
أحمد العبداللّه
الأسير البطل حمدي جاسم هزاع؛(أنا العراقيُّ.. أنا)
الأسر؛ من أصعب المحن التي يمرُّ بها المقاتل في حياته, خاصة إذا طالت فترة الاحتجاز وظروفها القاسية, كما هو حال الأسرى العراقيين الصامدين في معتقلات(أحفاد القرامطة)الأوغاد المجرمين في إيران. فهناك يظهر البشر على حقيقتهم وتسقط كل الأقنعة, ويتمايز الرجال عن أشباه الرجال.. المخلص عن المنافق.. الشريف عن الوضيع. وبقدر ما كانت هناك عيّنات قذرة من أسرى(عراقيين)جعلوا من أنفسهم مطايا وخدمًا للفرس المجوس, فقد كان هناك بالمقابل نماذج مشرقة ومشرّفة أخلصت للوطن ولم تداهن الباطل أو تنحني له, بل قارعته بكل عنفوان, فأفنوا شبابهم في تلك المعتقلات الرهيبة. بل إن كثيرًا منهم لم تتكحّل أعينهم برؤية وطنهم, وقضوا نحبهم هناك في غربتهم الموحشة بانتظار فجر لم يأتِ أبدا.
***
يقول هشام النورسي؛ هناك في أقفاص الأسر, حيث انقسم الأسرى ما بين وطني وآخر خائن وأغلبية متفرجة مستسلمة مغلوبة على أمرها, ضاعت جميع المقاييس التي كنا نتعامل بها, ومن هو الوطني فينا ومن هو الخائن منّا. وهناك أيضا ظهرت معادن الرجال الحقيقية في ذلك الامتحان العسير, وبان واضحا من رضع من ثدي أمّه حليبا طاهرا من الذي رضع حليبا فاسدا من أثداء الذئاب اللئيمة.
ويبيّن النورسي؛ لقد كان عناصر حزب الدعوة في إيران موزعين مع الحرس الثوري لقتال العراقيين في الجبهات, ويقومون بالترجمة, وبعضهم يمارسون دور الجلادين خلال التحقيقات مع الأسرى بكل حقد وكراهية حتى أكثر من الفرس أحيانا!!. في حين كان الأسير العراقي الشهم, عندما يُخرجونه بأعمال مطبخ المعسكر, فيفوز أحيانا بتفاحة أو برتقالة, فيحتفظ بها كي يقتسمها مع رفاقه بعد عودته للقفص.
فأي إيثار هذا؟!.. وشتان ما بين الثرى والثريا.
***
ويضرب هشام النورسي مثلا بالأسير العراقي البطل(حمدي جاسم هزاع), والذي يصفه بأنه(من ذوي الشرف الرفيع والبطولات النادرة), فيقول؛ لقد جعلنا جميعا نبدو كأسرى أقزاما قياسا بما كان عليه من تحدٍّ لأولئك الفرس الأنذال. ففي ذلك المكان أدخله علينا الحرس في الزنزانة وهو بحالة يُرثى لها جرّاء التعذيب الشديد الذي تعرّض له في السجن الانفرادي, ولكنه لم يكن مكترثا, وكان يمشي بخطىً واثقة وبكل عنفوان ورجولة, بسحنته السمراء وهامته العالية ولهجته البدوية. وهو من الأسرى القدامى في أحد الأقفاص خارج طهران, ولكن الفرس اقتادوه من قفصه إلينا لغرض تعذيبه والانتقام منه, لأنه قام بتمزيق صورة خميني ووصفه بالدجال, ولكسر شوكته كي يرضخ لهم ويصبح من الخانعين لسياستهم ومنهاجهم التعسفي اللئيم.
ويضيف؛ مكث معنا خمسة أيام, كان خلالها يُعذّب على يد الجلادين بانتظار تسفيره لقفصه الذي كان فيه, واستخدموا معه كل وسائل التعذيب ولكنه لم يستسلم. وفي إحدى المرات علّقوه بالأصفاد من معصمي يديه لفترة طويلة حتى سال الدمّ منهما ووصل الدمّ لكتفه, وهو يهتف متفاخرًا؛(أنا العراقي..أنا العراقي)*, حتى أجبر الحراس على إنزاله أرضا بعد أن انتصر عليهم بإرادته الفولاذية. وعلى الرغم من كل ما قاساه فقد كان صابرًا شامخًا كالجبل, ولم تصدر منه حتى صرخة ألم مكتومة, بل كان يتعمّد الابتسام وهو في أشد حالات العذاب. وكان ذلك يغيض الحراس لأنهم كانوا يتصورون ان كل الأسرى العراقيين من شاكلة الخائن(علي صبري)وأمثاله من السفلة الأوغاد.
ثم يورد النورسي قصة أسير صامد آخر, فيقول؛ النقيب حسين علي هيلان التكريتي**, سمعت بموضوعه من أحد الأسرى الذي كان قد التقاه قبل فترة وجيزة. وإنه قد تعرض لتعذيب شديد من قبل الإيرانيين الذين استدعوه للتحقيق ووضعوه في زنزانة انفرادية, لأن أحد الأسرى من عديمي الضمير والغيرة والشرف قد وشى به بعد أن تعرّف عليه خلال عرض فيلم تلفزيوني بقفصه, استعرض بعض الأسرى الذين وقعوا توًّا في الأسر, وكان النقيب حسين هيلان معهم, والذي عمد لنزع رتبته العسكرية كي لا يتعرف عليه الفرس, فهو من تكريت وكان يشغل ضابط استخبارات في وحدته, وكان الفرس من خلال تعذيبه يبغون انتزاع معلومات منه تخص التشكيلات العسكرية العراقية.
***
وبعد عودة النورسي للعراق وانتهاء فترة الحجز والتحقيق معه, أُعيد للخدمة في وحدته السابقة, فيقول؛ في عام 1986 تقرّر ذهابنا على شكل وجبات للمعايشة في الجبهة, فوضعوا اسمي في الوجبة الأولى, وهناك في الساتر الأمامي شرق البصرة, أخذت على عاتقي مهمة تحذير رفاقي ما سيترتب على أحدهم فيما لو وقع في أسر الإيرانيين, وشرحت لهم بالتفصيل ما سيكابدونه من مهانة وإذلال. فلم أجد لحديثي هذا لديهم آذانا صاغية, بل نفروا مني!!.
ويضيف؛ على الرغم من ذلك, ففي أحد أيام المعايشة تلك قال لي أحد رفاقي, وكان يحمل بندقية القنص, إني أرى من خلال منظار بندقيتي بعض الجنود الإيرانيين وقد صاروا بمرمى الهدف, فخذها واقتل منهم ما تشاء كي تنتقم ممّن آذاك في الأسر. فاخذت البندقية وكنت أجيد استخدامها ونظرت للجنود من خلال المنظار وقد أصبحوا ثلاثة, ولكني لم أجد الرغبة بقتلهم بدم بارد لأن ذلك ليس من الشجاعة في شيء. فقال رفيقي؛ وهذا ما نفعله نحن أيضا على الدوام. ولكني خرجت عن السياق وأعطيتك بندقيتي لأني اعتقدت إنك ترغب بقتل نفر منهم انتقاما لما فعلوه بك وبحق إخواننا الاسرى هناك.
أقول؛ شتّان بين فروسية المقاتل العراقي في الحرب وعفوه عند المقدرة, وبين غدر الفرس المجوس وخبثهم وخسّتهم!!.
..........................................
* إني لأتطلّع لذلك اليوم الذي يأتي فيه حكم وطني حقيقي يقود العراق, كي يُنصِف أولئك الرجال الأبطال الغيارى الصناديد, ويجعل من قصصهم مثلا وعبرة وفخرا تتردّد على كل شفة ولسان. ويتم استذكار تضحياتهم ومآثرهم في كتب التاريخ والتربية الوطنية, لتخليد ذكراهم وبطولاتهم في أذهان الأجيال القادمة من العراقيين.
** وقع النقيب حسين علي هيلان التكريتي في الأسر في آذار 1982, خلال معركة الشوف - ديزفول, ولم يرجع للوطن أبدًا, إذ قضى نحبه في معتقلات الخمينيّين القرامطة المجرمين. وقد حرّم والده أن يركب أحد سيارة(الماليبو)التي كان قد استلمها قبل فترة وجيزة من أسره. وبقي يترقّب مجيئه حتى مات كمدًا ولحق بولده بعد سنوات من الألم والحزن والانتظار.

768 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع