أطباء العراق يعيشون هواجس العنف والقتل عند كل وفاة لمريض

يواجه الأطباء في مختلف المؤسسات والقطاعات الصحية العامة والخاصة في العراق، مخاوف من اعتداءات تختلف شدتها من التهديدات اللفظية وصولا إلى الاعتداء الجسدي عليهم، والابتزاز المالي والاستقواء بالعشائر وتهديدهم بالسلاح، ما دفع الكثير منهم إلى الهجرة أو الابتعاد عن إجراء العمليات أو إغلاق عياداتهم ما شكل تهديدا على القطاع الصحي برمته.

العرب/بغداد - يتعرض أطباء وممرضون لاعتداءات متكررة في العراق من قبل ذوي مرضى على خلفية اتهامهم بالتسبب في موتهم، وهو ما بات يشكل تهديدا متصاعدا للكوادر الطبية العراقية.

والطبيب ياسر قيس أحد هؤلاء الذين اضطروا إلى وضع لافتة على باب عيادته، كتب عليها “تم إغلاق العيادة إلى إشعار آخر بسبب التهديدات العشائرية وخذلان المسؤولين”.

اعتداءات متكررة
وبعد انتشار صور وفيديوهات تظهر إغلاق الطبيب الجراح لعيادته في مدينة العمارة مركز محافظة ميسان العراقية، بسبب تهديدات من قبل ذوي أحد المرضى المتوفين، أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية اللواء يحيى رسول، أن القوات الأمنية مستمرة بحماية الأطباء والملاكات العامة والخاصة ولن تسمح بأي اعتداء.

وقال رسول “في الوقت الذي يؤكد فيه القائد العام للقوات المسلحة أهمية حماية الكفاءات العلمية والطبية، وبعد قيام مجموعة في محافظة ميسان بالاعتداء على أحد الأطباء وغلق عيادته، تمكنت قوة من لواء المشاة 97 ضمن قاطع قيادة عمليات ميسان من إلقاء القبض على أربعة متهمين في قضاء المجر الكبير من الذين قاموا بتهديد الطبيب وأخذ ما يسمى ‘فصل عشائري’ منه بسبب وفاة والدهم”.

وتابع “كما زار قائد شرطة المحافظة منزل الطبيب، وأكد أن القوات الأمنية مستمرة بحماية الأطباء والملاكات العامة والخاصة ولن تسمح بأي اعتداء، كما أكد العمل على إعادة فتح عيادة الطبيب لممارسة عمله الطبي”.

ويتعرض الأطباء في مختلف المؤسسات والقطاعات الصحية العامة والخاصة، لاعتداءات متكررة تختلف شدتها من التهديدات اللفظية وصولا إلى الاعتداء الجسدي عليهم، والابتزاز المالي والاستقواء بالعشائر مثلا وتهديدهم بالسلاح.

وهذه ظاهرة خطيرة تهدد الأمن الصحي في العراق، وتشكل عدوانا مباشرا على كافة العاملين في القطاع الطبي، بينما تزداد المطالب للجهات الأمنية بردع المعتدين على الأطباء ومعاقبتهم دون تباطؤ، وخاصة في المناطق ذات الطابع العشائري، والتي تكون أكثر خطورة على الأطباء عادة في هذا السياق، واتخاذ ما يلزم من إجراءات حازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، التي باتت تؤرق مقدمي الخدمة الصحية وخاصة المقيمين منهم في المستشفيات العامة وأقسام الطوارئ، باعتبارهم على تماس مباشر مع أعداد هائلة من المرضى وذويهم.

وأشار رسول إلى أن “الأجهزة الأمنية لديها تعليمات واضحة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من تسول له نفسه الاعتداء على الملاكات الطبية والعاملين في المؤسسات الصحية، وستتم متابعة وملاحقة المتورطين في هذا العمل غير القانوني”.

وأشار تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية أعده تشارلي ميتكالف من بغداد، إلى الضغوط التي يعيشها الأطباء ومخاوف انتقام قد تصل أحيانا إلى استخدام السلاح في المستشفيات، وتهديد الأطباء الذين باتوا لا يخاطرون في القيام بعمليات جراحية دقيقة، مثل عمليات القلب المفتوح والدماغ.

وقال ميتكالف إن الطبيبة في سنة الامتياز مريم علي، كانت تمشي باتجاه غرفة انتظار جراحة الأعصاب عندما أمسكها رجل ورماها على الأرض ووضع سكينا على رقبتها. وأغلق الحرس المكان واعتقلوا الرجل. ومن حسن حظها أن كاميرات المراقبة كانت تعمل وقت الهجوم. وعلقت على ما حدث لها “فكرت أنني سأموت. كنت في حالة صدمة ولعنت اليوم الذي أصبحت فيه طبيبة”.

عطوة عشائرية

وقد تصل المخاوف من الانتقام لدى الأطباء العراقيين أحيانا إلى حد عدم مخاطرتهم بالقيام بعمليات جراحية دقيقة.

ومريم علي (27 عاما) هي في السنة الثانية من الامتياز في مستشفى غازي الحريري ببغداد، عندما حدث الهجوم عليها في يناير 2021. وتم اعتقال مهاجمها وسجنه. ومثل بقية الأطباء العراقيين، تفكر مريم بمغادرة البلاد.

ووجدت دراسة مسحية لأطباء بغداد أن نسبة 87 في المئة منهم عانوا من هجمات عنف في الأشهر الستة الماضية. وقال الكثيرون إن العنف زاد بعد انتشار وباء كورونا، وأن معظم الهجمات قام بها مرضى أو أقاربهم. وكان المهاجم الذي حاول الاعتداء على مريم لصا سرق وبشكل منتظم من المستشفى، وهو مثال كما تقول الطبيبة على غياب الأمن الذي جعل الأطباء العراقيين يعانون من مستويات عنف عالية أثناء العمل.

واشتكت مريم وزميلاتها الطبيبات من القفل المكسور في غرفة انتظار الأطباء في أكثر من مناسبة، بدون استجابة.

وفي العراق، عادة ما يجتمع حول المريض عائلته وأصدقاؤه حيث يصل عددهم أحيانا إلى 15 شخصا. وعندما لا يساعد الطبيب المريض على الشفاء، أو يُعتقد أنه ارتكب خطأ، يتحول التوتر إلى عنف.

وقال رياض لفتة، الأستاذ في علم الأوبئة بجامعة المستنصرية، “عندما ينقل المرضى إلى المستشفى ويعانون من القلق والتوتر، يجد الأطباء صعوبة في التعامل معهم. يغضبون ويلجأون إلى العنف”. ونظرا للتراخي الأمني، يستخدم المهاجمون الأسلحة، حيث تملك نسبة 27 في المئة من المدنيين أسلحة.

وأضاف لفتة “الناس قلقون وهم مسلحون، وهناك مشاكل بالنظام الصحي. كلها عوامل تسهم في تصاعد العنف”. وتذكّر حادثين قُتل فيهما طبيبان. وفي عام 2005، قُتل 10 أطباء في محافظة كربلاء، جنوبي بغداد.

ونوه بأن العوائل التي تعمل داخل نظام العشائر العراقية طورت أساليب جديدة للابتزاز. فهي تقوم بتهديد الأطباء وعائلاتهم عند ارتكاب خطأ، سواء كان حقيقيا أم مزيفا، ويطلبون عطوة عشائرية يقول لفتة إنها وصلت أحيانا إلى 145 مليون دينار عراقي (82.000 جنيه إسترليني). ويقول أطباء إنهم رأوا عطوات وصلت إلى 168 ألف جنيه إسترليني.

وعلق لفتة “لسوء الحظ في العراق كل الأشخاص يعرفون أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب”. و”عندما يغيب العقاب تستطيع عمل ما تريد”.

وتحدث جراح القلب عثمان عتيبة عن أثر المشاكل على الأطباء الذين دُفعوا إلى القيام بـ”التمثيل” والتظاهر بمحاولة إنقاذ المريض الميت لتخفيف غضب العائلات. وقال “عندما يكون أمامك جسد ميت، وهناك 10 أشخاص يقفون حولك، فسيقتلونك لو قلت لهم إنه ميت”، ولهذا “تقوم بمحاولة إنعاش قلبه، وتعطيه صدمة واحدة، اثنتين وثلاثة وربما عشرة. تعرف أن هذا خطأ، لكن ماذا يمكنك أن تفعل؟”.

اغتيال واضح جدا

ويقول عتيبة (28 عاما) إن زملاءه يقومون بهذا الأمر يوميا. ويتخذون الاحتياطات الأمنية عندما يتوقعون وفاة مريض ويستدعون الحرس.

وفي إحدى المرات حصلت حادثتا قتل طالتا طبيبين في العاصمة العراقية بغداد، لم يكن بينهما سوى أقل من شهر، حيث كانت آخرها التي أحدثت ضجة في البلد الذي يعاني من السلاح المنفلت، هو قتل طبيب الأطفال خالد زهير نعمة من قبل مسلحين.

ووفق وثيقة صادرة عن نقابة الأطباء، أكدت أن “الحادث اغتيال واضح جدا”، حيث وقعت الجريمة في وضح النهار، من خلال إطلاق النار على الطبيب الذي يعمل في مستشفى حماية الطفل في مدينة الطب في شارع المغرب شرق العاصمة.

واعتبر الكثيرون أن بيانات نقابة الأطباء التي تشعر من خلالها بـ”القلق” على مقتل كوادرها أو تعرضهم للخطف والتهديد لا ترقى إلى وضع حد لاستهداف الطواقم الطبية من قبل أصحاب السلاح.

وأشارت دراسة صدرت عام 2017، إلى أن نسبة 77 في المئة من الأطباء الصغار يفكرون بمغادرة العراق، وقالت وزارة الصحة إن 20 ألف طبيب غادروا البلد بسبب العنف ضدهم، ويتجنب خريجو الطب الجدد المسارات الوظيفية عالية الخطورة مثل جراحة الأعصاب وطب الطوارئ.

وقال لفتة “ليس الشخص الذي تعرض للعنف، بل وزملاؤه وعائلته وأصدقاؤه وأقاربه وهذا أمر مستشر. في السابق، كنا نعاني من هجرة العقول، وأخذت بعض الدول أطباءنا، واليوم تغيرت الظاهرة إلى التخلص من العقول”، ويضيف “نحن ندفع بعقولنا إلى الخارج بسبب العنف”.

ويتجنب الأطباء العمليات الجراحية المعقدة بسبب الضغوط والتهديدات العشائرية، ويحاول الأطباء المتخرجون حديثا عدم إجراء العمليات التي تنطوي على مخاطرة، مثل عمليات الدماغ والعمليات العاجلة.

ونوه عتيبة “اختصاصي هو القلب، ونسبة الموت فيه عالية. لا أحد يقوم بهذا النوع من العمليات، ولو فعلوا ومات المريض، فهم في ورطة”. والمتخرجون الذين يرغبون بالتخصص في مجالات تحتوي على مخاطر عالية، يتم تسريع تخصصهم من خلال دراسة عامين في مرحلة ما بعد التخرج، في محاولة من الحكومة لمعالجة النقص.

وبعد تخصصه في جراحة القلب، بدأ عتيبة بدفع مبالغ مالية كبيرة لعشيرته كي تدعمه لو تعرض لهجوم أو محاولة ابتزاز مالي. وحاولت الحكومة العراقية مواجهة المشكلة من خلال تمرير قانون حماية الطبيب في عام 2010، والذي يسمح للأطباء بحمل السلاح معهم إلى العمل.

ورأى لفتة أن هذا أمر سخيف، لأنه يعتقد أن زيادة الأسلحة في يد الناس هو سبب العنف. وقال “عندما يذهب المهاجمون إلى المستشفيات، فهم يدخلونها مدججين بالرشاشات وبمجموعة مكونة من أربعة إلى خمسة أشخاص، ولا يمكن للطبيب حماية نفسه بسلاحه الصغير أو التحرك بسرعة هذه العصابات”.

وتابع أن الحل هو تعزيز الحماية الأمنية، قائلا “عندما يحترم الناس القانون ويخافون منه، عندها سيختفي العنف من تلقاء نفسه”.

أطفال الگاردينيا

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

660 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع