١٣تشرين الثاني ١٩٢٩ انتحار عبد المحسن السعدون ومأزق الدولة العراقية الناشئة

١٣تشرين الثاني ١٩٢٩ انتحار عبد المحسن السعدون ومأزق الدولة العراقية الناشئة

لا تمرّ ذكرى الثالث عشر من تشرين الثاني من كل عام بوصفها تاريخاً عابراً في سجل العراق الملكي، بل تعود بوصفها جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السياسية للدولة الحديثة. ففي مساء 13 تشرين الثاني 1929 انتهت حياة عبد المحسن السعدون، رئيس الوزراء العراقي السابق، بطلقٍ أطلقه على نفسه في منزله ببغداد، بعد أن ترك رسالة إلى ابنه علي.

غير أن اختزال الواقعة في خبر وفاة، أو في تفسير نفسي منفرد، يحجب ما انطوت عليه من مأساة سياسية كثيفة: رجل دولة وجد نفسه محاصَراً بين مطلب الاستقلال، وضغط القوة البريطانية، وحسابات البلاط، وتنازع النخب، وقسوة الرأي العام. ومن هنا فإن استعادة السعدون لا ينبغي أن تكون احتفالاً بالموت، بل تأملاً جدياً في الكلفة الإنسانية للسلطة حين تصبح مسؤوليّتها أكبر من أدواتها، وحين يُطلب من السياسي أن ينجح في تاريخ لم تُمنح له شروط النجاح الكاملة.

كان السعدون أحد الوجوه البارزة في مرحلة التأسيس العراقي، وتولّى رئاسة الوزارة أكثر من مرة في سنواتٍ اتسمت بتداخل الإرادة الوطنية مع واقع الانتداب البريطاني. كانت الدولة العراقية يومئذٍ دولةً في طور التكوين: دستور ومجلس نيابي ووزارة ومؤسسات إدارية، لكن السيادة لم تكن قد اكتملت، والقرار الوطني ظلّ متشابكاً مع إرادة المستشارين البريطانيين ومصالحهم الاستراتيجية. لهذا لم يكن رئيس الوزراء يتعامل مع إدارة يومية عادية، بل مع معادلة شديدة التعقيد: كيف يطالب بالاستقلال من دون أن يعرّض الكيان الوليد للانهيار؟ وكيف يقبل بالتدرّج من دون أن يُتهم بالتفريط؟ وكيف يحافظ على صلته بالملك وبالشارع وبالطبقة السياسية في وقت واحد؟ إنها أسئلة تكشف أن أزمة السعدون لم تكن أزمة فرد فحسب، بل أزمة وظيفة سياسية وُلدت قبل أن تستكمل الدولة شروط استقلالها الحقيقي.
في الأيام الأخيرة من حياته، اشتدت المناقشات حول مستقبل العلاقة العراقية البريطانية، وحول الطريق إلى العضوية في عصبة الأمم والاستقلال الموعود. وقد أظهرت رسالته الأخيرة، المكتوبة بالتركية العثمانية إلى ابنه، شعوراً عميقاً بالوحدة والعجز والجرح المعنوي. فهو يتحدث عن أمة تنتظر الخدمة، وعن إنكليز لا يوافقون، وعن شعب يطلب الاستقلال لكنه لا يرى في سياسته ما يبرهن على الإخلاص. وهذه العبارات لا تصلح دليلاً لتبسيط حادثة معقدة أو تحميل طرف واحد المسؤولية؛ لكنها تضيء بكثافة عالمه الداخلي، حيث امتزج الإخفاق السياسي بالإهانة الشخصية، والواجب الوطني بالشعور بأن الجهد يُساء فهمه. إن الرسالة، في معناها التاريخي، ليست وثيقة اتهام، وإنما وثيقة ألم تكشف هشاشة الإنسان خلف لقب رئيس الوزراء.
ومن الخطأ المنهجي أن تُروى الواقعة باعتبارها نتيجة سبب واحد. فالتاريخ الجاد لا يردّ نهاية إنسان إلى خصومة عائلية أو إلى أزمة سياسية مفردة أو إلى لقاء بعينه. الأرجح أن ما واجهه السعدون كان تراكماً قاسياً من الضغوط: نقد صحفي وبرلماني، اتهامات باللين تجاه بريطانيا من خصومه، ضيق مساحة المناورة في التفاوض، قلق من اختلال التوازن داخل الحكومة، وتوتر نفسي شخصي كانت إشاراته معروفة لدى محيطه. هذه العناصر لا تبرر الفعل ولا تمنح الموت معنى بطولياً، لكنها تفسر لماذا يمكن أن تبلغ العزلة السياسية درجة خطرة حين لا يجد المسؤول شبكة ثقة تسمح له بأن يتكلم خارج اللغة الرسمية للسلطة. ولذلك فإن القيمة الأخلاقية لاستذكار السعدون تكمن في رفض الرومانسية السوداء: لا يُحتفى بالانتحار، بل تُفهم المأساة بما هي إنذار مبكر من نتائج الاحتراق السياسي والانفراد بالحمل.
أما البعد المعنوي للحادثة فيتصل بمفهوم الكرامة السياسية. كان السعدون ينتمي إلى جيلٍ رأى في خدمة العراق مسؤولية شخصية وعائلية وتاريخية، لا منصباً عابراً ولا وظيفة إدارية. وحين يشعر رجل من هذا الجيل بأن وطنيته موضع شك، فإن الجرح لا يبقى في حدود التنافس الحزبي؛ إذ يتحول إلى مساس بالصورة التي كوّنها عن نفسه وعن واجبه. هنا تظهر المفارقة المؤلمة: السياسي الذي حاول أن يتوسط بين الممكن والمرغوب، بين الضغط البريطاني والطموح الوطني، قد يُقرأ من طرفين متعارضين بوصفه أقل من المطلوب؛ فيراه الاستعمار مزعجاً حين يطالب، ويراه المتشددون مفرطاً حين يفاوض. وهذه هي مأساة الوسيط في البيئات غير المستقرة: أنه يدفع ثمن المسافة التي يحاول أن يفتحها للحل، حتى لو كان الحل هو السبيل الوحيد المتاح في لحظته التاريخية.
فلسفياً، تضع حادثة السعدون أمامنا سؤال العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فالحرية السياسية لا تُقاس بوجود المؤسسات في ظاهرها فقط، بل بقدرة من يديرها على أن يجعل قراره نافذاً وقابلاً للدفاع عنه أمام شعبه. وقد كان في العراق برلمان ووزارة ونظام ملكي، غير أن الظل البريطاني بقي حاضراً في الملفات المصيرية. لذلك حملت استقالة السعدون ثم وفاته دلالة تتجاوز الذات: إنها تقول إن المنصب بلا سيادة يعرّض صاحبه إلى محاكمة مستمرة من المجتمع، من دون أن يمنحه دائماً أدوات الفعل التي يُحاسَب عليها. هذا لا يعفي السياسي من المسؤولية، لكنه يرفض أيضاً محاكمته بمنطقٍ مجرد يتجاهل بنية القوة التي كانت تحيط به. إن الرجل لا يصنع السياسة من فراغ؛ إنه يتحرك داخل حدود مرئية وخفية، وقد يكون أشدّ ما في تلك الحدود قسوة أن الجمهور لا يراها كلها.
وتقودنا الواقعة أيضاً إلى فلسفة الذاكرة. فالدول الناشئة تميل إلى بناء سردية متماسكة عن نفسها: زعماء منتصرون، محطات استقلال، مؤسسات تتقدم إلى الأمام. لكن سيرة السعدون تقاوم هذه السردية السهلة؛ فهي تذكّر بأن بناء الدولة العراقية لم يكن خطاً مستقيماً، بل كان مليئاً بالتصدعات والترددات والخسائر الإنسانية. كما أن خلفيته العثمانية وكتابته رسالته الأخيرة باللغة التركية تفتحان باباً مهماً لفهم تعدد الهويات السياسية والثقافية في العراق آنذاك. لم يكن العراق في عشرينيات القرن الماضي كتلة متجانسة صيغت هويتها النهائية، بل فضاءً تتجاور فيه روافد عثمانية وعربية ومحلية وطائفية ومناطقية. ومن ثم فإن تذكر السعدون يحرر التاريخ من صورة أحادية عن الوطنية، ويجعلها تجربة متعددة الأصوات والانتماءات.
والأثر السياسي المباشر لرحيله لم يكن بسيطاً. فقد ترك فراغاً في حكومة كانت تحاول إدارة لحظة دقيقة تسبق تسوية 1930 ودخول العراق عصبة الأمم سنة 1932. والأهم من التغيير الوزاري نفسه أن رحيله كشف حدود السياسة التوافقية التي مثّلها: التفاوض مع بريطانيا كان ضرورة، لكنه لا يصبح مقبولاً شعبياً إلا إذا اقترن بضمانات ملموسة وشفافية وقدرة على الإقناع. لهذا يمكن القول إن الحادثة عمّقت الشك في جدوى الوعود المتدرجة، وأظهرت مقدار هشاشة الثقة بين النخبة الحاكمة والشارع. وهي لم تصنع وحدها التحولات اللاحقة، لكنها كانت علامة فارقة على أن صراع السيادة لم يعد مسألة مكاتبات بين الحكومات، بل قضية تمس شعور العراقيين بالكرامة وبحقهم في تقرير مصيرهم.
لا تقل أهمية الدرس المؤسسي عن الدرس السياسي. فحماية المسؤول من لا تعني حمايته من النقد أو المساءلة؛ بل تعني بناء بيئة تستطيع فيها السلطة أن تعترف بالضغط والفشل والاختلاف من دون أن يتحول ذلك إلى سحق شخصي. إن المؤسسات الرشيدة تفصل بين نقد القرار وإلغاء الإنسان، وبين معارضة الحكومة وتجريد من يديرها من كل وطنية. وفي هذا المعنى، لا تزال ذكرى السعدون حية لأنها تكشف خطراً متكرراً في الحياة العامة: حين تستبدل الجماعات النقاش بالتخوين، وتستبدل الدولة التضامن المؤسسي بالعزلة، يصبح كل مسؤول عرضة لأن يحمل وحده تناقضات نظام كامل. إن التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يكرر أسئلته حين لا نتعلم من مآسيه.
ومن الزاوية الإنسانية، ينبغي أن تُقرأ وفاته بعين رحيمة ومسؤولة. إن الألم النفسي ليس ضعفاً أخلاقياً، والضغوط السياسية مهما عظمت لا تجعل الإيذاء الذاتي قدراً أو حلاً. ولعلّ أكثر ما يليق بذكرى رجل دولة انتهت حياته على هذا النحو هو أن نتعلم أهمية العناية بالصحة النفسية، وطلب المساندة، ووجود دوائر أمان داخل الأسرة والعمل والدولة. إن العبرة ليست في جعل المأساة أسطورة، بل في ألا نسمح للإنسان أن يذوب وراء صورته العامة، وأن ندرك أن من يظهر ثابتاً في المنصب قد يكون في داخله منهكاً ومحتاجاً إلى من يصغي إليه.
إن عبد المحسن السعدون لم يكن شخصية كاملة لا يطالها النقد، ولم يكن أيضاً صورة نمطية لرجلٍ فشل في السياسة. كان ابن عصره، حمل حدود عصره وتناقضاته، واجتهد في إدارة صراعٍ بين إرادتين غير متكافئتين: إرادة عراقية تتلمس طريق الاستقلال، وإرادة إمبراطورية تسعى إلى تثبيت نفوذها. لذلك فإن ذكرى 13 تشرين الثاني لا تستدعي حكماً سريعاً، بل قراءة ناضجة تجمع بين التعاطف والتحليل. إنها مناسبة لتذكّر أن الدولة تُبنى بالسيادة والمؤسسات والثقة المتبادلة، وأن كرامة المسؤول لا تنفصل عن كرامة المجال العام الذي يعمل فيه. وفي تلك الليلة من عام 1929 لم يفقد العراق رئيس وزراء سابقاً فحسب؛ بل فقد مرآة مبكرة عكست مأزق الدولة التي تريد أن تكون مستقلة قبل أن تمتلك كامل أدوات الاستقلال.