حين دخل العقل إلى فضاء النص

بقلم المهندس نذير آل حويز

حين دخل العقل إلى فضاء النص

ماذا يحدث عندما يقرأ عقلان النص القرآني نفسه، ثم يخرجان بمعنيين مختلفين؟ لكنهما عندما يقرآن نصًا آخر يتطابق فهمهما لمغزاه. فهل تكمن المعضلة في الأدوات التاريخية والإيمانية، أم أنها معضلة عقلية في أصلها؟

لكي نسلط الضوء على هذه المعضلة، لا بد من الرجوع إلى القرن الثاني والثالث الهجري، حين كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة واسعة من النشاط العلمي والفكري في العصر العباسي. اتسعت حركة التأليف والمناظرة والترجمة، وتداخلت علوم اللغة والحديث والتفسير والكلام والفلسفة. ولم يعد السؤال فقط: ماذا يقول النص؟ بل أصبح السؤال: كيف نفهم ما يقوله النص؟ وما زالت تلك المرحلة تلقي بظلالها الفكرية والعقائدية إلى يومنا هذا.

لقد خاض مفكرو تلك الحقبة في وضع أسس لقراءة القرآن وفهمه، فكانت أقوال السلف والتابعين ومروياتهم مدخلًا إلى المعاني، ولا سيما في المتشابه منها، كما أصبحت اللغة بصرفها ونحوها، والقراءات، والروايات وأسباب النزول، أدوات أساسية في بناء الفهم. ثم دخل علم الكلام بأدوات الاستدلال، ورافقه الجدل العقلي. ومع اتساع حركة الترجمة والاحتكاك بالتراث الديني والفلسفي السابق للإسلام، دخلت مفاهيم جديدة كالعلة والمعلول والجوهر والعرض والنفس والعقل والبرهان، ومنطق الإغريق بتنوع مدارسه. فلم تكن المسألة انتقالًا عابرًا في الكلمات فقط، بل انتقالًا في طريقة التفكير بمجملها.

علمًا أننا لا نجد في الموروث عن الجيل الأول ذلك التخاصم المعرفي الواسع الذي ظهر لاحقًا، وكأن النص كان قد استقر في دائرة الفهم والموروث. ثم جاءت تلك الأمواج الفكرية، فبدأ النص وكأنه يُستدعى إلى قاعة التحقيق من جديد، ويُطلب منه أن يجيب عن أسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها من قبل.

خذ قوله تعالى: «الرحمن على العرش استوى». قد يبحث اللغوي في معنى الاستواء في العربية وسياق الآية، بينما يسأل المتكلم: كيف نفهم اللفظ من غير أن ننسب إلى الله مكانًا أو جهة؟ وفي قوله تعالى: «يد الله فوق أيديهم» يظهر السؤال نفسه: هل تحمل اليد على ظاهرها، أم تكون كناية عن القدرة أو التأييد؟ وإذا قلنا إنها مجاز، فمن الذي يقرر ذلك؟ اللغة أم السياق أم العقيدة أم العقل؟

لكن المعضلة تصبح أعمق عندما نصل إلى الإنسان نفسه: «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله». إذا كانت مشيئة الإنسان لا تقع إلا ضمن مشيئة الله، فأين تبدأ حرية الإنسان وأين تنتهي مسؤوليته؟ هنا لم يعد الخلاف في معنى كلمة، بل أصبح سؤالًا عن الحرية والقدر والعدل. ومن هنا بدأت تتشكل أصول الفقه والعقيدة، ثم تبلورت المدارس الفكرية التي تحولت مع الزمن إلى مذاهب واتجاهات دينية.

ثم تأتي قصة موسى والعبد الصالح لتضع العقل أمام مأزق أشد. قتل الغلام فعل يبدو في ظاهره مخالفًا للحكم الأخلاقي، ثم يكشف النص عن معرفة خفية تفسر ما حدث. فهل يستطيع الإنسان أن يحكم على فعل لا يعرف كل أسبابه ونتائجه؟ وهل يتغير حكمنا الأخلاقي عندما تتغير معرفتنا؟

حتى إبليس يضع العقل أمام امتحان آخر. قال: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين». لم يكن الخطأ في أنه فكّر، بل في المعيار الذي جعل منه أساسًا للحكم. فقد قاس القيمة بأصل المادة، ثم بنى على ذلك نتيجة تتجاوز مقدمته. وهنا يصبح السؤال أكثر جوهرية: أين يقع الخطأ في التفكير؟ في المعلومة، أم في المعيار، أم في الطريقة التي نربط بها المقدمات بالنتائج؟

في هذا المناخ ازداد حضور علم الكلام، وكانت المعتزلة من أبرز مدارسه العقلية. ولم تظهر في القرن الثالث، بل تعود جذورها إلى القرن الثاني، غير أن القرن الثالث شهد اتساعًا كبيرًا في مباحثها، وبرز فيه أبو الهذيل العلاف وإبراهيم النظام وبشر بن المعتمر والجاحظ.

ثم جاءت قضية خلق القرآن لتكشف مدى اتساع المعضلة. فلم يعد السؤال متعلقًا بتفسير لفظ أو آية، بل أصبح سؤالًا عن صفة الكلام الإلهي وعلاقة القديم بالمحدث. وهنا تجاوز النقاش حدود التفسير إلى طبيعة الكلام الإلهي نفسه.

لم يكن العقل عند المتكلمين خصمًا للنص، بل أداة لفهمه والدفاع عن العقيدة. لكن السؤال الذي بقي مفتوحًا هو: متى يكون العقل أداة لفهم النص، ومتى يتحول إلى سلطة عليه؟

إذا جعلنا ظاهر النص وحده معيارًا للفهم، أغلقنا الباب أمام أسئلة يفرضها العقل والمعرفة. وإذا جعلنا العقل قادرًا على إعادة تشكيل كل معنى، أصبح النص تابعًا للعقل.

وربما تكون المعضلة أعمق من ذلك كله. فإذا كان العقل هو الأداة التي نفهم بها النص، فكيف نعرف أن العقل لم يُدخل افتراضاته الخاصة إليه؟ وإذا اختلف عقلان في فهم النص، فمن الذي يملك حق الحكم بينهما؟

عندها لا يعود السؤال: من ينتصر، النص أم العقل؟ بل يصبح السؤال الأصعب: هل نحن نفهم النص كما هو، أم نفهم الصورة التي صنعها عقلنا عنه؟

فربما لم يكن التعارض بين النص والعقل، وإنما بين النص وفهمنا له، وبين العقل والمقدمات التي بنينا عليها أحكامنا. والحقيقة لا تحتاج إلى عقل ينتصر على النص، ولا إلى نص يُستخدم لإلغاء العقل، بل إلى إنسان يعرف حدود فهمه، ويبحث عن الحقيقة دون أن يحوّل فهمه لها إلى حقيقة مغلقة

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1225 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع