
روبيرت ملحم
من هرمز إلى العواصم الخليجية: استراتيجية إيران لنشر الفوضى!!
مع اتساع دائرة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تجد دول الخليج نفسها مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية لا تملك ترف تجاهلها. فالجغرافيا السياسية حكمت على هذه الدول بأن تكون الجار الأقرب لإيران، والشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في المنطقة، الأمر الذي يجعلها المتضرر الأول من أي صدام بين الطرفين، سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.
التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران، والذي شهد تبادلاً للضربات العسكرية وتهديدات متبادلة باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع دول الخليج البقاء خارج دائرة النار إذا تحولت المواجهة من جديد إلى حرب مفتوحة؟ وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع لم يعد مقتصراً على الملف النووي الإيراني أو الخلافات التقليدية بين البلدين، بل بات صراعاً على شكل النظام الإقليمي ومستقبل النفوذ في الشرق الأوسط.
منذ سنوات طويلة، اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على نقل ساحات المواجهة بعيداً عن حدودها عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في عدد من دول المنطقة، ولذلك فإن أي مواجهة أمريكية إيرانية لا تبقى محصورة بين دولتين، بل تمتد تلقائياً إلى الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية وخطوط التجارة الدولية، وهي جميعها تقع في محيط الخليج العربي أو ترتبط به بشكل مباشر.
وتدرك دول الخليج أن الخطر لا يكمن فقط في الصواريخ والطائرات المسيرة، بل في احتمال تحول أراضي المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فالقواعد العسكرية الأجنبية الموجودة في بعض دول الخليج قد تصبح أهدافاً محتملة لأي رد إيراني، كما أن البنية التحتية النفطية والاقتصادية تبقى الأكثر حساسية في أي تصعيد واسع النطاق، وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن التوتر العسكري انعكس فوراً على أسواق المال والطاقة في المنطقة، وهو ما يؤكد حجم الترابط بين الأمن والاستقرار الاقتصادي.
وعلى الرغم من أن دول الخليج سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيف حدة التوتر مع طهران عبر الحوار والانفتاح الدبلوماسي، فإن الأحداث الجارية تثبت أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، فالمشكلة الأساسية لا تتعلق بالخلافات الثنائية فحسب، بل بطبيعة المشروع الإقليمي الإيراني القائم على توسيع النفوذ السياسي والعسكري خارج الحدود الوطنية، وهو ما تعتبره العواصم الخليجية تهديداً مباشراً لمبدأ سيادة الدول واستقرارها.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة مصممة على منع إيران من امتلاك أوراق قوة استراتيجية إضافية، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو البحري، ومع استمرار تبادل الضربات والتصريحات التصعيدية، ترتفع احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية، وهو السيناريو الأكثر خطورة على المنطقة بأسرها.
إن التحدي الأكبر أمام دول الخليج اليوم لا يتمثل فقط في حماية حدودها ومنشآتها الحيوية، بل في المحافظة على مشروعها التنموي الضخم الذي جعلها مركزاً عالمياً للاستثمار والطاقة والتجارة، فالحروب لا تهدد الأمن العسكري فقط، بل تهدد الثقة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة.
وفي حال استمرت الحرب الأمريكية الإيرانية واتسعت رقعتها، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن كل ما سبقها، مرحلة قد تشهد إعادة رسم لموازين القوى، وتراجعاً لنفوذ أطراف وصعود أخرى، وربما إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة بأكملها. أما دول الخليج، فستبقى أمام معادلة صعبة: الدفاع عن أمنها القومي من جهة، والحفاظ على استقرارها الاقتصادي ومسارها التنموي من جهة أخرى.

692 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع