ يقع مقابل مبنى وزارة الدفاع وبالقرب من المكتبة الوطنية، وعلى مسافة تقارب مئة وثلاثين متراً من جامع الأوزبك. وقد أمر بإنشائه والي بغداد مراد باشا في أواخر القرن السادس عشر، في عهد السلطان العثماني سليم الثاني، واكتمل بناؤه سنة 978هـ/1570-1571م، فسُمّي باسمه تخليداً لذكراه.
حظي الجامع بعناية متواصلة عبر العصور، فصدر أمر سلطاني بإعادة عمارته وتجديده مطلع القرن العشرين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ثم أُجريت له أعمال صيانة وترميم متعدّدة من قبل وزارة الأوقاف العراقية وديوان الوقف السني، كان آخرها سنة 1430هـ/2009م.
ويُعدّ جامع المرادية من مفاخر العمارة البغدادية؛ فقد وصفه المؤرخون بأنه من أجمل جوامع بغداد وأكثرها متانةً وروعةً في الزخرفة والبناء. ويشغل مساحة تقارب ألفي متر مربع، ويتألف من بيت صلاة مستطيل تحمله أربعة أعمدة رخامية ضخمة قسّمت المصلى إلى ثلاث بلاطات عمودية على جدار القبلة، تتوسطها بلاطة المحراب الواسعة التي يبلغ عرضها عشرة أمتار، فيما يبلغ عرض البلاطتين الجانبيتين أربعة أمتار لكل منهما.
ويتميّز الجامع بتكوين معماري فريد يجمع بين الطراز العثماني والروح العباسية العراقية؛ فالقبة الرئيسة نصف كروية ترتفع فوق المحراب بارتفاع يزيد على عشرة أمتار، وتحيط بها ست قباب أصغر متفاوتة الأحجام، أقيمت جميعها على مثلثات كروية ومقرنصات هندسية دقيقة تُبرز براعة المعمار العراقي في معالجة الانتقال من الشكل المربع إلى الدائري. وقد زُيّنت القباب والمثلثات بزخارف ومقرنصات متدرّجة جعلت حوافها تبدو كحافة الصينية المسننة، ولذلك عُرفت بعض هذه القباب باسم “القباب الصينية”.
أما المئذنة، فتُعدّ من أبرز عناصر الجامع وأكثرها جمالاً، إذ تحتفظ بالطراز البغدادي العباسي التقليدي، بخلاف المآذن العثمانية الأسطوانية الشائعة في العالم الإسلامي. وتقع في الركن الشمالي الغربي من الرواق المطل على الصحن، وتمتاز ببدنها الأسطواني المكسو بالبلاطات الخزفية الملوّنة ذات الألوان الزاهية، والمزدانة برسوم المزهريات والسلال المتدفقة منها الأغصان والأزهار، مما منحها فرادةً جعلت البعض يعدّها من أجمل مآذن بغداد.
ويطلّ الجامع على صحن واسع أُنشئت فيه مرافق متعددة، منها مكتبة وقاعة اجتماعات ودار سكن للإمام، تحيط بها حديقة داخلية تضفي على المكان طابعاً روحياً هادئاً. كما يضم الجامع مصلىً صيفياً مفتوحاً على الصحن بعدة فتحات واسعة، بينما شُيّد المصلى الشتوي بالطابوق والجص بجدران سميكة تتحمل ثقل القباب الكبيرة التي تغطيه. وزُيّنت رقبة القبة الرئيسة من الداخل بشريط من الكتابات القرآنية يتضمن آية الكرسي. ويُعدّ جامع المرادية نموذجاً نادراً لتمازج العمارة العثمانية بالهوية المعمارية البغدادية، وواحداً من الشواهد الحية على تاريخ بغداد العمراني والديني، بما يحمله من جمال فني ودقة هندسية ومكانة تاريخية عريقة.


بقايا سور بغداد القديم:
كانت باب المعظم جزءاً أساسياً من السور الشرقي التاريخي لمدينة بغداد، ذلك السور الذي مثّل عبر قرون طويلة خط الدفاع الرئيس عن المدينة ومركز الخلافة العباسية. ويُعدّ ما تبقى من هذا السور اليوم من أندر الآثار العباسية الباقية، إذ تعود أجزاؤه المتبقية إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، بعد أن أُعيد ترميمه وتوسيعه في العصور العباسية المتأخرة ثم في العهود اللاحقة.
وكان السور يمتد على هيئة نصف دائرة في جانب الرصافة، يبدأ من منطقة باب المعظم شمالاً وينتهي عند الباب الشرقي جنوباً، وقد ضم أربعة أبواب رئيسية شكّلت منافذ بغداد الكبرى، هي: باب السلطان أو باب المعظم، وباب الظفرية المعروف اليوم بالباب الوسطاني، وباب الطلسم، والباب الشرقي الذي كان يُعرف أحياناً بـ“الباب المظلم”.
ورغم اندثار معظم أجزاء السور نتيجة التوسع العمراني الذي شهدته بغداد في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، فإن بعض الشواهد الحجرية ما تزال قائمة حتى اليوم، لتروي جانباً من تاريخ المدينة الدفاعي والعمراني. ومن أبرز هذه البقايا قطعة السور الواقعة قرب باب المعظم بين قاعة الشعب وجامع الأوزبك، وهي قطعة أثرية صامدة تلاصق الأبنية القديمة، وتمثل آخر ما تبقى من السور الشرقي لبغداد. ويصل طول هذه البقايا إلى عشرات الأمتار بحسب بعض التوصيفات التاريخية، مما يجعلها الشاهد الأخير على البنية الدفاعية القديمة للمدينة قبل توسعها الحديث.
أما أبرز المعالم الباقية من أبواب السور فهو الباب الوسطاني، المعروف قديماً باسم “باب الظفرية”، والذي ما يزال قائماً بالقرب من مرقد الشيخ عمر السهروردي. ويُعدّ هذا الباب من أكثر الآثار البغدادية هيبةً وشموخاً، إذ يحتفظ بجزء مهم من الطراز المعماري الدفاعي الذي ميّز أسوار بغداد العباسية، ويُعتقد أنه يعود إلى أعمال البناء التي أُنجزت في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله.
وقد تعرضت بقية أبواب السور، مثل باب الطلسم والباب الشرقي، إلى الهدم التدريجي بسبب مشاريع فتح الطرق الحديثة وتوسعة المدينة، ولا سيما خلال العقود الأولى من القرن العشرين، حيث أزيل الباب نفسه في منطقة باب المعظم ما بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كما هُدم الباب الشرقي سنة 1937 ضمن مشاريع التنظيم العمراني للعاصمة.
وعلى الرغم من زوال معظم معالم السور، فإن ما تبقى منه ما يزال يحمل قيمة تاريخية ورمزية كبيرة، بوصفه شاهداً على بغداد القديمة وحدودها العمرانية وهيبتها العسكرية، كما يمثل جزءاً مهماً من هوية المدينة وذاكرتها الحضارية الممتدة عبر العصور.

القشلة:
القشلة هي بناء عثماني تاريخي شُيد ليكون ثكنة عسكرية ومقراً للحامية العثمانية في بغداد. بدأ والي بغداد محمد نامق باشا بناءه عام 1861م (أو 1881م برواية أخرى)، وأكمله من بعده والي بغداد مدحت باشا. كانت القشلة تضم آلاف الجنود، وكانت مقراً للدولة ودوائرها الرسمية. تبرز في ساحة القشلة ساعة القشلة التراثية، وهي برج ساعة شُيد عام 1871م، وكان الغرض منه تنبيه الجنود العسكريين في القاعدة صباحاً لمواعيد التدريب، وبُنيت على ضفاف دجلة ليصل صوت أجراسها إلى جميع أنحاء بغداد. شهدت الساعة تحولات تاريخية متعددة؛ ففي فترة الاحتلال البريطاني، نُصب تمثال برونزي للعقيد جيرارد ليتشمان فوقها عام 1923، وهو يمتطي جملاً ويرتدي الملابس العربية. (ضابط مخابرات بريطاني، الحاكم العسكري للواء الدليم . قتل خلال ثورة العشرين على يد الشيخ ضاري بن محمود وأولاده.) وظل التمثال قائماً حتى أطيح به في يوليو/ تموز 1958 بعد ثورة 14 تموز. ثم تجددت ساعة القشلة بهدية من الملك جورج الخامس للملك فيصل الأول عام 1927، وهي الساعة التي لا تزال تعمل حتى اليوم. تعطلت الساعة لفترة بعد تفجير مقهى الشابندر عام 2009، وعادت للعمل مجدداً عام 2013 بعد ترميمها. تشكل القشلة اليوم فضاءً ثقافياً حيوياً في بغداد، تستضيف الفعاليات الفنية والأدبية والمعارض، وهي مدرجة ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لليونسكو.

مبنى وزارة الدفاع القديمة:
كان من أبرز المباني الحكومية في العراق الملكي والجمهوري المبكر، وارتبط بأحداث سياسية وعسكرية محورية، أبرزها ثورة 14 تموز 1958. يقع موقعه قرب جامع الأوزبك وبقايا الباب القديم.


قاعة الشعب
تُعدّ قاعة الشعب في منطقة باب المعظم واحدةً من أعرق القاعات والمسارح التاريخية في العراق، إذ ارتبط اسمها بمحطات سياسية وثقافية مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. وقد أُنشئت القاعة في ثلاثينيات أو أوائل أربعينيات القرن العشرين ضمن مجمع وزارة الدفاع القديمة في القلعة العثمانية، بالقرب من جامع الأوزبك ومقابل مبنى وزارة الصحة العراقية، لتصبح مع مرور الزمن صرحاً يجمع بين الرمزية السياسية والحضور الثقافي في قلب بغداد.
وكانت القاعة تُعرف عند تأسيسها باسم “قاعة الملك فيصل الثاني”، قبل أن يتغير اسمها إلى “قاعة الشعب” عقب ثورة 14 تموز 1958 التي أنهت النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية العراقية. ومنذ ذلك الحين ارتبطت القاعة بذاكرة العراقيين بوصفها مسرحاً لأحداث كبرى تركت أثراً عميقاً في الحياة السياسية والثقافية للبلاد.
وتتميّز القاعة بطرازها المعماري الفني الفريد، إذ صُممت بأسلوب قريب من دور الأوبرا الأوروبية، ولا سيما دار أوبرا باريس، حيث تتجلى في بنائها ملامح الفخامة الكلاسيكية والزخارف الداخلية الهادئة. كما تضم مسرحاً يتسع لما يقارب أربعمئة مقعد، ما جعلها من أبرز القاعات الرسمية المخصصة للمؤتمرات والعروض الفنية والاحتفالات الكبرى في العراق خلال القرن العشرين.
وقد شهدت قاعة الشعب العديد من الأحداث التاريخية البارزة، إذ عُقدت فيها جلسات محكمة الشعب المعروفة بمحكمة المهداوي بعد ثورة 1958، وهي المحكمة التي حظيت باهتمام شعبي وإعلامي واسع آنذاك. كما استضافت سنة 1961 أول قمة لـ منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهو حدث اقتصادي دولي مهم عزز مكانة بغداد السياسية في تلك المرحلة. كذلك ارتبط اسم القاعة بالأحداث التي أعقبت انقلاب عام 1963، حيث شهدت اعتقال الزعيم عبد الكريم قاسم بعد الإطاحة بحكمه. ولم يقتصر دور القاعة على الجانب السياسي فحسب، بل احتضنت على مدى عقود مؤتمرات علمية وندوات فكرية وعروضاً فنية وفعاليات ثقافية متنوعة، مما جعلها مركزاً للحياة الثقافية الرسمية في بغداد، وواجهةً حضارية تعكس تطور الحركة الفنية والفكرية في العراق. وعلى الرغم من أن القاعة تعرضت لفترات من الإهمال، ولا سيما بعد عام 2003، فإنها بقيت محتفظة بقيمتها التاريخية والمعمارية. وقد شهدت في السنوات الأخيرة أعمال إعادة تأهيل وترميم بتمويل من وزارة النفط العراقية، مع الحرص على الحفاظ على طرازها الأصلي وتفاصيلها التراثية، لتعود مجدداً مركزاً ثقافياً وفنياً يربط حاضر بغداد بذاكرتها التاريخية. وتبقى قاعة الشعب اليوم واحدة من أهم معالم باب المعظم، وشاهداً حياً على التحولات السياسية والثقافية التي مرت بها بغداد والعراق خلال القرن العشرين.
أهم المعالم الحديثة:
تُعدّ باب المعظم اليوم من أبرز المراكز الأكاديمية والطبية والإدارية في بغداد، إذ شهدت المنطقة خلال القرن العشرين توسعاً عمرانياً كبيراً جعلها تضم مجموعة من أهم المؤسسات العلمية والصحية في العراق. هذا الطابع جعلها منطقة حيوية تختلف عن كثير من مناطق العاصمة الأخرى، حيث يلتقي فيها النشاط الأكاديمي والطبي بالحركة التجارية والثقافية اليومية. من أبرز معالمها الحديثة:
المجمع الطبي لجامعة بغداد:
يُعدّ المجمع الطبي لجامعة بغداد واحداً من أهم الصروح الأكاديمية والطبية في العراق والعالم العربي، إذ يضم كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض، وهي من أعرق المؤسسات التعليمية الطبية في الشرق الأوسط. وقد ارتبط تاريخ هذا المجمع بتاريخ التعليم الطبي الحديث في العراق، حيث لعب دوراً محورياً في إعداد أجيال من الأطباء والصيادلة والكوادر الصحية الذين أسهموا في بناء القطاع الصحي العراقي وتطويره على مدى عقود طويلة. وتعود بدايات هذا الصرح العلمي إلى تأسيس الكلية الطبية الملكية سنة 1927، والتي أصبحت لاحقاً كلية الطب في جامعة بغداد. وقد جاء تأسيسها بجهود نخبة من الأطباء العراقيين الذين تلقوا تعليمهم في كلية الطب في إسطنبول وعادوا إلى العراق حاملين مشروع إنشاء تعليم طبي حديث، ومن أبرزهم سامي شوكت وهاشم الوتري وفائق شاكر وصائب شوكت، وبمساندة عدد من الأطباء البريطانيين، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور هاري سندرسن الذي كان أول عميد للكلية. وقد شهدت الكلية منذ تأسيسها تطوراً علمياً وأكاديمياً متسارعاً، حتى أصبحت تحظى باعتراف أكاديمي واسع على المستوى الدولي، وأسهمت في ترسيخ أسس التعليم الطبي الحديث في العراق. ومع توسع الكليات والمعاهد الطبية المحيطة بها، تشكل المجمع الطبي الحالي الذي أصبح مركزاً علمياً وحيوياً يعج يومياً بالطلبة والباحثين والأطباء، الأمر الذي منح منطقة باب المعظم طابعها المعروف شعبياً بوصفها “مدينة الطلبة والأطباء”.


مدينة الطب:
تُمثل مدينة الطب في باب المعظم أكبر مجمع طبي ومستشفياتي في العراق، وأحد أهم المؤسسات الصحية والتعليمية في البلاد. تقع المدينة على الضفة الشرقية لـ نهر دجلة في قلب بغداد، في الموقع الذي كانت تشغله قديماً حديقة الرضوان، وتُعدّ اليوم من أبرز المعالم الطبية والعلمية المرتبطة بتاريخ تطور القطاع الصحي العراقي.
أُنشئت دائرة مدينة الطب سنة 1961 بوصفها دائرة حكومية صحية تضم مجمعاً متكاملاً من المستشفيات والمؤسسات التعليمية والطبية، وقد وضع الزعيم عبد الكريم قاسم حجر الأساس لها في الثامن من آذار عام 1961، في إطار مشروع طموح لتحديث الخدمات الصحية في العراق وتطوير التعليم الطبي. وخلال فترة حكم صدام حسين حملت المؤسسة اسم “دائرة مدينة صدام الطبية”، قبل أن يعود اسمها لاحقاً إلى “مدينة الطب”.
وكان المشروع في بداياته يتألف من المستشفى الجمهوري، الذي أصبح لاحقاً مستشفى بغداد التعليمي، بسعة ألف سرير، وهو أكبر أقسام المدينة الطبية، ويتكون من بناية ضخمة تضم اثني عشر طابقاً أُقيمت على مساحة تقارب سبعةً وأربعين ألف متر مربع، وبكلفة بلغت نحو خمسة ملايين ونصف المليون دينار عراقي آنذاك. كما شمل المشروع بناية دار التمريض الخاص ذات الطوابق الثمانية بسعة 120 سريراً، إضافة إلى مستشفى الأطفال بسعة 150 سريراً، إلى جانب أقسام الخدمات والمخازن ودار الأطباء ومدرسة الممرضات.
ومع مرور الزمن توسعت مدينة الطب لتضم سبعة مستشفيات تخصصية رئيسية تغطي مختلف فروع الطب وتخصصاته الدقيقة، من بينها مستشفى بغداد التعليمي، ومستشفى الجراحة التخصصية، ومستشفى الأطفال، ومستشفى الأمراض السرطانية، فضلاً عن أحد عشر مركزاً تخصصياً ومراكز بحثية متقدمة. كما تضم المعهد العالي للمهن الصحية، وإعدادية تمريض بغداد، وعدداً من الأقسام العلمية والطبية التي جعلت منها مركزاً متكاملاً للتعليم والعلاج والتدريب.
وقد لعبت المدينة الطبية دوراً إنسانياً ووطنياً بارزاً خلال الحروب والأزمات التي مر بها العراق، ولا سيما خلال الحرب العراقية الإيرانية وفترة الحصار الاقتصادي، ثم بعد عام 2003، حيث استقبلت أعداداً كبيرة من الجرحى والمرضى من مختلف المحافظات، وأصبحت مركزاً رئيسياً للعلاج المتخصص والتدريب الطبي في البلاد.

وبفضل مكانتها العلمية والطبية، تحولت مدينة الطب إلى رمز للقطاع الصحي العراقي، وأسهمت في ترسيخ مكانة باب المعظم بوصفها مركزاً وطنياً للمعرفة الطبية والخدمات العلاجية، يقصده المرضى والطلبة والأطباء من أنحاء العراق كافة.
الدار الوطنية للمكتبات والوثائق:
تُعدّ من أهم المؤسسات الثقافية والمعرفية في العراق، وتقع في منطقة باب المعظم. تأسست عام 1920، وتضم مجموعات هائلة من الكتب والمراجع والمخطوطات النادرة في مجالات التاريخ والعلوم والآداب والدين. شكّلت مركزاً حيوياً للباحثين وطلبة الدراسات العليا، وساهمت في حفظ التراث الفكري العراقي والعربي رغم التحديات التي مرت بها البلاد، بما في ذلك الاضطرابات الأمنية وعمليات النهب التي تعرضت لها المكتبة في فترات مختلفة.
مقبرة الباب الشمالي:
تُعدّ من المعالم التاريخية الحديثة الفريدة في المنطقة، وتقع في قلب باب المعظم بالقرب من مجمع كليات الجامعة المستنصرية (كلية الفنون الجميلة وكلية الهندسة). تعرف هذه المقبرة رسمياً باسم "مقبرة الباب الشمالي" (North Gate Cemetery)، وهو الاسم الذي أطلقه البريطانيون على باب المعظم خلال فترة الاحتلال. تضم المقبرة رفات مئات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى ضمن الحملة العسكرية على بلاد الرافدين، ومن بينهم شخصيات بارزة مثل الجنرال مود (General Maude) الذي قاد دخول القوات البريطانية إلى بغداد عام 1917، والعقيد (ليتشمان) كما تحتوي المقبرة على رفات 127 جندياً من جنسيات أخرى، بينهم 100 جندي تركي. عانت المقبرة من الإهمال على مدى عقود، وتضررت شواهد القبور بفعل العوامل الجوية، لكن لجنة قبور الحرب البريطانية (CWGC) قامت عام 2012 بترميم 511 شاهد قبر وإحاطة المقبرة بسياج جديد. تظل هذه المقبرة شاهداً صامتاً على حقبة تاريخية مفصلية من تاريخ العراق الحديث.


وزارة الصحة العراقية:
يُعدّ مبنى الوزارة من المعالم الإدارية البارزة، ويقع في موقع استراتيجي قرب مدينة الطب والمجمع الطبي لجامعة بغداد. يعكس وجوده تكاملاً وظيفياً مثالياً بين الإدارة الصحية والتعليم الطبي والخدمات العلاجية.


الجامعة المستنصرية:
تمتد جذور الجامعة المستنصرية إلى المدرسة المستنصرية التاريخية التي شُيدت عام 1227م (أو 1233م) في العصر العباسي، وتُعدّ من أقدم الجامعات في العالم. أما الجامعة المستنصرية الحديثة فقد أُعيد تأسيسها عام 1963 بجهود نقابة المعلمين العراقيين، ثم حصلت على صفة جامعة مستقلة عام 1968 بعد أن كانت كلية ضمن جامعة بغداد لفترة وجيزة. تضم المنطقة عدداً من كليات الجامعة ومبانيها، مثل كلية التربية، كلية العلوم السياسية، كلية الهندسة، وكلية الفنون الجميلة. تعزز هذه الكليات الطابع العلمي والثقافي للمنطقة، وتجعلها فضاءً يجمع بين التعليم العالي والبحث العلمي. يُذكر أن المدرسة المستنصرية الأصلية المبنية على ضفاف دجلة قد أُدرجت عام 2014 في القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لليونسكو.


معالم خدمية وحضرية أخرى
جسر باب المعظم: شُيّد عام 1977 بطول يقارب 855 متراً، ويُعدّ شرياناً مرورياً حيوياً يربط جانبي دجلة، ويُسهّل الوصول إلى المنطقة من شارع حيفا والكرخ.
محطات النقل العام وكراج باب المعظم (، التي تربط العاصمة بالمحافظات الشمالية وتُعدّ مركزاً حيوياً للتنقل اليومي.
المقاهي الشعبية والمكتبات العلمية والمطابع والمحال التجارية (خاصة الطبية والطلابية).
قرب المنطقة من شارع المتنبي الشهير، الذي يُعدّ قلباً ثقافياً نابضاً يمتد تأثيره إلىباب المعظم.
بفضل هذا التنوع بين المؤسسات التعليمية والطبية والثقافية والإدارية والخدمية، أصبحت باب المعظم نموذجاً للمنطقة الحضرية الحديثة التي تجمع بين الوظيفة العلمية-الخدمية والتراث التاريخي. وتضفي معالمها الفريدة بعداً تاريخياً إضافياً يعكس تعقيدات وتداخلات التاريخ العراقي. رغم التحديات التي مرت بها بغداد، حافظت المنطقة على حيويتها كمركز وطني للمعرفة والصحة، وتظل جزءاً أساسياً من هوية العاصمة الحديثة.
بفضل وجود الكليات الطبية والجامعية (خاصة المجمع الطبي لجامعة بغداد)، أصبحت باب المعظم مركزاً رئيسياً للحركة الطلابية العراقية منذ منتصف القرن العشرين. انطلقت منها العديد من التظاهرات والاحتجاجات المطالبة بالإصلاح السياسي، الحريات العامة، وتحسين الواقع التعليمي. كما كانت المقاهي والمكتبات العلمية ملتقى للتيارات الفكرية المتنوعة، مما ساهم في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي لأجيال من المثقفين والطلبة العراقيين.

الأحداث التاريخية والسياسية في باب المعظم:
ارتبطت منطقة باب المعظم بالتحولات الكبرى في تاريخ العراق المعاصر؛ بفضل موقعها الاستراتيجي على السور الشرقي القديم، وقربها من مراكز الحكم، واحتضانها للمؤسسات العسكرية، والحكومية، والجامعية، والطبية.
الاحتلال البريطاني ودخول بغداد (1917):
شهدت المنطقة تحركات عسكرية محورية خلال الحرب العالمية الأولى. ففي 11 مارس 1917، دخل الجنرال البريطاني "فريدريك ستانلي مود" بغداد على رأس 50,000 جندي بريطاني وهندي، بعد انسحاب 25,000 جندي عثماني بقيادة خليل باشا في الليلة السابقة. وفي 19 مارس 1917، أصدر الجنرال مود "إعلان بغداد" الشهير الذي جاء فيه: "إن جيوشنا لا تأتي إلى مدنكم وأراضيكم كغزاة أو أعداء، بل كمحررين". أطلق هذا الحدث حقبة جديدة غيّرت وظائف المنطقة وعمرانها.
تأسيس الدولة العراقية الحديثة:
تحولت المنطقة في العهد الملكي إلى مركز عسكري وإداري وثقافي بارز. ومع افتتاح المدارس والكليات الأولى، أصبحت شوارعها ساحة حيوية للحراك الفكري والسياسي، لا سيما مع تصاعد التيارات القومية، واليسارية، والوطنية في الأربعينيات والخمسينيات.


ثورة 14 تموز 1958:
كانت باب المعظم مسرحاً رئيسياً لقيام الجمهورية؛ حيث كُلِّفت الكتيبة الثانية بقيادة المقدم عادل جلال باحتلال مبنى وزارة الدفاع القديم في المنطقة كهدف استراتيجي. تلا السيطرة السريعة على المبنى تجمعات جماهيرية حاشدة في الشوارع المحيطة، ليتحول مقر الوزارة إلى رمز للسلطة السياسية والعسكرية ومركزاً للأحداث اللاحقة.
النشاط الطلابي والحركات الفكرية:
بفضل مجمعها الأكاديمي، شكلت المنطقة المنطلق الأساسي للتظاهرات الطلابية والحركات الاحتجاجية التي ركّدت الوعي السياسي والفكري لأجيال متعاقبة من النخب العراقية.
التحول التجاري والطبي المعاصر:
في العقود الأخيرة، تحولت باب المعظم إلى المركز الأبرز في العراق لتجارة المستلزمات الطبية، الأدوية، والكتب الجامعية، مستفيدة من قربها من الكليات الطبية والمستشفيات. ظهرت عشرات المكتبات العلمية والصيدليات والمحال المتخصصة، مما أعطاها هوية اقتصادية جديدة مرتبطة بالتعليم الطبي والخدمات الصحية. رغم التحديات، حافظت المنطق
على حيويتها كمركز وطني للمعرفة والصحة. تختزل باب المعظم في أحداثها مراحل متعددة من تاريخ العراق الحديث: من سقوط العهد العثماني ودخول البريطانيين عبر بابها العريق، مروراً بتأسيس الدولة وثورة 1958، وصولاً إلى الاضطرابات ما بعد 2003 والحروب والتحولات المعاصرة. موقعها الاستراتيجي ومؤسساتها جعلاها شاهداً حياً على الاستمرارية والتغيير في ذاكرة بغداد. خلال القرن العشرين.
الخاتمة
تُمثّل منطقة باب المعظم مرآةً حية اختزلت تحولات بغداد عبر العصور، وفضاءً جغرافياً التقت فيه الذاكرة السياسية والعسكرية بالعلم والثقافة. فمن أسوار الخلافة وأبوابها التاريخية، إلى الثكنات ودواوين الحكم المشتركة، وصولاً إلى منارات المعرفة الطبية والأكاديمية، ظلت هذه المنطقة شاهدةً على مخاضات ولادة الدولة العراقية الحديثة ومحطاتها الفاصلة، قديماً وحديثاً.
ولم يكن هذا الحضور الاستثنائي وليد الصدفة، بل نتاج موقعها الاستراتيجي الذي جعلها قلب الرصافة النابض ومحور حراكها الفكري والطلابي، ليتحول دورها في العقود الأخيرة من مركز لإدارة الدولة وعسكرها، إلى شريان وطني رئيسي للتعليم الطبي والخدمات الصحية.
ورغم كل ما مرّ على العاصمة من حروب وتحولات عمرانية، نجحت باب المعظم في الحفاظ على هويتها الخاصة؛ حيث يتجاور عبق أبنيتها التراثية وبقايا سورها القديم مع حداثة مؤسساتها الأكاديمية والطبية، في صورة بليغة تعكس تداخل الماضي بالحاضر.
إن دراسة تاريخ باب المعظم تكشف كيف يمكن لبقعة جغرافية واحدة أن تختصر سيرة وطن بأكمله؛ فهي لم تعد مجرد مجازٍ لبوابة عبرت منها الجيوش والقوافل، بل غدت رمزاً لاستمرارية بغداد، وقدرتها المتجددة على النهوض لتبقى دائماً منارةً للعلم والحضارة في العراق المعاصر.

****************
مصادر البحث:
1 - دار النشر العلمية – دراسة التخطيط العمراني (2020).
2 - كتاب "Sacred Acts, Sacred Space, Sacred Time" – للمؤرخ John Walbridge (2005).
3 - الحنفي، جلال. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة. (يُعد من أهم المراجع البغدادية التي توثق أحوال بغداد في أوائل القرن العشرين، ويتناول هدم باب المعظم والتغيرات العمرانية).
4 - ويكيبيديا العربية. "باب المعظم".
رابط: https://ar.wikipedia.org/wiki/باب المعظم
5 - العزاوي، عباس. موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين. بغداد: مطبعة دار السلام.
6 - جامعة بغداد – المصادر والوثائق التاريخية الخاصة بتاريخ الكليات الطبية ومدينة الطب، إضافة إلى الدراسات الأكاديمية المتعلقة بتاريخ باب المعظم وتطورها العمراني والتاريخي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

816 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع