
العربي الجديد:لم يعد إلحاق الأبناء بالجامعات العراقية مهمة ميسورة بالنسبة إلى كثير من العائلات، إذ تحكمها محاولات تدبير مبالغ مالية قد تتجاوز دخل الأسرة، ومع ارتفاع تكاليف الدراسة في الجامعات والكليات الأهلية، تجد العائلات نفسها داخل مشكلات مالية لتوفير الرسوم الدراسية، إلى جانب أجور النقل وغيرها من المصاريف اليومية.
وتضم منظومة التعليم العالي العراقية 103 جامعات حكومية وأهلية معترفاً بها ضمن التصنيف الذي تعتمده وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فيما شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً في أعداد الجامعات والكليات الأهلية في مختلف المحافظات، لتصبح جزءاً أساسياً من منظومة التعليم، فضلاً عن كونها مشاريع استثمارية.
وتزايد إنشاء الكليات الأهلية مع تزايد أعداد الطلبة المتخرجين من المدارس والمعاهد. وبينما تتسع خيارات التعليم الأهلي أمام الطلبة، لا سيما الذين لم ينالوا تقييماً عالياً، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، والتي تجد نفسها مضطرة إلى تحمل أعباء مالية متزايدة.
وتكشف أعداد المقبولين في الجامعات العراقية عن حجم الطلب الكبير على التعليم العالي؛ إذ أعلن وزير التعليم العالي، نعيم العبودي، قبول 185,416 طالباً وطالبة ضمن قنوات القبول المركزي في الجامعات العراقية للعام الدراسي 2025-2026.
في داخل المنازل العراقية، لم يعد التعليم الجامعي شأناً يخص الأبناء وحدهم، بل بات مشروعاً عائلياً يتطلب جهد الوالدين والأبناء معاً. من بين العائلات التي تعيش هذه المعضلة أسرة نجاة موسى، فالأم الموظفة الحكومية، وجدت نفسها أمام فاتورة سنوية تبلغ 23 مليون دينار (17.5 ألف دولار) لتعليم ابنتها وابنها في كلية أهلية؛ من بينها 15 مليون دينار لرسوم ابنتها التي تدرس الطب، وثمانية ملايين دينار لرسوم ابنها الذي يدرس الصيدلة.
وتكشف موسى لـ"العربي الجديد" أن دخلها ودخل زوجها لا يكفيان لتغطية هذه الالتزامات، خاصة مع ما يرافق الدراسة من مصاريف يومية وأجور نقل ومتطلبات أخرى. لذلك قرر زوجها البالغ 61 سنة عاماً، ممارسة وظيفة ثانية بعد أوقات دوامه الرسمي، إذ بات يعمل في مجال التأسيسات الكهربائية في المساء وطوال أيام العطل والإجازات. وتضيف: "هذا العمل الإضافي لم يكن خياراً مطروحاً لو لم تكن هناك حاجة إلى توفير المال لتغطية تكاليف الجامعة، فالظروف دفعت بزوجي إلى هذا العمل الإضافي رغم التعب الذي يصيبه من ساعات العمل الطويلة، لأن مستقبل الأبناء يستحق التضحية".
وبينما تستطيع بعض العائلات توفير الرسوم عبر العمل الإضافي، تضطر أسر أخرى إلى اتخاذ قرارات أكثر صعوبة تتعلق بالتخصص الدراسي نفسه، بحثاً عن خيارات تتناسب مع إمكاناتها المالية. تقول الطالبة فرح مصطفى لـ"العربي الجديد" إن التحاقها بكلية الإعلام لم يكن خيارها الأول، إذ كانت تطمح إلى دراسة طب الأسنان، لكن الظروف المالية لأسرتها دفعتها إلى اختيار الإعلام.
وتوضح مصطفى: "كانت دراسة طب الأسنان تفوق قدرة أسرتي المالية، لذا التحقت بكلية الإعلام التي تبلغ رسومها السنوية مليوناً وخمسمائة ألف دينار (نحو 1140 دولاراً). أنا حالياً في السنة الثانية، وأحاول أن أجتهد وأطوّر مهاراتي وأتعلم المزيد من الأشياء على أمل أن أصبح مقدمة برامج في المستقبل. هذا هو طموحي الحالي، وأتمنى أن أتمكن من خلاله من رد جزء من جميل والدي وتعويض الجهد الذي بذله من أجل تعليمي".
يعمل فاروق عبد الله (56 سنة) في سوق شعبية لبيع الملابس المستعملة، وهو يعيل أربعة أولاد، وتدرس ابنته الكبرى في السنة الثانية بالجامعة، ولم يستطع أن يلحقها بتخصص الطب الذي أرادته لأنه كان أكثر كلفة، وكانت الظروف المادية عاملاً أساسياً في اختيارها دراسة اختصاص التقنيات الصحية.
يقول عبد الله لـ"العربي الجديد": "الجامعات الحكومية لم تتوسع بالشكل الذي يستوعب عدداً أكبر من الطلبة، فيما لا تستطيع عائلات كثيرة تحمل تكاليف الدراسة في الجامعات الأهلية. في حالة ابنتي، لم يكن الأمر متعلقاً بالرغبة وحدها، بل بما يستطيع دخلي تحمله. أدفع نحو ستة ملايين دينار (4.5 آلاف دولار) سنوياً رسوم دراسة ابنتي، فضلاً عن أجور النقل وشراء الكتب والاحتياجات الدراسية، وهذا مبلغ كبير جداً بالنسبة إلى إمكاناتي، لا سيما أنني أتحمل في الوقت نفسه مسؤولية إعالة أربعة أبناء آخرين. أصبحت مسألة اختيار التخصص مرتبطة بالقدرة على دفع الرسوم، وليس بما نرغب فيه".
اضطر عبد الله إلى اختيار تخصص أقل كلفة لابنته، بينما أسر أخرى تتحمل دفع رسوم مالية كبيرة لإلحاق أبنائها بتخصصات ترى فيها مستقبلاً أفضل لهم، لكنها تدفع ثمن ذلك عبر تقليص بقية تفاصيل حياتها. من بين هؤلاء، عائلة عمار الدوري الذي تبلغ رسوم دراسته السنوية 16 مليون دينار (12.2 ألف دولار)، وهو رقم يجعله يشعر بثقل المسؤولية تجاه أسرته، لا سيما أنه يرى ما يبذله والداه لتوفير هذا المبلغ.
يقول عمار لـ"العربي الجديد": "أشعر بالألم لأنني أضيف عبئاً كبيراً على كاهل والدي اللذين يضغطان على نفسهما كثيراً من أجل تأمين رسوم الدراسة. يعمل والدي في صناعة الحلويات، وهو يبذل جهداً كبيراً لتوفير تكاليف تعليمي وما يرافقها من نفقات. مع شعوري بالمسؤولية، حاولت العمل لمساعدته في توفير كلفة الدراسة، لكن والدي رفض ذلك، وطلب مني التركيز على دراستي، مؤكداً أن نجاحي وتخرجي هما الأولوية، وأن علي استثمار وقتي في تعلم أشياء تفيدني في بناء مستقبلي".

1095 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع