ريال مدريد وبرشلونة .. كيف وُلدت أسطورة الكلاسيكو؟.

قرن من المجد والكلاسيكو

العرب/فاتن معتوق:لم تبدأ قصة ريال مدريد وبرشلونة باعتبارهما عملاقين عالميين، ولم يكن أحد في البدايات يتوقع أن يتحول اسما الناديين إلى علامتين تختصران جانبًا كبيرًا من تاريخ كرة القدم. كان كل منهما مشروعًا رياضيًا صغيرًا في إسبانيا مطلع القرن العشرين، قبل أن تتسع الدائرة تدريجيًا، وتدخل البطولات، والنجوم، والمدربون، والمدرجات، والإعلام في صناعة منافسة تجاوزت حدود الملاعب.

ولد برشلونة أولًا عام 1899 بمبادرة من السويسري جوان غامبر ومجموعة من اللاعبين، في مدينة كانت تشهد نموًا رياضيًا واجتماعيًا سريعًا. وبعد ثلاث سنوات، تأسس ريال مدريد عام 1902 في العاصمة الإسبانية. وبين تاريخي التأسيس بدأت رحلتان مختلفتان، ستلتقيان لاحقًا في واحدة من أكثر المواجهات شهرة في الرياضة العالمية.

احتاج الناديان إلى سنوات طويلة قبل أن تتبلور شخصيتهما الرياضية. كانت كرة القدم الإسبانية في بدايات القرن الماضي تبحث عن شكلها، والبطولات لم تكن تملك بعد التنظيم والاستمرارية اللذين تعرفهما اليوم. ومع تأسيس الدوري الإسباني عام 1929، أصبح الطريق مفتوحًا أمام الأندية الكبرى لبناء منافسة أكثر انتظامًا، وكان ريال مدريد وبرشلونة في مقدمة الفرق التي استفادت من هذا التحول.

في مدريد، ارتبط صعود النادي تدريجيًا بفكرة بناء فريق قادر على المنافسة محليًا ثم البحث عن مساحة أكبر خارج الحدود. وجاء حصوله على لقب “ريال” عام 1920 ليضيف إلى هويته اسمًا سيصبح لاحقًا واحدًا من أشهر الأسماء في الرياضة العالمية. لكن التحول الحقيقي لم يحدث إلا بعد عقود، عندما بدأت كرة القدم الأوروبية نفسها تتغير.

في خمسينيات القرن الماضي، ظهر ريال مدريد بصورة مختلفة تمامًا. ومع انطلاق كأس الأندية الأوروبية، امتلك النادي فريقًا جمع أسماء استثنائية، كان في مقدمتها ألفريدو دي ستيفانو وفرانشيسكو خينتو وفيرينتس بوشكاش. وبين 1956 و1960، فرض الفريق نفسه بطلًا للنسخ الخمس الأولى من المسابقة، ليضع أساس العلاقة الخاصة التي ستربطه لاحقًا بكرة القدم الأوروبية.

لم يكن دي ستيفانو مجرد هداف أو لاعب وسط مهاجم، بل كان لاعبًا يتحرك في مناطق متعددة من الملعب ويشارك في صناعة الهجمة واستكمالها، وهو ما جعله أحد أبرز وجوه ريال مدريد في تلك الحقبة. أما خينتو، فكان جزءًا من الفريق الذي كتب الصفحة الأوروبية الأولى للنادي، قبل أن تتوالى الأجيال وتتغير الأسماء ويبقى الهدف نفسه: العودة إلى القمة.

وعلى الجانب الآخر، كان برشلونة يطوّر شخصيته الخاصة. لم يكن طريقه إلى المجد الأوروبي مطابقًا لطريق غريمه، لكنه امتلك أسماء أسهمت في تحويله إلى قوة كروية كبرى. وكان المجري لاديسلاو كوبالا أحد أبرز هؤلاء، بعدما أصبح خلال خمسينيات القرن الماضي نجمًا رئيسيًا في الفريق، قبل أن تظهر لاحقًا أجيال أخرى أعادت تشكيل هوية النادي.

ثم جاء يوهان كرويف، أولًا كلاعب ثم مدربًا، ليترك واحدة من أكثر البصمات عمقًا في تاريخ برشلونة. وصوله لاعبًا عام 1973 تزامن مع فوز الفريق بالدوري الإسباني، قبل أن يعود إلى النادي مدربًا ويقود مشروعًا جعل طريقة اللعب جزءًا أساسيًا من هوية برشلونة، لا مجرد وسيلة للوصول إلى النتائج.


تحت قيادة كرويف، ظهر فريق ضم أسماء مثل بيب غوارديولا ورونالد كومان وخريستو ستويتشكوف وميتشيل لاودروب. وفي عام 1992، توج برشلونة بأول لقب له في كأس الأندية الأوروبية، عندما سجل كومان هدف الفوز أمام سامبدوريا في ملعب ويمبلي. كان اللقب نقطة تحول مهمة في تاريخ النادي، لكنه لم يكن سوى بداية مرحلة أكبر.

فالذي زرعه كرويف في برشلونة استمر بعد رحيله، وانتقل من جيل إلى آخر عبر أكاديمية «لا ماسيا». ومن هناك خرج لاعبون أصبحوا لاحقًا جزءًا من الفريق الأول، بينهم غوارديولا نفسه ثم تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وليونيل ميسي وسيرخيو بوسكيتس. ومع الوقت، تحولت الأكاديمية إلى أحد أبرز مصادر القوة في النادي.

وفي عام 2008، تولى غوارديولا تدريب الفريق الأول، فوجد أمامه مجموعة من اللاعبين القادرين على تنفيذ فلسفة تقوم على الاحتفاظ بالكرة والتحرك المستمر والضغط بعد فقدانها. وفي موسمه الأول، حقق برشلونة ستة ألقاب، في إنجاز وضع الفريق ضمن أكثر الفرق تأثيرًا في كرة القدم الحديثة.

كان ميسي الوجه الأبرز لذلك التحول. اللاعب الذي وصل إلى برشلونة طفلًا وتدرج في أكاديميته تحول إلى الهداف التاريخي للنادي، وارتبط اسمه بسنوات طويلة من الانتصارات والأرقام الفردية. وإلى جواره، كان تشافي وإنييستا وبوسكيتس يمثلون قلب المنظومة التي جعلت برشلونة أحد أكثر الفرق تميزًا في التحكم بإيقاع المباريات.

وفي مدريد، كان المسار يأخذ شكلًا مختلفًا. دخل فلورنتينو بيريز رئاسة النادي في مطلع الألفية الجديدة، وارتبط اسمه بسياسة استقطاب النجوم العالميين. لويس فيغو، زين الدين زيدان، رونالدو البرازيلي وديفيد بيكهام كانوا من أبرز الأسماء التي ارتدت القميص الأبيض في مرحلة “الغلاكتيكوس”، وهي مرحلة ساهمت في توسيع الحضور العالمي للنادي، حتى عندما لم تكن النتائج الرياضية دائمًا بمستوى حجم تلك التعاقدات.

ثم وصل كريستيانو رونالدو عام 2009، لتبدأ واحدة من أكثر الفترات حضورًا في تاريخ ريال مدريد الحديث. لم يكن تأثير اللاعب البرتغالي مقتصرًا على تسجيل الأهداف؛ فقد أصبح محورًا لمشروع رياضي امتلك القدرة على منافسة برشلونة في إسبانيا، ومقارعة كبار أوروبا، وتحقيق أربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا مع النادي.

وخلف رونالدو ظهرت مجموعة أخرى من اللاعبين الذين شكلوا أساس المرحلة الذهبية التالية: سيرخيو راموس في الدفاع، لوكا مودريتش وتوني كروس في الوسط، كريم بنزيما في الهجوم، إلى جانب كاسيميرو وإيسكو وغيرهم. ومع زين الدين زيدان مدربًا، فاز ريال مدريد بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية بين 2016 و2018.

وفي الوقت الذي كان فيه الناديان يبنيان فرقهما، كانت مواجهاتهما المباشرة تمنح المنافسة بعدًا آخر. الكلاسيكو لم يولد في صورته الحالية من مباراة واحدة أو جيل واحد، بل تشكل عبر أكثر من قرن من اللقاءات. ومع ارتفاع مستوى الفريقين، أصبح كل صدام بينهما مناسبة تجمع بين التاريخ والنجوم والصراع على البطولات.


كان انتقال لويس فيغو من برشلونة إلى ريال مدريد عام 2000 إحدى أكثر المحطات إثارة في تاريخ المواجهة، قبل أن تأتي حقبة ميسي ورونالدو لتمنح الكلاسيكو وجهًا عالميًا جديدًا. وخلال سنوات وجودهما في الفريقين، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن سيفوز بالمباراة، بل أصبحت كل مواجهة جزءًا من منافسة أوسع بين نجمين يتنافسان على الأرقام والجوائز والبطولات.

لكن اختزال تاريخ الكلاسيكو في ميسي ورونالدو سيكون تجاهلًا لأجيال سبقت الاثنين وأسهمت في بناء قيمة المواجهة. دي ستيفانو وكرويف، راؤول وروماريو، رونالدو البرازيلي وفيغو، تشافي وإنييستا وزيدان وراموس، جميعهم مروا عبر هذا الصراع وتركوا مشاهد أصبحت جزءًا من أرشيف كرة القدم.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت ملامح جيل جديد تظهر في الناديين. ريال مدريد اتجه إلى الاستثمار في لاعبين شباب قادرين على حمل المشروع لسنوات طويلة، فبرز فينيسيوس جونيور وجود بيلينغهام وغيرهما إلى جانب عناصر الخبرة. أما برشلونة، فواصل الاعتماد على لاعبين من تكوينه، بالتزامن مع البحث عن عناصر جديدة قادرة على الحفاظ على شخصيته الفنية.

ومع ذلك، فإن قوة الناديين لم تعد تقاس بما يحدث في الملعب وحده. ملعب سانتياغو برنابيو تحول إلى مشروع رياضي وتجاري وترفيهي واسع، فيما يمثل برشلونة مؤسسة ضخمة ترتبط بملعبه وأكاديميته وقطاعاته الرياضية المختلفة. وأصبح كلا الناديين جزءًا من صناعة كرة القدم العالمية التي تعتمد على الجماهير وحقوق البث والتسويق والمنصات الرقمية إلى جانب النتائج.

وفي قلب هذه الرحلة الطويلة بقيت الجماهير العامل الأكثر استمرارية. فالأجيال تتغير، والنجوم يرحلون، والمدربون يتعاقبون، لكن قميص ريال مدريد الأبيض وقميص برشلونة يبقيان قادرين على إنتاج ارتباط عاطفي يمتد من المدرجات الإسبانية إلى جماهير منتشرة في مختلف أنحاء العالم.

لهذا لا تبدو قصة ريال مدريد وبرشلونة وكأنها تاريخ ناديين فقط، بل قصة كرة القدم نفسها وهي تنتقل من لعبة محلية إلى صناعة عالمية. الأول بنى جانبًا كبيرًا من هويته حول المجد الأوروبي والنجوم والقدرة على إعادة تشكيل فريقه، والثاني رسخ في مراحل عديدة هوية فنية جعلت تكوين اللاعب وأسلوب اللعب جزءًا من مشروعه.

وبينما يستمر كل نادٍ في كتابة فصول جديدة، لا تزال قيمة الكلاسيكو مستمدة من شيء أعمق من ترتيب مباراة في جدول المسابقة. إنها مواجهة تراكمت حولها أكثر من مئة عام من القصص والنجوم والانتصارات والهزائم والتحولات، ولذلك أصبح ريال مدريد وبرشلونة معًا جزءًا من ذاكرة كرة القدم، مهما تغيرت الأسماء التي ترتدي القميصين.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1028 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع