
فنجان قهوة مع سميرة الجريسي .. أربعة عقود في صناعة الإنسان


هناك شخصيات لا يمكن اختزالها في منصب، ولا تعريفها بشهادة، لأنها صنعت حضورها بما تركته من أثر في حياة الناس. وعندما يكون الحديث عن التربية، يبرز اسم الأستاذة التربوية الدكتورة سميرة عزيز محمود الجريسي بوصفها واحدة من الشخصيات التي كرّست أكثر من أربعة عقود لبناء الأجيال وصناعة الوعي.
ولدت في مدينة الموصل عام 1954، ونشأت في محلة الكوازين، وتخرجت في كلية الزراعة والغابات بجامعة الموصل، ثم حصلت على الماجستير في تغذية الدواجن، كما مُنحت الدكتوراه الفخرية في طرائق التدريس من الجامعة البريطانية.
تنقلت بين ميادين التدريس والإدارة والإشراف التربوي حتى تولت إدارة الإشراف الاختصاصي في تربية نينوى، وشغلت العديد من المواقع القيادية، ونالت أكثر من (150) كتاب شكر وتقدير وعشرات الدروع والشهادات، تقديراً لمسيرة امتدت لعقود من العمل المخلص.
ولم تكن حياتها المهنية وحدها حافلة بالتجارب، فقد واجهت امتحاناً إنسانياً بالغ القسوة حين فُقد زوجها اللواء الركن موفق محمد صديق العنزي لأكثر من عشرين عاماً، لكنها واجهت المحنة بالصبر والإيمان، وواصلت أداء رسالتها، حتى غدت مثالاً للمرأة التي جمعت بين قوة الإرادة والنجاح المهني.
في هذا اللقاء، نرتشف معها فنجان قهوة، لنقترب من الإنسانة التي آمنت بأن التعليم رسالة، وأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان.
1. حين يُذكر اسم الدكتورة سميرة الجريسي، تحضر في الأذهان مسيرة طويلة من العطاء التربوي والإنساني. بعيداً عن السيرة الذاتية والألقاب... من هي سميرة الجريسي كما تعرف نفسها؟
أرى أن الإنسان لا يُعرَّف بما يحمله من ألقاب أو بما يشغله من مناصب، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
وإذا أردت أن أقدّم نفسي بعيداً عن كل المسميات، فسأقول إنني امرأة آمنت منذ بداياتي بأن التربية ليست وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل رسالة ترافق صاحبها طوال العمر. وقد كنت محظوظة لأنني نشأت في الموصل، المدينة التي غرست في داخلي حب العلم والانتماء واحترام المعرفة، فكان ذلك الأساس الذي بنيت عليه مسيرتي.
لم يكن هدفي يوماً الوصول إلى منصب أو البحث عن لقب، بل أن أكون سبباً في فتح نافذة أمل أمام طالب، أو غرس قيمة في نفس طالبة، أو دعم زميل في أداء رسالته.
وحتى اليوم، وبعد سنوات طويلة من العمل، ما زلت أتعلم من الحياة، لأنني أؤمن أن الإنسان ما دام يطلب المعرفة فإنه يظل قادراً على العطاء.
وأحسب أن أجمل تعريف يمكن أن أقدمه لنفسي هو أنني امرأة كرّست حياتها لخدمة الإنسان من خلال التربية، وما زالت ترى أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه المرء هو أن يترك أثراً طيباً يبقى بعد رحيله.
2- يقال إن هناك لحظة فاصلة يدرك فيها الإنسان حقيقة رسالته في الحياة. متى شعرتِ أن التربية بالنسبة لكِ لم تعد مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية؟
كانت تلك اللحظة عندما وقفت لأول مرة أمام طالباتي داخل الصف. لم أرَ مجرد أسماء مدونة في سجل المدرسة، بل وجوهاً تحمل أحلاماً غضة، وعقولاً تنتظر من يفتح لها أبواب المعرفة، ونفوساً تبحث عمّن يغرس فيها الثقة والأمل.
منذ ذلك اليوم، تغيّرت نظرتي إلى التعليم. لم أعد أراه وظيفة تؤدى ضمن ساعات الدوام، بل رسالة تمتد آثارها إلى ما بعد المدرسة، لأن المربي لا يكتفي بتدريس المناهج، وإنما يشارك في بناء الشخصية، وترسيخ القيم، وتنمية روح المسؤولية.
ومع مرور السنوات، ازددت يقيناً بأن الكلمة الصادقة، والقدوة الحسنة، والاهتمام الحقيقي بالطالب، قد تترك أثراً يبقى في ذاكرته مدى الحياة. لذلك أعدّ نجاح طلبتي واستقامتهم في حياتهم أعظم مكافأة يمكن أن ينالها أي مربٍ.
3- يشهد العالم تغيرات متسارعة في المعرفة والتقنيات. كيف تنظرين إلى واقع التربية اليوم؟ وأين تكمن أبرز التحديات أمام الأسرة والمدرسة؟
نعيش اليوم في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لكن كثرة المعرفة لا تعني بالضرورة ازدياد الوعي. فهناك فرق كبير بين امتلاك المعلومة، والقدرة على فهمها وتوظيفها بصورة صحيحة.
ومن هنا أرى أن التحدي الأكبر لم يعد تعليم الأبناء فقط، بل إعدادهم ليكونوا قادرين على التفكير، والتمييز، واتخاذ القرار، والمحافظة على هويتهم في عالم مفتوح تتعدد فيه المؤثرات.
كما أن مسؤولية التربية لم تعد تقع على المدرسة وحدها، بل أصبحت شراكة حقيقية بينها وبين الأسرة. فإذا تكامل دورهما، نشأ جيل يمتلك العلم، ويستند إلى منظومة من القيم، ويعرف كيف يتعامل مع متغيرات العصر بثقة واتزان.
فالأمم لا تتقدم بعدد الشهادات التي يحملها أبناؤها، وإنما بقدرتهم على تحويل المعرفة إلى عمل نافع، وسلوك مسؤول، وإسهام حقيقي في نهضة مجتمعاتهم.
4- من واقع خبرتك الطويلة، ما المرحلة العمرية الأكثر تأثيراً في تكوين شخصية الإنسان؟ ولماذا؟
أعتقد أن الطفولة المتأخرة ومرحلة المراهقة تمثلان الركيزة الأساسية في تشكيل شخصية الإنسان، ففيهما تتكون القناعات الأولى، وتتحدد ملامح الهوية، ويبدأ الفرد في بناء علاقته بنفسه وبمن حوله.
وخلال هذه المرحلة، لا يحتاج الأبناء إلى من يزودهم بالمعلومات فقط، بل إلى من يمنحهم الثقة، ويستمع إليهم، ويحتوي تساؤلاتهم، ويشجعهم على التعبير عن أفكارهم دون خوف.
أما المراهق، فهو يحتاج إلى الحوار أكثر من التوجيه المباشر، وإلى القدوة أكثر من كثرة النصائح. وعندما يشعر بالاحترام والتقدير، يصبح أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات السليمة.
ومن تجربتي، فإن ما يُزرع في هذه السنوات من قيم ومبادئ وثقة بالنفس، يرافق الإنسان طوال حياته، ويظهر أثره في شخصيته واختياراته ومستقبله.
5- لو خُيّرتِ بين المعرفة والقيم والاحتواء، فما الذي يحتاجه أبناؤنا اليوم أكثر؟
في الحقيقة، لا أرى أن هذه العناصر يمكن أن تنفصل عن بعضها، لأنها تشكل معاً شخصية الإنسان المتوازنة.
فالمعرفة تفتح أمامه آفاق المستقبل، لكنها تحتاج إلى القيم لتوجهها نحو الخير، كما يحتاج إلى الاحتواء ليشعر بالأمان والانتماء والثقة بنفسه.
قد تصنع المعرفة متخصصاً متميزاً، لكن القيم هي التي تجعل منه إنساناً مسؤولاً، أما الاحتواء فهو الذي يمنحه القدرة على تجاوز التحديات، والنهوض بعد الإخفاق، والإيمان بقدراته.
ومن هنا فإن التربية الناجحة لا تقتصر على تحقيق التفوق الدراسي، بل تهدف إلى إعداد جيل يجمع بين العلم والأخلاق، وبين الطموح والإنسانية، ليكون قادراً على خدمة وطنه ومجتمعه بعلم نافع وسلوك راقٍ.
6- بصفتكِ تربوية وقائدة إدارية، كيف كنتِ تحققين التوازن بين الحزم والاحتواء داخل المؤسسة التعليمية؟
أدركت منذ سنواتي الأولى في الإدارة أن الحزم والرحمة ليسا طرفين متناقضين، بل يكمل أحدهما الآخر. فالنظام يمنح المؤسسة استقرارها، بينما يمنحها الاحتواء روحها الإنسانية.
كنت أحرص على أن يشعر الطالب، قبل المعلم، بأن العدالة أساس كل قرار، وأن الاحترام حق للجميع. فالمؤسسة التعليمية لا تُدار بالأوامر وحدها، بل تُبنى بالثقة والتواصل وحسن الإصغاء.
ولم أكن أرى في الانضباط وسيلة للعقاب، وإنما طريقاً لترسيخ المسؤولية، كما أن الاحتواء لا يعني التهاون، بل فهم الظروف ومساعدة الإنسان على تجاوزها دون الإخلال بالقيم والأنظمة.
ومن أجمل ما تعلمته أن الكلمة الطيبة قد تحقق ما لا تحققه العقوبات، وأن احترام الإنسان يفتح القلوب قبل أن يفرض الالتزام.
7- الإدارة مسؤولية قبل أن تكون منصباً. ما أجمل ما منحك هذا الموقع؟ وما أصعب ما حملك إياه؟
لم أنظر إلى الإدارة يوماً بوصفها امتيازاً شخصياً، وإنما تكليفاً يحمّل صاحبه مسؤولية مضاعفة تجاه المؤسسة ومن يعمل فيها.
وأجمل ما منحني هذا الموقع هو القدرة على إحداث تغيير إيجابي، سواء في بيئة العمل أو في تطوير الأداء أو في دعم الكفاءات الشابة ومنحها الفرصة لتثبت قدراتها.
أما أصعب ما رافق هذه المسؤولية، فهو اتخاذ القرارات التي تمس حياة الآخرين ومستقبلهم. فكل قرار يحتاج إلى دراسة وعدالة وتجرد، لأن أثره قد يمتد لسنوات.
لهذا كنت أحرص دائماً على أن يكون الضمير حاضراً قبل أي قرار، وأن أوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق الأفراد، فالإدارة الناجحة في نظري هي التي تترك خلفها فريقاً أكثر تماسكاً، ومؤسسة أكثر قوة، وبيئة عمل يسودها الاحترام والثقة.
8- ما المبادئ التي حافظتِ عليها طوال مسيرتك، وكانت زادكِ في مواجهة ضغوط العمل وتحدياته؟
هناك مبادئ أصبحت جزءاً من شخصيتي قبل أن تكون قواعد للعمل، وفي مقدمتها الإخلاص، والصدق، والعدالة، واحترام الإنسان، والإيمان بأن التعلم لا يتوقف عند مرحلة معينة.
كنت أحرص على أن أؤدي واجبي بإتقان، وأن أتعامل مع الجميع بروح واحدة بعيداً عن المجاملة أو التمييز، لأن التربية لا تستقيم إلا إذا شعر الجميع بالإنصاف.
كما كنت أؤمن بأن تطوير الذات مسؤولية مستمرة، فكل تجربة تضيف إلى الإنسان شيئاً جديداً، وكل يوم يحمل فرصة لاكتساب معرفة أو خبرة جديدة.
ولعل أكثر ما منحني القدرة على الاستمرار هو شعوري بأن كل جهد يُبذل في خدمة التعليم إنما هو استثمار في مستقبل الوطن، وأن أثر العمل المخلص يبقى حتى وإن غاب صاحبه.
9- لكِ تجربة في الكتابة أيضاً. ماذا أضاف القلم إلى رسالتك التربوية؟ وهل ما زلتِ تؤمنين بقدرة الكلمة على صناعة الوعي؟
الكتابة بالنسبة لي امتداد طبيعي للعمل التربوي، فهي وسيلة أخرى للتواصل مع الناس، لكنها تخاطب المجتمع بأسره، لا قاعة دراسية واحدة.
كنت أجد في القلم مساحة للتعبير عن الأفكار، ونقل الخبرات، وإثارة الأسئلة التي تدفع القارئ إلى التفكير والتأمل. فالكلمة الصادقة قد تبني وعياً، وتصحح مفهوماً، وتمنح إنساناً أملاً جديداً.
واليوم، رغم هيمنة الوسائل الرقمية، ما زلت أرى أن للكلمة تأثيراً لا يفقد قيمته، لأن الأفكار هي التي تصنع التحولات الكبرى في حياة الشعوب، وكل نهضة حقيقية تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى مشروع، ثم إلى واقع.
ولهذا أتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية، لأن ما يُكتب يبقى شاهداً على صاحبه، ويترك أثره فيمن يقرأه.
10- في زمن السرعة والتقنيات الحديثة، كيف يمكن أن نعيد للقراءة مكانتها في حياة الشباب؟
لا أعتقد أن المشكلة تكمن في وجود التقنيات الحديثة، فهي أصبحت جزءاً من حياتنا، وإنما في طريقة استخدامها.
فالقراءة ليست عادة ثقافية فحسب، بل هي أسلوب لبناء الفكر، وتوسيع الأفق، وتعميق القدرة على التحليل والنقد.
ولكي نعيد الشباب إلى الكتاب، علينا أن نغرس حب القراءة منذ الطفولة، وأن نقدمها لهم بوصفها متعة واكتشافاً، لا واجباً مدرسياً أو نشاطاً مفروضاً.
كما أن الأسرة والمدرسة تتحملان مسؤولية كبيرة في هذا الجانب، من خلال توفير بيئة تشجع على القراءة، والاحتفاء بالكتاب، وربط المعرفة بالحياة اليومية.
فالكتاب لا يمنح الإنسان معلومات جديدة فقط، بل يساعده على فهم ذاته، واحترام اختلاف الآخرين، وصناعة قرارات أكثر وعياً. ولهذا ستبقى القراءة، مهما تغيرت الوسائل، واحدة من أهم مفاتيح بناء الإنسان.
11- كيف تنظرين إلى دور المرأة في صناعة الوعي داخل الأسرة والمجتمع؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها لكل امرأة؟
أؤمن بأن المرأة ليست شريكاً في بناء المجتمع فحسب، بل هي نقطة البداية في تشكيل وعيه. فمن بين يديها يتعلم الطفل أولى كلماته، ومنها يكتسب قيمه الأولى، وفي كنفها تتكون شخصيته قبل أن ينتقل إلى المدرسة.
وقد أثبتت المرأة العراقية، ولاسيما المرأة الموصلية، قدرتها على مواجهة أصعب الظروف، وتحويل المحن إلى دافع للعطاء والعمل، فكانت الأم والمربية والمعلمة والطبيبة والإدارية، تؤدي أدوارها بإخلاص وإرادة لا تلين.
ورسالتي لكل امرأة أن تجعل العلم رفيقاً دائماً لها، وأن تؤمن بقدرتها على صناعة التغيير، فالمعرفة تمنحها القوة، والثقافة توسع آفاقها، والأخلاق تحفظ أثرها.
وأعتقد أن أعظم ما يمكن أن تقدمه المرأة لوطنها هو أن تسهم في إعداد أجيال تؤمن بالعلم، وتحترم الإنسان، وتتمسك بقيمها مهما تبدلت الظروف.
12- مرت الموصل بسنوات عصيبة تركت آثارها في كل شيء. كيف انعكست تلك التجارب على رسالتك التربوية؟
ما مرت به الموصل لم يكن حدثاً عابراً، بل تجربة تركت جراحاً عميقة في نفوس أبنائها، لكنها كشفت أيضاً عن قوة الإنسان عندما يتمسك بالأمل.
بعد تلك المرحلة، أصبحت مسؤوليتنا التربوية أكبر من مجرد تقديم الدروس، لأن أبناءنا كانوا بحاجة إلى من يعيد إليهم الشعور بالأمان والثقة بالمستقبل.
عملنا على أن تكون المدرسة مكاناً يستعيد فيه الطالب توازنه النفسي، ويشعر بأنه قادر على تجاوز ما مر به، وأن العلم سيظل الطريق الأصدق لإعادة بناء الحياة.
لقد تعلمنا أن إعمار المدن يبدأ بإعمار الإنسان، وأن بناء العقول لا يقل أهمية عن إعادة بناء الحجر، فحين تستعيد المدرسة رسالتها، يبدأ المجتمع كله باستعادة عافيته.
13- ماذا تعلمتِ من الموصل، المدينة التي نهضت من الألم وما زالت تؤمن بأن العلم طريق الحياة؟
تعلمت من الموصل أن قوة المدن لا تقاس بما تمتلكه من مبانٍ، بل بما تحمله من إرث علمي وثقافي، وبقدرة أبنائها على النهوض بعد كل محنة.
علمتني أن الصمود ليس مجرد احتمال للألم، بل قدرة على تحويل التجربة إلى دافع للعمل، وأن الثقافة والعلم هما السلاح الحقيقي في مواجهة الجهل والتطرف واليأس.
وكلما تأملت تاريخ هذه المدينة، ازددت يقيناً بأنها ستظل منارة للعلم، لأنها أنجبت أجيالاً آمنت بأن المعرفة أساس الحضارة، وأن الإنسان الواعي هو الثروة الحقيقية لأي وطن.
ولهذا ستبقى الموصل بالنسبة لي أكثر من مدينة ولدت فيها؛ إنها هوية وانتماء وذاكرة جميلة، ومدرسة تعلمت فيها أن خدمة الإنسان هي أسمى صور الانتماء.
14- لو أتيح لكِ أن تضعي رسالة واحدة في حقيبة كل طالب وطالبة، فماذا ستكتبين؟
سأكتب لهم:
"يا أبنائي وبناتي... اجعلوا الأخلاق رفيقة العلم، ولا تجعلوا النجاح يقاس بالدرجات أو المناصب وحدها، بل بما تقدمونه من خير للناس.
اقرؤوا كثيراً، واسعوا إلى المعرفة بشغف، ولا تتوقفوا عن التعلم مهما بلغتم من المراتب، فكل يوم يحمل فرصة جديدة للنمو.
ثقوا بقدراتكم، وتمسكوا بأحلامكم، ولا تسمحوا للإخفاق أن يثنيكم عن مواصلة الطريق، فكل تجربة تزيد الإنسان قوة وخبرة.
كونوا أوفياء لوطنكم، واحملوا مسؤولية بنائه بعقولكم وأخلاقكم، وتذكروا دائماً أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو أثره الطيب في حياة الآخرين."
15- ونحن نختتم هذا اللقاء مع فنجان القهوة... ما الحلم الذي ما زالت سميرة الجريسي تسعى إلى تحقيقه؟
كلما سُئلت عن أحلامي، أجد أنني لا أفكر في أمنية شخصية بقدر ما أفكر في مستقبل الأجيال.
حلمي أن أرى مؤسساتنا التعليمية أكثر قدرة على صناعة الإبداع، وأن يصبح التعليم مشروعاً وطنياً يبني الإنسان قبل أن يمنحه الشهادة، ويغرس فيه روح المسؤولية قبل البحث عن الوظيفة.
كما أتمنى أن تستعيد الموصل، والعراق عموماً، مكانتهما العلمية والثقافية، وأن يكون الاستثمار في التعليم والمعرفة في مقدمة أولويات المجتمع، لأن الأمم لا تنهض إلا بعقول أبنائها.
أما على المستوى الشخصي، فأرجو من الله أن أترك أثراً طيباً يبقى بعدي؛ علماً ينتفع به، وخبرة يستفيد منها الآخرون، وذكريات جميلة في قلوب من عملت معهم أو علمتهم.
فالإنسان يرحل يوماً، لكن ما يقدمه من خير يبقى حاضراً في حياة الناس، وتلك هي الغاية التي سعيت إليها طوال مسيرتي، وما زلت أحمد الله أن وفقني للسير في طريق أعدّه أشرف الطرق... طريق التربية والتعليم.
ختام الحوار
وهكذا انتهى فنجان القهوة مع الدكتورة سميرة عزيز محمود الجريسي، لكن حديثها عن التربية لم يكن مجرد استعراض لمسيرة مهنية، بل شهادة إنسانية تختزل أكثر من أربعة عقود من العطاء، وتجربة تؤكد أن التعليم رسالة تُبنى بها الأوطان قبل أن تُبنى بها المدارس.
في كلماتها حضرت الموصل بتاريخها، وحضر الإنسان بقيمه، وحضر الإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، وأن أثر المربي يبقى حياً في تلاميذه، مهما تعاقبت السنوات.
شكراً للدكتورة سميرة الجريسي على هذا اللقاء الثري، وعلى رحلة حملت الكثير من الحكمة والخبرة والوفاء للمهنة، والشكر موصول لقراء مجلة الكاردينيا الثقافية، على أمل أن نلتقي في فنجان قهوة جديد مع شخصية أخرى تركت بصمتها في ميادين الفكر والثقافة والإبداع.

856 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع