كيف تحوّل مقعد في "ميشيغان" إلى ساحة صراع للجالية العربية تتجاوز حدود الجغرافية الامريكية؟ بين سردية "الإسلاموفوبيا" و"المحور الايراني" ؟
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الأربعاء, 04 تشرين2/نوفمبر 2026 17:22
- كتب بواسطة: صباح البغدادي

صباح البغدادي / تحقيق صحفي استقصائي
كيف تحوّل مقعد في "ميشيغان" إلى ساحة صراع للجالية العربية تتجاوز حدود الجغرافية الامريكية؟بين سردية "الإسلاموفوبيا" و"المحور الايراني" ؟
مقدمة :
تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة مع اقتراب الساعات الاخيرة المتبقية لانطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس غدا الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026 في واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية خلال ولاية الرئيس "دونالد ترامب" الثانية . ويخوض الحزبان الجمهوري والديمقراطي سباقاً محتدماً على السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وسط أجواء يطغى عليها القلق من ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران , لأن هذه الانتخابات بالذات أصبحت تتجاوز أهميتها حدود التنافس الحزبي التقليدي، إذ ستحدد إلى حد كبير قدرة "البيت الأبيض" على تمرير أجندته السياسية خلال العامين المتبقيين من الولاية الرئاسية . وبينما تبدو حظوظ الديمقراطيين قوية في استعادة الأغلبية داخل مجلس النواب وفق معظم استطلاعات الرأي، تبقى معركة مجلس الشيوخ مفتوحة على جميع الاحتمالات، ما يجعل أصوات الناخبين في الولايات المتأرجحة، وفي مقدمتها ولاية ميشيغان، محط أنظار المراقبين ووسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن بعيداً عن استطلاعات الرأي والمناظرات التلفزيونية والرسائل الدعائية المتبادلة بين الحزبين، يبرز لنا طريقة وكيفية تفكير الناخب العربي الأمريكي في هذه الانتخابات؟ وهل تحكم خياراته قضايا الداخل الأمريكي المرتبطة بالاقتصاد والصحة وفرص العمل وتطوير البنية التحتية ، أم أن صراعات الشرق الأوسط لا تزال حاضرة بقوة في تشكيل قراره الانتخابي داخل صندوق الاقتراع ؟ ومن هنا بدأت رحلتي الميدانية بين أبناء الجاليات العربية في ولاية ميشيغان بحثاً عن إجابة قد تكون أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام والاستطلاعات فلم أتوقف عند متابعة السجال الانتخابي المحتدم بين المرشح " الديمقراطي / عبدول السيد " والمرشح " الجمهوري/ مايك روجرز " في ولاية ميشيغان، ولا عند الخطابات النارية المتبادلة في الساعات الأخيرة قبل الاقتراع , فاني وجدت بان ما يجري على شاشات التلفزيون شيء، وما يدور في أوساط الناخبين العرب على أرض الواقع شيء آخر تماماً ومغاير للواقع , وبصفتي صحفياً استقصائياً مهتماً بفهم ما وراء الأرقام واستطلاعات الرأي، لم اكتفي فقط بمشاهدات البرامج التلفزيونية للمرشحين ولذا قررت بصفتي الشخصية بالنزول إلى الميدان لارى الحقيقية على أرض الواقع وتنقلت بين الأسواق العربية ومحطات الوقود والمطاعم الشعبية والجوامع والحسينيات والكنائس وحتى التجمعات الاجتماعية التي ترتادها الجاليات العربية في "ميشيغان " فلم أجد انقساماً بين جمهوريين أو ديمقراطيين فقط وبقدر ما وجدت امتداداً صريحا لصراعات الشرق الأوسط نفسها ؟ حيث كان بعض الناخبين يناقش مستقبل إيران أكثر مما يناقش مستقبل ميشيغان ؟ ويتحدث عن موازين القوى الإقليمية أكثر مما يتحدث عن الوظائف والتأمين الصحي والبنية التحتية لمدينته التي يعيش فيها منذ عقود ؟ وكأن صندوق الاقتراع الأمريكي تحول، لدى البعض، إلى ساحة تصفية حسابات سياسية قادمة من آلاف الأميال خارج حدود الولاية ؟ ولذا حاولت جاهدا ان اقوم بالبحث عن إجابة لسؤال بدا لي أكثر أهمية من نتائج الانتخابات نفسها : " ما هي طريقة وتفكير الناخب العربي فعلاً عندما يدخل إلى صندوق الاقتراع يوم غدأ الثلاثاء ؟ " وما وجدته لم يكن مجرد اختلاف في الآراء السياسية، بل حالة استقطاب حادة تكشف عن أزمة هوية سياسية تعيشها الجاليات العربية المهاجرة بين انتمائها الأمريكي وارتباطها الوجداني والسياسي بقضايا الشرق الأوسط.
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت حدة الهجمات السياسية والإعلامية ضد المرشح " عبد الرحمن السيد /عبدول " ومن الملاحظة التي يجب ان تذكر بأن جزءاً من هذه الهجمات ابتعد عن مناقشة برنامجه الانتخابي واتجه نحو التركيز على خلفيته الدينية واسمه العربي وأصوله المصرية وعلاقته بـ "تنظيم الإخوان المسلمين " حيث رايت كيف ان العنصرية قد كشرت عن أنيابها في التعامل معه , وبدل أن تدور الأسئلة حول : " الرعاية الصحية وأسعار الأدوية ومعدلات التضخم المرتفعة وتوفير فرص العمل وتطوير البنية التحتية والتعليم " أصبحت تدور حول: " من هو؟ وما هو دينه؟ وما هي خلفيته الثقافية؟ وهل يحمل أجندة خفية؟ " وكأن اسم المرشح بات أكثر أهمية من برنامجه , وهنا يبرز لنا سؤال جوهري مفاده : " هل ما زالت قطاعات من المجتمع الأمريكي تنظر إلى المسلم العربي بوصفه قضية هوية قبل أن يكون قضية كفاءة سياسية؟" والمفاجأة التي عشتها خلال اليوميين الماضين اثناء تجوالي بين ابناء الجالية العربية , لم تأت من اليمين الأمريكي والذي أكد على العبارة مرة ثانية " كشّرت العنصرية عن أنيابها" ولكن ما أثار دهشتي خلال جولتي الميدانية لم يكن فقط ما يقوله اليمين الأمريكي أو الإعلام المحافظ وهو ما اعتبره امر حتمي لان المرشح "عبدول" ليس لديه شيئ يخفيه ولكن المفاجأة الأكبر جاءت من داخل بعض أوساط الجالية العربية نفسها ؟ ففي حوارات عديدة مع ناخبين من خلفيات دينية وعرقية وطائفية عراقية ولبنانية وفلسطينية وأردنية ومصرية ويمنية، ظهر انقسام واضح في تفسيرهم لمعركة ولاية ميشيغان بعضهم ينظر إلى الانتخابات باعتبارها منافسة أمريكية داخلية تتعلق بمستقبل الولاية ولكن آخرين كانوا يرونها من زاوية مختلفة تماماً وبالاخص "الشيعة العراقيين" وبالنسبة لهؤلاء ، لم يكن السؤال: " من سيطوّر ميشيغان؟ " وإنما :" من سينتصر في الصراع الإقليمي الأكبر محور المقاومة والممانعة أم محور الشر ؟"
حيث تصبح طهران حاضرة في صندوق اقتراع أمريكي أكثر من النهج البرنامج الانتخابي ؟ ففي عدد من المناقشات التي أجريتها مع ناخبين من أصول عراقية، وخصوصاً من الذين يتابعون تطورات المنطقة بصورة يومية، برزت قراءة سياسية تربط بين صعود "عبدول" وبين المعادلات الإقليمية في الشرق الأوسط , وبدلاً من تقييم برامج المرشحين المتعلقة بالاقتصاد والرعاية الصحية والنقل والبنية التحتية، بدا أن النقاش يتحول أحياناً إلى موقف مصر من إيران، والعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ومستقبل توازنات المنطقة , وكأن الناخب لا يختار سيناتوراً لولاية ميشيغان، بل يصوت في استفتاء جيوسياسي يدور على بعد آلاف الكيلومترات من الولايات المتحدة , ومن هنا ظهرت لنا مفارقة لافتة ؟ فالرجل يتعرض لهجوم من بعض خصومه لأنه مسلم وعربي ؟ وفي المقابل، يتعرض لرفض من بعض أبناء البيئة العربية نفسها لأسباب مرتبطة بصراعات المحاور الإقليمية ؟ وبين هذين الخطين المتوازيين، يضيع الحديث عن برنامجه الانتخابي.
تكشف هذه الظاهرة سؤالاً أعمق من مجرد انتخابات عابرة , فالمهاجر الذي انتقل إلى الولايات المتحدة وحصل على جنسيتها وحقوقها السياسية، هل يصوت وفق مصالحه اليومية داخل المجتمع الأمريكي؟ أم أنه يستمر في استحضار الانقسامات والصراعات التي تركها وراءه في بلده الأصلي؟ وفي كثير من الحوارات التي أجريتها، شعرت أن الشرق الأوسط لا يزال حاضراً بقوة داخل الوعي السياسي لبعض الناخبين العرب ؟ إيران وإسرائيل والمحاور الإقليمية والاستقطاب الطائفي للناخب العربي , كانت حاضرة في النقاش أحياناً أكثر من ملفات التأمين الصحي أو التعليم أو الإسكان ؟ وهنا تكمن المفارقة الكبرى لان الناخب الأمريكي العادي قد يسأل المرشح : " ماذا ستفعل لخفض تكاليف المعيشة؟ " بينما يسأل بعض أبناء الجاليات العربية : " ما الذي يعنيه فوزك أو خسارتك في سياق الصراع الدائر في الحرب على ايران ومحور المقاومة التي تقوده ؟ " وحتى سردية "الإسلاموفوبيا" وحدها لا تفسر لنا هذا المشهد الانتخابي لان السهل اختزال كل ما يجري في عنوان واحد هو "الإسلاموفوبيا" ولكن الواقع بدأ لنا أكثر تعقيداً مما يتصوره البعض ؟ صحيح أن جانباً من الهجوم على "عبدول" يرتكز على هويته الدينية واسمه العربي ؟ وصحيح أن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مدى حضور الأحكام المسبقة في الخطاب السياسي الأمريكي. إلا أن المشهد يكشف أيضاً عن عامل آخر لا يقل تأثيراً : " وهو أن بعض الناخبين العرب أنفسهم لا ينظرون إلى المرشح من خلال برنامجه الانتخابي، بل من خلال موقعه المفترض داخل الصراعات الإقليمية التي تجري في الشرق الأوسط حاليآ " وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة غريبة:" اليمين المتشدد يحاكم المرشح على أساس هويته ودينه ؟وبعض أبناء جلدته يحاكمونه على أساس الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط " أما برنامجه الانتخابي، فيبقى أحياناً خارج النقاش بل لا يهتم احد لبرنامجه الانتخابي مهما كان فيه فائدة للمجتمع وربما لا تكمن أهمية معركة "ميشيغان" في هوية الفائز فقط، بل في الأسئلة التي تكشفها لنا , فهل أصبح الناخب الأمريكي أكثر وعياً من سرديات التخويف الديني والعرقي؟وهل تستطيع الجاليات العربية أن تفصل بين مصالحها داخل الولايات المتحدة وبين صراعات المنطقة التي جاءت منها؟ وهل ينتخب المواطن المرشح الذي يحسن واقع مدينته وولايته، أم المرشح الذي ينسجم مع موقفه من صراعات الشرق الأوسط؟ لان جولتي الميدانية والتي ما ازال اجريها لغاية يوم غدا الثلاثاء ؟ إن المعركة الحقيقية لا تدور فقط بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل بين مشروع يرى الانتخابات وسيلة لتحسين حياة الناس، ومشروع آخر ما زال ينظر إلى صندوق الاقتراع من خلال خرائط النفوذ والصراعات القادمة من الخارج وفي لحظة كهذه، لا يصبح السؤال من سيفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، بل أي سردية ستنتصر في وعي العقل الجمعي للناخبين ومما يثير المفارقة فعلاً أن الخطاب الانتخابي الأمريكي الرسمي يدور حول : " الوظائف والرعاية الصحية والتعليم والاقتصاد والبنية التحتية والمدارس " بينما يتحول النقاش داخل بعض التجمعات العربية إلى أسئلة أخرى مغايرة تماماً وبعيدآ عن الواقع الانتخابي : " من الأقرب إلى إيران؟ ومن الأقرب إلى إسرائيل؟ ومن يمثل هذا المحور أو ذاك؟ وكيف سينعكس فوزه على صراعات الشرق الأوسط؟" وفي بعض الحوارات، مع الناخبين العراقيين الشيعة بدا أن الموقف من المرشح " عبدول " لا يتشكل بالضرورة انطلاقاً من برنامجه الانتخابي، بقدر ما يتأثر بقراءات سياسية وإقليمية تتجاوز حدود ولاية ميشيغان لأنه من أصول مصرية وبالتالي فان مصر تقف دائما مع المحور السعودية الأمريكي ضد محور الممانعة والمقاومة وهنا تستحضر الذاكرة المقولة العربية القديمة: "ليس حباً بمعاوية ولكن بغضاً بعلي"، في إشارة إلى أن الاختيار قد يكون أحياناً تعبيراً عن رفض طرف أكثر من كونه اقتناعاً بالطرف الآخر , وهنا يظهر التناقض الذي تتحدث عنه , فالمرشح "عبدول" يخوض الانتخابات، وبرنامجه موجه نظرياً إلى سكان ميشيغان واحتياجاتهم اليومية ولكن جزءاً من الجدل حوله لا يدور حول برنامجه أصلاً، بل حول رمزيته وهويته وموقعه المتخيل داخل صراعات إقليمية أكبر منه والأكثر إثارة للاهتمام أن جزءاً من الهجوم عليه من اليمين الجمهوري، يرتكز على كونه مسلماً أو عربياً أو صاحب اسم شرقي، بينما جزءاً من التحفظ عليه داخل بعض الأوساط العربية لا يرتبط بإسلامه أو عروبته، بل على العكس، يرتبط بحسابات جيوسياسية تخص المنطقة التي جاء منها وكأن الرجل يجد نفسه محاصراً بين سرديتين متناقضتين: "هناك من يرفضه لأنه عربي ومسلم ؟ وهناك من يرفضه لأنه لا يمثل محور المقاومة والممانعة " وفي الحالتين يضيع النقاش حول البرنامج الانتخابي نفسه ؟ فهذه الظاهرة ليست جديدة تاريخياً , فالكثير من الجاليات المهاجرة حول العالم تبقى جزءاً من ولائها السياسي والثقافي مرتبطاً بالوطن الأم ولكن المفارقة تظهر عندما تصبح معايير الاختيار في الانتخابات المحلية مرتبطة بدرجة أكبر بصراعات خارجية من ارتباطها بمصالح الناخب المباشرة داخل الدولة التي يحمل جنسيتها لأن ملاحظاتنا تيقنت بان العوامل التي يحتل فيها الانتماء الطائفي أو الصراع الإقليمي مرتبة أعلى من الاقتصاد والصحة والتعليم عند بعض الناخبين؟ ولكن رصدنا ظاهرة معاكسة تماماً لما وجدته في بعض الأوساط الأخرى، وهي أن عدداً من أبناء الجالية العراقية المسيحية، وكذلك بعض أبناء الجالية اللبنانية الشيعية واليمنية الذين التقيناهم ، كانوا أكثر تركيزاً على القضايا المحلية المرتبطة بحياتهم اليومية في ميشيغان، أي أنهم كانوا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها انتخابات أمريكية تخص الولاية التي يعيشون فيها، لا باعتبارها امتداداً لصراعات منطقة الشرق الأوسط المنطقة. فالقصة لم تعد: "العرب يصوتون على أساس قضايا الشرق الأوسط" ولا : "العرب يصوتون على أساس قضايا الداخل الأمريكي" بل أصبحت لنا أكثر تعقيداً : "الجاليات العربية في الولايات المتحدة ليست كتلة سياسية واحدة، بل عوالم متعددة تتباين أولوياتها بين المحلي والإقليمي وفقاً للتجارب والخلفيات والظروف الاجتماعية التي تحيط بهم " لان من خلال جولتي الميدانية بين أبناء الجاليات العربية في ميشيغان، لم أجد نمطاً واحداً من التفكير السياسي. ففي الوقت الذي ربط فيه بعض الناخبين خياراتهم الانتخابية بتطورات ومواقف إقليمية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، وجدت لدى شخصيات من الجالية العراقية المسيحية، وكذلك لدى عدد من أبناء الجالية اللبنانية واليمنية، تركيزاً مختلفاً تماماً. فقد انصب اهتمامهم على البرامج الانتخابية للمرشحين الجمهوري مايك روجرز والديمقراطي عبدول السيد، وعلى قدرة كل منهما على تحسين واقع الخدمات الصحية وتوفير فرص العمل وتطوير البنية التحتية داخل الولاية. ولم يكن الاسم العربي أو الخلفية الدينية للمرشح عاملاً حاسماً في اختياراتهم بقدر ما كانت البرامج والسياسات العامة التي تمس حياتهم اليومية." وأعتقد أن أخطر ما اكتشفته كصحفياً هو أن الانقسام لا يجري فقط بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل حتى داخل الجاليات العربية نفسها وأن أهم نتيجة قد اكون خرجت بها خلال اليومين الماضيين : ليست معرفة من يؤيد من ، بل اكتشفت أن الناخب العربي الأمريكي أكثر تنوعاً وتعقيداً مما توحي به الصور النمطية المتداولة في وسائل الاعلام "ولو كنت سأختصر المشهد بعبارة صحفية واحدة لكانت التالي : " لم يعد السؤال في ميشيغان: هل يستطيع مسلم أن يترشح؟ بل هل ما زال التخويف من المسلم وأصوله العربية ومناصرته للمحاور الاقليمية كافياً لهزيمته انتخابياً؟" ولذا ما ازال أتابع وقبل ساعات قليلة من فتح صناديق الاقتراع في واحدة من أكثر معارك انتخابات الكونغرس الأمريكي حساسية، يجد المرشح الديمقراطي عبد الله (عبدول) السيد نفسه في قلب عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة. فالرجل الذي قد يصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي إذا فاز بانتخابات ميشيغان، لا يخوض مواجهة انتخابية مع خصمه الجمهوري فحسب، بل يبدو وكأنه يواجه أيضاً ماكينة دعائية وسياسية وإعلامية كاملة تعمل على مدار الساعة فلقد تحولت الانتخابات في ميشيغان من منافسة بين برنامجين سياسيين إلى اختبار أعمق يتعلق بسؤال قديم متجدد داخل المجتمع الأمريكي:" هل ما زالت الهوية الدينية والعرقية قادرة على رسم مصير المرشح السياسي؟ أم أن الناخب الأمريكي تجاوز هذه المرحلة وأصبح ينظر إلى الكفاءة والبرنامج الانتخابي قبل الاسم والخلفية الدينية؟ فمنذ صعود عبدول السيد مرشحاً ديمقراطياً رسمياً بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، تعرض لسلسلة هجمات سياسية وإعلامية ركز قسم منها على مواقفه السياسية، لكن قسماً آخر بدا وكأنه يحاول تقديمه للناخب الأمريكي باعتباره "الآخر" المختلف ثقافياً ودينياً وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن إسلامه وهويته العربية كانا ضمن محاور الجدل والهجوم السياسي الذي دار حول حملته ولكن اللافت أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة في السياسة الأمريكية. فمنذ هجمات 11 سبتمبر أصبحت "الإسلاموفوبيا" أداة انتخابية جاهزة يتم استدعاؤها كلما ظهر مرشح مسلم أو عربي في موقع متقدم والفكرة بسيطة : " إثارة المخاوف المرتبطة بالهوية الدينية بدلاً من مناقشة السياسات والبرامج الانتخابية " وعندما تعجز الحملات عن كسب أصوات جديدة عبر الاقتصاد أو الخدمات أو الضرائب، يصبح اللعب على وتر الخوف أكثر جاذبية لبعض السياسيين ولكن قد تكون الولايات المتحدة اليوم ليست هي الولايات المتحدة قبل عشرين عاماً , فالأجيال الجديدة من الناخبين نشأت في مجتمع أكثر تنوعاً، وأكثر احتكاكاً بالثقافات والأديان المختلفة. كما أن شبكات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى للسردية السياسية. لم يعد المواطن يتلقى رواية واحدة، بل عشرات الروايات المتنافسة. ولهذا فإن قدرة الحملات السلبية على صناعة صورة نمطية باتت أقل فاعلية مما كانت عليه في العقود السابقة ؟ ولكن من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن خصوم "عبدول" لا يهاجمونه فقط بسبب خلفيته الدينية، بل بسبب مواقفه السياسية التقدمية أيضاً، خصوصاً فيما يتعلق بالرعاية الصحية والسياسة الخارجية وقضايا الشرق الأوسط ولذلك فإن اختزال كل الانتقادات في إطار "الإسلاموفوبيا" قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمشهد أكثر تعقيداً , ويبدو أن ما يزيد المشهد تعقيداً هو الانقسام داخل البيت الديمقراطي نفسه. فقد شهدت الساعات الأخيرة تطورات لافتة تمثلت في إعلان منافسته الديمقراطية السابقة "هايلي ستيفنز" دعمها للمرشح الجمهوري "مايك روجرز"، في خطوة نراها قد هزت المشهد السياسي في ميشيغان ولكن انتقمت منه شر انتقام بعد ان هزمت امام "عبدول" وأظهرت أن التحدي الذي يواجهه لا يأتي فقط من الجمهوريين بل من تصدعات داخل معسكره السياسي أيضاً ومن اقرب مناصريه او هكذا كانوا يظن ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي يوم الاقتراع لن يكون: "هل يقبل الأمريكيون بمرشح مسلم؟"، بل: "أي المرشحين أقنع الناخب بأن حياته المعيشية ستكون أفضل؟" الناخب الذي يواجه تضخماً وارتفاعاً في تكاليف السكن والطاقة والتأمين الصحي قد لا يجعل دين المرشح أو أصله العرقي أولوية قصوى. التاريخ الانتخابي الأمريكي يُظهر أن القضايا الاقتصادية غالباً ما تهزم قضايا الهوية عندما يدخل المواطن إلى كابينة التصويت. ولهذا تبدو لما معركة ميشيغان اصبحت حامية الوطيس وأكبر من مجرد مقعد في مجلس الشيوخ. إنها استفتاء على مدى فاعلية خطاب الخوف في أمريكا المعاصرة. فإذا خسر المرشح "عبدول" فلن يكون من السهل الجزم بأن "الإسلاموفوبيا" هي السبب الوحيد. وإذا فاز، فلن يعني ذلك اختفاء "الإسلاموفوبيا " من المشهد الأمريكي أو حتى التخفيف منه ولكنه سيعني أن قطاعاً واسعاً من الناخبين قرر أن يحاكم المرشح على أفكاره وبرنامجه أكثر من اسمه أو دينه , وبالمقابل من الناحية الخطابية البحتة، يمكن القول إن "عبدول" حاول أن يفعل شيئاً ذكياً جداً فبدلاً من البقاء في موقع الدفاع أمام الهجمات المتعلقة بدينه وهويته ، نقل المعركة إلى ساحة المساءلة السياسية. فعندما قال للرئيس دونالد ترامب ما معناه:"سأمر عبر جهاز كشف المعادن كل يوم إذا جلست أنت مرة واحدة على جهاز كشف الكذب"، ثم أتبع ذلك بسؤالين عن جيفري إبستين وادعاءات الفوز بانتخابات 2020، كان يحاول قلب المعادلة من اتهام شخصي إلى سؤال عن المصداقية ومن الناحية السياسية ، وهذه الاستراتيجية الهجوم أفضل وسيلة للدفاع , لها ثلاثة أبعاد :
أولاً: رفض اللعب وفق قواعد الخصم :
بحسب التقارير، تعرض "عبدول" لهجمات ركزت على كونه مسلماً، ووصل الأمر إلى أوصاف مثل "جهادي" وإشارات تربطه بأحداث 11 سبتمبر، إضافة إلى تصريحات حول ضرورة مروره عبر جهاز كشف المعادن إذا انتُخب وفي العادة يقع المرشح المستهدف في فخ الدفاع المستمر عن النفس محاول الغير جره الى معارك جانبية خاسرة ومن قبيل : أنا لست متطرفاً وأنا أمريكي وأنا وطني وأنا كذا وكذا و هكذا" ولكن "عبدول" حاول أن يرفض هذا الإطار بالكامل. فهو يقول ضمنياً: " المشكلة ليست في ديني، بل في صدقكم أنتم " وهذه نقلة مهمة في فن المناظرة السياسية.
ثانياً: تحويل الهوية الدينية إلى نقطة قوة :
لان أخطر ما في حملات التسقيط القائمة على الدين أو العرق أنها تريد إجبار المرشح على الخجل من هويته أو الاختباء خلفها ولكن خطاب عبدول السيد في الأسابيع الأخيرة بدا وكأنه يقول: "نعم أنا مسلم، وهذه حقيقة لا أخفيها، لكن احكموا عليّ من خلال برنامجي ومواقفي " وهنا يظهر التناقض الذي يحاول الديمقراطيون استثماره : "كيف يمكن لدولة تتحدث عن الحرية الدينية أن تجعل انتماء المرشح الديني موضوعاً انتخابياً بحد ذاته؟"
ثالثاً: مخاطبة الناخب الذي ما يزال مترددا بين المرشحين :
اللافت أن رده لم يكن موجهاً إلى أنصاره فقط لان الناخب الديمقراطي المتحمس صوته شبه مضمون أصلاً وأما الهدف الحقيقي فهو الناخب الجمهوري وبالتحديد المستقل الذي قد يقول : " لماذا يتحدث الجميع عن دين الرجل أكثر مما يتحدثون عن التضخم أو الوظائف أو الرعاية الصحية؟ " لان كلما زاد التركيز على الخلفية الدينية على حساب البرنامج الانتخابي، زادت إمكانية ظهور أثر عكسي لدى بعض الناخبين الذين يرفضون ما يعتبرونه "ضرباً تحت الحزام" ولكن هل تكفي هذه الاستراتيجية للفوز؟ لأننا هنا يجب التفريق بين أمرين: "التعاطف السياسي والأصوات الانتخابية " قد يتعاطف كثير من الأمريكيين مع عبدول إذا شعروا أنه يتعرض لهجمات غير عادلة بسبب دينه ولكن يوم الاقتراع لا يُحسم بالتعاطف فقط.
لان المعركة الحقيقية ليست بين "عبدول" و خصومه الجمهوريين فقط ؟ بل هي بالأحرى بين سرديتين: الأولى " أن الناخب الأمريكي ما زال يخاف من الاسم العربي والمسلم ويمكن تحريكه عبر الخطابات المرتبطة بالهوية والثانية: أن جيلاً جديداً من الناخبين أصبح أقل اهتماماً بدين المرشح وأكثر اهتماماً بأدائه وبرنامجه " .
أن خطاب المرشح الديمقراطي " عبدول" الشهير تجاه الرئيس "ترامب"، نجح إعلامياً لأنه كان حاداً ومباشراً وسهل الانتشار، وحوّل صورة المرشح من شخصية تدافع عن نفسها إلى شخصية تتحدى خصومها علناً وهذه نقطة غالباً ما يبحث عنها الناخب الأمريكي الذي يقدّر الثقة بالنفس والأكثر دقة قبل ظهور النتائج هو أن ميشيغان تعيش حالة استقطاب حادة، والسباق يوصف على نطاق واسع بأنه من أكثر السباقات تنافساً وقد يكون مؤثراً في ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ ولكن المؤكد أن الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات لن يكون المرشح الذي يحصد الأصوات فقط، بل السردية التي ستنتصر: سردية الخوف من الآخر، أم سردية الناخب الذي بات أكثر وعياً وأقل قابلية الانجرار خلف حملات التسقيط والشيطنة السياسية وسردية المحاور الإقليمية للجالية العربية " وهذا ما سأحاول نقله إلى الرأي العام العراقي والعربي على حد سواء، ومن خلال تغطيتي الميدانية المباشرة لانتخابات الكونغرس الأمريكي في ولاية ميشيغان، والتي امتدت خلال اليومين الماضيين وتتواصل اليوم وغداً الثلاثاء، يوم الحسم الانتخابي ولذا كان علي شخصيا وبعيداً عن لغة استطلاعات الرأي والتحليلات السياسية، اخترت النزول إلى الشارع لرصد نبض الناخبين ومتابعة عمليات التصويت عن قرب، ولا سيما داخل أوساط الجاليات العربية التي تشكل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي والسياسي في الولاية.
وخلال جولاتي الميدانية، تبيّن أن شريحة ليست قليلة من أبناء الجالية العربية ما زالت مترددة في حسم خيارها بين المرشح الجمهوري مايك روجرز والمرشح الديمقراطي عبدول السيد، في مشهد يعكس حالة من الانقسام السياسي وتباين الأولويات بين الناخبين، ويجعل الساعات الأخيرة التي تسبق إغلاق صناديق الاقتراع حاسمة في تحديد اتجاهات التصويت والنتائج النهائية. ومن هنا تنبع أهمية هذا التحقيق، الذي لا يهدف إلى التنبؤ بالفائز بقدر ما يسعى إلى فهم الكيفية التي يتخذ بها الناخب العربي الأمريكي قراره الانتخابي، وما إذا كانت أولوياته تنطلق من قضايا المعيشة والخدمات والتنمية داخل الولايات المتحدة، أم من اعتبارات سياسية وإقليمية تمتد آثارها إلى الشرق الأوسط فلم تكن رحلتي والتي ما تزال اقوم بها فهي لم تنتهي بعد وبين تجوالي في الأسواق العربية والحسينيات والمساجد ومحطات الوقود بحثاً عن مرشح فائز أو خاسر، بل بحثاً عن الطريقة التي يفكر بها الناخب العربي الأمريكي. وبعد عشرات الحوارات اكتشفت أن الانقسام الحقيقي لا يمر بين الجمهوريين والديمقراطيين فقط، بل بين من ينظر إلى صندوق الاقتراع باعتباره أداة لتحسين حياته في أمريكا، ومن ما زال يراه امتداداً لصراعات الشرق الأوسط التي حملها معه عبر المحيط" وهذا النوع من المواضيع هو ما يصنع مواد صحفية تعيش لسنوات، لأنه لا يرتبط بخبر ينتهي بانتهاء الانتخابات، بل يحاول فهم ظاهرة اجتماعية وسياسية أعمق وذلك كان علينا أن نخرج من متابعة المناظرات والشاشات إلى الاستماع المباشر للناس لان كثير من القصص الكبيرة تبدأ بسؤال بسيط في مقهى أو سوق أو محطة وقود، ثم تتحول لاحقاً إلى تحقيق صحفي استقصائي يكشف ما لا تظهره دائمآ استطلاعات الرأي ومدى مصداقيتها على تطبيقها على أرض الواقع وفي يوم الحسم .
وأخيرآ وليس أخرآ :
وحتى لحظة كتابة هذه السطور، ما زلت أتابع عن كثب وعلى أرض الواقع توجهات الناخب العربي في ولاية ميشيغان، في انتظار يوم الحسم الانتخابي غداً الثلاثاء، حيث ستتجه الأنظار إلى واحدة من أكثر الولايات تأثيراً في رسم موازين القوى داخل مجلس الشيوخ الأمريكي , ولم تكن هذه التجربة بالنسبة لي مجرد متابعة عابرة لسباق انتخابي أو استهلاك لما تبثه شاشات التلفزة الامريكية والعربية من مناظرات وخطابات انتخابية متبادلة بين المرشحين، بل كانت مشروعاً صحفياً سعيت إليه واستعددت له منذ وقت مبكر. فالقناعة التي حملتها منذ البداية كانت أن الحقيقة الكاملة لا تُصنع داخل استوديوهات التحليل السياسي وحدها، ولا تُختزل في استطلاع للرأي أو خطاب انتخابي، بل تتشكل في الشارع وبين الناس الذين سيتوجهون في النهاية إلى صناديق الاقتراع لتحديد الفائز والخاسر , ومن هذا المنطلق، اخترت أن أذهب إلى ما هو أبعد من متابعة الحملات الانتخابية، وأن أخوض في أغوار العقل الجمعي للناخب العربي الأمريكي، محاولاً فهم الدوافع الحقيقية التي تحرك قراره الانتخابي، بين اعتبارات المصلحة المحلية وقضايا الاقتصاد والصحة وفرص العمل، وبين تأثيرات الهوية والانتماء والصراعات القادمة من الشرق الأوسط.
وخلال الأيام الماضية ، كشفت اللقاءات الميدانية لنا عن حجم التنوع والتباين داخل الجاليات العربية في ميشيغان، وأظهرت أن الناخب العربي ليس كتلة واحدة كما يُصوَّر أحياناً، بل فسيفساء من الرؤى والتوجهات والحسابات المختلفة العابرة للحدود , وبين هذا التنوع تبقى الكلمة الفصل لصندوق الاقتراع، الذي سيحدد ليس فقط هوية الفائز في ولاية تعدها الأوساط السياسية الأمريكية ولاية الحسم، بل سيكشف أيضاً إلى أي مدى تنجح البرامج الانتخابية في التأثير على الناخب مقارنة بالهويات والانتماءات والسرديات السياسية الكبرى , وحتى تُغلق صناديق الاقتراع وتُفرز الأصوات، ستستمر هذه الرحلة الميدانية بحثاً عن الإجابة الأهم: كيف يفكر الناخب العربي الأمريكي عندما يقف وحيداً أمام ورقة الاقتراع؟ لأن فهم هذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من معرفة اسم الفائز نفسه ؟ .
لكن يبقى السؤال الأكبر الذي لن تجيب عنه المناظرات التلفزيونية ولا الحملات الدعائية المتبادلة بين الحزبين , فهل ستحسم صناديق الاقتراع هذه المرة هوية المرشحين أم مضخة الوقود واسعار البقالة وفواتير الحياة اليومية؟ ففي الوقت الذي احتل فيه اسم المرشح ودينه وأصوله العرقية مساحة واسعة من السجالات السياسية والإعلامية، بدت أحاديث كثير من الناخبين الذين التقيتهم تدور حول أمور أكثر بساطة وأكثر التصاقاً بحياتهم اليومية؛ أسعار الوقود التي ترتفع مع كل أزمة، وفواتير البقالة التي تثقل كاهل الأسر، وتكاليف السكن والتأمين الصحي وفرص العمل. وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه ولاية ميشيغان خلال الساعات المقبلة ليس فقط من سيفوز بالمقعد المتنازع عليه، بل ما إذا كان الناخب الأمريكي سيصوت وفق اعتبارات الهوية والانتماء السياسي التقليدي، أم أنه سيعاقب من يحمّله مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرته الشرائية. فالتاريخ الانتخابي الأمريكي كثيراً ما أثبت أن مضخة الوقود وسلة المشتريات اليومية قادرتان على التأثير في قرار الناخب أكثر مما تفعله الشعارات الكبرى والمعارك الأيديولوجية، وأن الناخب عندما يقف خلف الستار وحيداً قد يفكر في فاتورة منزله أكثر مما يفكر في ضجيج الحملات الانتخابية. وبين جدل الهوية وضغوط الاقتصاد، تنتظر ميشيغان كغيرها من الولايات المتأرجحة كلمة الفصل من الناخب نفسه، الذي سيقرر خلال ساعات ما إذا كانت الأولوية ستكون للاسم والدين والانتماء، أم لسعر غالون الوقود وكلفة المعيشة وفرص العمل ومستقبل الأسرة الأمريكية.
ولا بد من تذكير القارئ الكريم فأني لا أدّعي أن هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي سينافس ما تنشره كبريات الصحف والقنوات الإخبارية الأمريكية والعربية، ولا أنه يملك من الإمكانات أو أدوات القياس ما تملكه مؤسسات استطلاعات الرأي المتخصصة التي تتابع هذه الانتخابات لحظة بلحظة، خصوصاً أن التجارب الانتخابية كثيراً ما أثبتت أن الأرقام والتوقعات قد تخطئ، وأن صناديق الاقتراع وحدها هي القادرة على صناعة المفاجآت والنتائج الصادمة ولكن ما سعيت إليه خلال الأيام الماضية كان مختلفاً بعض الشيء. فبدلاً من الاكتفاء بقراءة المؤشرات والإحصاءات ومتابعة المناظرات والخطابات الانتخابية، حاولت الذهاب إلى ما أراه أكثر أهمية في أي عملية ديمقراطية، ألا وهو الإنسان الذي سيضع صوته في صندوق الاقتراع. ومن خلال ما توفر لنا من وقت وإمكانات وجهد ميداني، حاولنا الاقتراب من عقل الناخب العربي الأمريكي، والاستماع إليه مباشرة بعيداً عن الخطابات الحزبية والتفسيرات الجاهزة، لأن فهم طريقة تفكيره ودوافعه قد يكون المفتاح الحقيقي لفهم نتائج هذه الانتخابات. فالمرشحون يكتبون برامجهم الانتخابية، والأحزاب تنفق ملايين الدولارات على الدعاية والإعلانات، ومؤسسات استطلاع الرأي تبني توقعاتها بالأرقام والنسب، لكن الكلمة الأخيرة تبقى لذلك الناخب الذي يقف وحيداً خلف ستار الاقتراع ليقرر شكل المستقبل السياسي لولايته. وفي ولاية بحجم وأهمية ميشيغان، حيث يتوقع كثير من المراقبين أن تكون من الولايات القادرة على ترجيح كفة الصراع على مجلس الشيوخ، لا يمكن التقليل من أهمية صوت الجالية العربية التي تمثل ثقلاً انتخابياً مؤثراً. فحين تتقارب الأرقام وتضيق هوامش المنافسة، قد يصبح صوت واحد أو آلاف الأصوات الفارق الذي يرسم حدود الانتصار والهزيمة. ولهذا لم يكن هدفي التنبؤ بالفائز بقدر ما كان محاولة الإجابة عن سؤال أبسط وأكثر عمقاً: كيف يفكر الناخب العربي الأمريكي عندما يحين وقت الاختيار؟ لأن فهم هذا السؤال قد يقودنا إلى فهم أسباب الفوز أكثر من أي استطلاع رأي أو خطاب انتخابي.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

























































































