
تظاهرة في شرق المانيا لليمين المتطرف والنازيين الجدد؛ تفسر الأصابع الثلاثة الممدودة على أنها حرف W، والدائرة مع بقية اليد على أنها P، وتستخدم للدلالة على "White Power" أي "تفوق العرق البيض"، وفي الخلفية علم بالأسود والأبيض والأحمر مع نسر، ويرتبط بالرايخ الألماني
مونت كارلو:لم يعد فوز حزب البديل من أجل ألمانيا AfD (البديل من أجل ألمانيا) في ساكسونيا-أنهالت مجرد إنذار انتخابي للأحزاب التقليدية، فحصول حزب يصنف فرعه في الولاية من قبل جهاز حماية الدستور المحلي على أنه "يميني متطرف بصورة مؤكدة" على 43.8% من الأصوات و39 مقعدا من أصل 83، وضع عشرات آلاف المهاجرين أمام حسابات جديدة تتعلق بالإقامة والعمل والتعليم والأمن الشخصي، وحتى بالبقاء في شرق ألمانيا بينما حزم بعضهم حقائبه.
وأصبح اليمين المتطرف للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية القوة الأولى في انتخابات ولاية ألمانية، نتيجة وصفها المستشار فريدريش ميرتس بأنها "صادمة للغاية"، لكنه استبعد الاستقالة أو إجراء تغيير جذري في مسار حكومته.
هل ما زال شرق ألمانيا مكانا آمنا للعرب؟
وتبدو المخاوف أكثر وضوحا بين السوريين الذين يشكلون إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في الولاية، وبحسب السجل المركزي للأجانب، كان يعيش في ساكسونيا-أنهالت في نهاية 2025 نحو 192 ألف أجنبي، بينهم أكثر من 29 ألف سوري، أما وفق الإحصاء السكاني المبني على تعداد 2022، فيبلغ عدد السكان الأجانب 168 ألفا من أصل نحو 2.12 مليون نسمة، أي أقل من 8%.
وتظهر الأرقام في كلتا الحالتين أن الأجانب أقلية محدودة في الولاية، حتى مع تحول الهجرة خلال العقد الماضي إلى عنصر أكثر حضورا في مدنها ومؤسساتها.
وبعد إعلان النتائج، تحدث مجلس اللاجئين في ساكسونيا-أنهالت عن "خوف كبير" بين المهاجرين، فيما حذرت منظمات تمثل أصحاب الأصول المهاجرة من الإقصاء والعنصرية.
وتقول الرسالة الأساسية لهذه المنظمات أن هؤلاء لم يعودوا مجموعة عابرة وصلت خلال أزمة اللجوء، وإنما أصبحوا جزءا من مدن وبلدات الولاية يعملون ويدرسون ويؤسسون عائلات وشركات وينشطون في مؤسسات المجتمع المدني.
ولا تتعلق هذه المخاوف فقط باحتمال وصول AfD إلى رئاسة حكومة الولاية، فبعض المهاجرين الذين تحدثت إليهم وسائل إعلام ألمانية ودولية قالوا إنهم بدأوا بالفعل التفكير في مغادرة ساكسونيا-أنهالت، فيما تحدث آخرون عن خطط أكثر جدية للرحيل.
ونقلت رويترز عن منظمات محلية أن أرباب عمل أيضا بدأوا يعيدون التفكير في قدرتهم مستقبلا على استقطاب العمال الأجانب والاحتفاظ بهم.
ماماد محمد، وهو كردي إيزيدي سوري وصل إلى ألمانيا في سن السادسة عشرة عام 1996، يستعد في الوقت نفسه لأن يصبح واحدا من أوائل أعضاء برلمان الولاية من أصول مهاجرة، وصف النتيجة بأنها "انتصار مسموم"، فنجاحه الشخصي ترافق مع انتصار انتخابي غير مسبوق لحزب جعل الهجرة و"إعادة الهجرة" من أبرز محاور برنامجه، وقال إن ابنته أصبحت مترددة في الذهاب إلى مدرستها، وهي مدرسة سبق أن تعرضت لانتقادات من AfD بسبب مشروعات تتناول الأخطار التي تواجه الديمقراطية.
ماذا يخيف المهاجرين؟ من "إعادة الهجرة" إلى المدارس والاندماج
المصدر الأول للمخاوف موجود في برنامج AfD نفسه، فالحزب خاض انتخابات ساكسونيا-أنهالت متعهدا بما يسميه "هجوما للترحيل وإعادة الهجرة"، مع تشديد سياسة اللجوء والإقامة وترحيل من لا يملكون حق البقاء.
ومفهوم Remigrationأو "إعادة الهجرة"، اكتسب خلال السنوات الأخيرة دلالة سياسية شديدة الحساسية في ألمانيا، لأن أطرافا من اليمين المتطرف تستخدمه في سياق يتجاوز أحيانا ترحيل الأجانب الموجودين بصورة غير قانونية إلى إعادة تعريف من ينتمي إلى المجتمع الألماني.
ويذهب برنامج الحزب في الولاية إلى أبعد من الترحيل، فوفق المواد التي تناولته، يريد AfD تقليص التمويل المخصص للاندماج، وإعادة هيكلة السياسات الخاصة باللاجئين، وإحداث تغييرات في التعليم والثقافة، بما فيها مقترحات تشمل إلغاء الحق الأساسي في اللجوء، وفصل أطفال اللاجئين وبعض الأطفال ذوي الإعاقة في مسارات تعليمية منفصلة، والترويج لـ"الأسرة التقليدية المكونة من الأب والأم وأكبر عدد ممكن من الأطفال"، وإعادة صياغة تدريس التاريخ الألماني للتخلص مما يسميه الحزب "المازوشية الوطنية" ويقصد به ازدراء الأمة لذاتها أو النظر السلبي المستمر إلى تاريخها وهويتها لمرتبطة بطريقة التعامل مع الحقبة النازية.
ويضاف إلى ذلك خطاب يتعلق بتقليل اعتماد ألمانيا على العمالة الماهرة القادمة من خلفيات يصفها الحزب بأنها "غريبة ثقافيا"، مع تشجيع الأتمتة والذكاء الاصطناعي كبديل في بعض المجالات، وفي المقابل، قالت رئيسة الحزب أليس فايدل إن كل من يساهم ويعمل ويتمتع بالكفاءة ويدفع الضرائب ويحترم القانون هو موضع ترحيب.
لكن منظمات المهاجرين ترى أن المشكلة لا تتوقف عند التعريف القانوني لمن يحق له البقاء، فالحزب خاض أيضا معارك سياسية حول الهوية الألمانية، وظهرت في محيط اليمين المتطرف تعبيرات مثل Passdeutsche، أي "الألمان بالجواز"، التي تضع انتماء بعض المواطنين الألمان من أصول مهاجرة موضع تشكيك رغم امتلاكهم الجنسية.
وهذا مهم خصوصا بالنسبة إلى السوريين، فقد تحولت موجة اللجوء التي بدأت قبل أكثر من عقد تدريجيا إلى استقرار دائم وجنسية ألمانية، وفي عام 2025 وحده حصل 2,915 أجنبيا في ساكسونيا-أنهالت على الجنسية الألمانية، وكان السوريون في المرتبة الأولى للعام السادس على التوالي بـ1,013 حالة تجنيس، ويقول مكتب الإحصاء إن الارتفاع السابق في تجنيس السوريين يعود إلى أن أعدادا متزايدة ممن وصلوا بين 2014 و2016 استوفوا شروط الحصول على الجنسية.
بالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني فوز AfD إمكانية سحب الجنسية منهم أو ترحيلهم بقرار من حكومة الولاية، فقانون الجنسية والجزء الأساسي من قوانين الهجرة واللجوء اتحادي، كما أن الحقوق الدستورية لا تستطيع حكومة ولاية إلغاءها، لكن امتلاك جواز سفر ألماني لا يلغي الخوف من تغير المناخ الاجتماعي أو من تحول تعريف "الألماني" في الخطاب العام إلى تعريف قائم على الأصل.
ماذا يستطيع AfD فعله فعلا إذا حكم؟
الفصل بين الخطاب السياسي والصلاحيات القانونية ضروري لفهم حجم التغيير الممكن.
لا تستطيع حكومة ساكسونيا-أنهالت إلغاء حق اللجوء المنصوص عليه اتحاديا، ولا إعادة كتابة قانون الجنسية الألماني، ولا ترحيل مواطن ألماني بسبب أصوله السورية أو العربية، كما تبقى الحكومة، أيا كانت الأحزاب التي تشكلها، مقيدة بالقانون الأساسي الألماني وبالقوانين الاتحادية وبالرقابة القضائية.
لكن هذا لا يعني أن حكومة الولاية بلا أدوات، فالولايات الألمانية تملك صلاحيات واسعة في الشرطة والتعليم والإدارة والثقافة وأجهزة حماية الدستور المحلية، كما تشارك إداراتها في تطبيق قوانين الإقامة والترحيل الاتحادية، وتاليا تستطيع حكومة يقودها AfD تغيير أولويات التنفيذ، وتشديد التعامل الإداري مع طالبي اللجوء والأشخاص الصادرة بحقهم قرارات مغادرة، وتقليص برامج الاندماج والتمويل العام الموجه إلى جمعيات المهاجرين ومراكز الاستشارة ومشروعات مكافحة العنصرية.
ومن هنا يأتي القلق الذي يحيط بمنظمة Miteinander وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، فهذه المنظمات تعتمد جزئيا على التمويل العام لمشروعات مكافحة التطرف اليميني ومساعدة الضحايا، بينما أعلن AfD رغبته في وقف أو إعادة توجيه أجزاء من هذا التمويل، وهذا لا يعني تغييرا بقانون الهجرة فقط، وإنما إضعاف البنية التي يلجأ إليها المهاجر عندما يتعرض للتمييز أو الاعتداء.
خطر أمني يتعلق بروسيا
إضافة إلى ذلك انتقل النقاش بعد الانتخابات إلى مستوى أكثر حساسية أي إلى الأجهزة الأمنية نفسها، وحذر رئيس مؤتمر وزراء داخلية الولايات، وزير داخلية هامبورغ أندي غروته، من أن وصول AfD إلى السيطرة على وزارة داخلية الولاية يمثل "خطرا أمنيا جسيما"، مشيرا إلى أن وزير داخلية من الحزب يمكنه تغيير مسؤولين في جهاز حماية الدستور وتحديد أولويات جديدة للأجهزة الأمنية.
وقال غروته إن وجود "سلطة الدولة، وبالتالي السيطرة على الأجهزة الأمنية، في أيدي حزب معاد للدستور وله اتصالات وثيقة بروسيا" يمثل خطرا أمنيا كبيرا.
وتعاملت وزارة الداخلية الاتحادية بحذر أكبر مع هذه التحذيرات، مذكرة بأنه لم تتشكل بعد حكومة جديدة في ساكسونيا-أنهالت، وهذا التمييز أساسي ففوز AfD لا يعني حتى الآن أنه يحكم، على اعتبار أنه يملك 39 مقعدا، فيما تتطلب الأغلبية 42، ولا تزال الأحزاب الرئيسية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحيCDU، تستبعد الائتلاف معه.
من الخطاب إلى الشارع: 229 اعتداء في عام واحد
المصدر الثاني للخوف لا يحتاج إلى انتظار تشكيل الحكومة، فالعنف اليميني والعنصري موجود بالفعل في ساكسونيا-أنهالت، وسجلت Mobile Opferberatung، وهي هيئة متخصصة في مساعدة ضحايا العنف اليميني، 229 اعتداء يمينيا وعنصريا ومعاديا للسامية وللمثليين خلال عام 2025، طالت مباشرة 307 أشخاص، أي بمعدل أربعة إلى خمسة اعتداءات أسبوعيا.
وباحتساب عدد السكان، سجلت الولاية 6.7 اعتداءات يمينية لكل 100 ألف نسمة، أي نحو ثلاثة أضعاف المتوسط المسجل في الولايات الغربية غير المدينية، وشملت الوقائع 135 جريمة اعتداء جسدي و82 حالة تهديد أو إكراه وسبع جرائم إحراق متعمد، ورغم انخفاض العدد الإجمالي بنحو 20% مقارنة بعام 2024، حذرت المنظمة من اعتبار ذلك مؤشرا على انحسار الخطر.
والعنصرية هي الدافع الأكبر، إذ أن 130 من أصل 229 اعتداء، أي 57%، كانت ذات دوافع عنصرية، وطالت 185 شخصا، وكان 42 على الأقل من ضحايا العنف العنصري دون الثامنة عشرة.
وتتضمن الحالات المسجلة وقائع تخص سوريين وعربا مباشرة، ففي فبراير/شباط 2025، تعرضت فتاة في الثانية عشرة من عائلة سورية في ماغديبورغ لإهانات عنصرية قبل أن تضرب في وجهها وتدفع نحو جدار وتهدد بسكين أمام أشقائها الأصغر.
وفي يونيو/حزيران، تعرض طالبان كانا يتحدثان العربية داخل مطعم في ميرسبورغ لإهانات عنصرية ثم للاعتداء؛ وأصيب شاب في الثامنة عشرة بكسر في الأنف وتمزق في طبلة الأذن استدعى عملية جراحية وعلاجا في المستشفى.
وفي ماغديبورغ، سجلت المنظمة بعد الهجوم على سوق عيد الميلاد في ديسمبر/كانون الأول 2024 موجة من الاعتداءات العنصرية المرتبطة بالحادثة، وفي يناير/كانون الثاني 2025، سكب شخص مادة ذات رائحة تشبه الكلور فوق بضائع متجر مواد غذائية سوري، وبعد شهر، تعرض شابان كانا يتحدثان العربية أثناء عودتهما من العمل لهجوم بسكين، واضطر أحدهما إلى الخضوع لعملية جراحية، كما وثقت المنظمة اعتداء على شاب من أصول سورية يبلغ 23 عاما، قالت إنه تعرض للإهانة والتطويق والضرب بعصا.
وتحذر أنتيه آرندت من Mobile Opferberatung من "تطبيع إضافي للمواقف اليمينية المتطرفة والمعادية للأقليات والديمقراطية"، وتقول إن تجارب انتخابات ولايات شرقية أخرى أظهرت أن الانتشار المتزايد لهذه المواقف يمكن أن يخفض عتبة استخدام العنف، كما ربطت صراحة مخاوفها بفوز AfD وبجعل الحزب "إعادة الهجرة" مفهوما مركزيا في برنامجه.
أما سعيد سعيد، من الجمعية الثقافية السورية الألمانية والمتحدث باسم مجلس اللاجئين في ساكسونيا-أنهالت، فيقول إن كثيرا من الضحايا طلب منهم مرارا تقديم شكاوى، لكن ذلك استنزف طاقتهم ولم يؤد في حالات كثيرة إلى حماية أكبر، وإنما إلى خيبة جديدة.
ويتجاوز القلق نتيجة الانتخابات إلى الخشية لدى منظمات الضحايا بأن يجعل انتصار انتخابي بحجم 44% الخطاب المعادي للمهاجرين أكثر قبولا وعلنية اجتماعيا، وأن يشعر بعض المتطرفين بأن مواقف كانت هامشية أصبحت تحظى بتأييد واسع.
لماذا يفوز حزب مناهض للهجرة في ولاية لا تتجاوز فيها نسبة الأجانب 8 إلى 9%؟
من أهم مفاتيح قراءة نتيجة ساكسونيا-أنهالت أنها ليست من المناطق الألمانية ذات الكثافة العالية للمهاجرين، وبحسب الإحصاء السكاني الرسمي، بلغ عدد الأجانب في نهاية 2025 نحو 168,421 من أصل 2,120,252 نسمة، أي نحو 7.9%، أما بيانات السجل المركزي للأجانب، التي تعتمد قاعدة مختلفة، فتضع عدد المسجلين عند نحو 192 ألفا، أي قرابة 9%، وفي كلتا الحالتين تبقى النسبة أدنى من المتوسط الألماني، ومع ذلك أصبحت الهجرة قضية سياسية شديدة القوة.
ولكن بيانات الانتخابات لا تسمح باختزال فوز AfD في رفض المهاجرين، رغم أن الحملات المتشددة ضد اللجوء والهجرة جزء أساسي من هوية الحزب، واستطلاعات الناخبين أعطته تقدما كبيرا في الثقة المتعلقة باللجوء والأمن، وفي الوقت نفسه برزت الأوضاع الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والسلام والحرب في أوكرانيا وعدم الرضا عن الحكومة الاتحادية باعتبارها دوافع مهمة للتصويت.
وقال 51% من سكان الولاية إنهم يشعرون بأنهم يحصلون على أقل من نصيبهم العادل مقارنة ببقية المجتمع الألماني، وترتفع النسبة إلى 66% بين ناخبيي الحزب اليميني المتطرف، فيما استطاع الحزب أن يقدم نفسه لدى شريحة من الناخبين بوصفه المدافع عن مصالح شرق ألمانيا في مواجهة برلين والنخب السياسية التقليدية.
وتحمل ساكسونيا-أنهالت إرثا ثقيلا من التحول الاقتصادي بعد الوحدة الألمانية يتمثل بتراجع سكاني، وهجرة شباب، وشيخوخة مرتفعة، ومناطق ريفية ضعيفة النمو ونقص في العمالة المتخصصة، وانخفض عدد سكان الولاية خلال عام 2025 وحده بـ15,345 شخصا، أو 0.7%، ليستقر عند نحو 2.12 مليون.
لذلك يبدو التصويت لحزب البديل من أجل ألمانيا نتاج التقاء عدة عوامل بدء من السخط الاقتصادي، والشعور بتراجع المكانة، وعدم الثقة بالحكومة الاتحادية، والهوية الشرقية، والخوف من الهجرة، والقلق من الحرب والسياسات تجاه روسيا وأوكرانيا، وصولا إلى الهجرة التي وفرت للحزب قضية واضحة يمكن ربطها بالأمن والخدمات العامة والهوية، لكنها ليست التفسير الوحيد للقفزة من نتيجة 2021 إلى نحو 44%.
كما استفاد الحزب بشكل كبير من تعبئة أشخاص لم يكونوا يصوتون سابقا، وبلغت المشاركة نحو 78%، مقارنة بنحو 60% في الانتخابات السابقة، وأصبح AfD الحزب الأقوى في شرائح عمرية واجتماعية متعددة، وليس مجرد حزب احتجاج صغير في مناطق ريفية محدودة.
الولاية تحتاج المهاجرين.. وبعضهم يفكر في الرحيل
ومع ظهور النتائج تظهر أكثر النتائج العملية حساسية بالنسبة إلى مستقبل ساكسونيا-أنهالت، فالولاية التي منحت الحزب اليميني المتطرف نحو 44% من أصواتها تفقد سكانا وتشيخ بسرعة، في وقت تحتاج فيه إلى عمال أجانب في المستشفيات والرعاية والمطاعم والصناعة والمهن التقنية، وفيما يعتبر متوسط العمر فيها من الأعلى بين الولايات الألمانية، يعتبر السكان الأجانب أصغر سنا بكثير في المتوسط.
وفي القطاع الصحي وحده يعمل أكثر من ألفي طبيب يحملون جنسيات أجنبية، ويشكل السوريون واحدة من أبرز مجموعاتهم، وفي تقارير ميدانية سبقت الانتخابات، قال مسؤولو مستشفيات إن بعض المؤسسات الصحية، ولا سيما في المناطق الريفية، لا تستطيع الحفاظ على مستوى خدماتها من دون الأطباء القادمين من الخارج.
وتصطدم هذه الحاجة الاقتصادية الآن بالخوف الذي أحدثته النتيجة، ونقلت رويترز عن ممثلين للمهاجرين أن بعض الأشخاص وضعوا "خططا ملموسة للرحيل"، وأن بعضهم غادر بالفعل.
وقال باسكال بيغريش من منظمة Miteinander إنه لا يتوقع بالضرورة نزوحا جماعيا بسبب ارتباط الناس بوظائفهم وعائلاتهم وحياتهم، لكنه أشار إلى أن المهاجرين وأرباب العمل يعيدون تقييم مستقبلهم، وأن شركات بدأت تتساءل عما إذا كان من المناسب الاستثمار في الولاية وما إذا كانت قادرة على ضمان سلامة موظفيها الأجانب.
وإذا تحول هذا الشعور إلى انتقال فعلي للعمال المهرة والأطباء والطلاب من شرق ألمانيا إلى ولايات غربية، فقد تصبح نتيجة الانتخابات عاملا إضافيا في تفاقم المشكلة الديموغرافية والاقتصادية التي ساهمت أصلا في صعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف.
ولم يخفف الحزب اليميني المتطرف برنامجه مع اقترابه من السلطة، فيما وضعت نتيجة ساكسونيا-أنهالت "الطوق الصحي" الذي يفصل الأحزاب التقليدية عنه تحت ضغط غير مسبوق.
ورفض محللون سياسيون ألمان تحميل المستشار فريدريش ميرتس أو الطبقة السياسية وحدهما مسؤولية صعود الحزب، ويعتبرون أن المجتمع نفسه ساهم في إنتاج هذا التحول، وأن مواجهته لا تختزل في تغيير المستشار أو السياسات أو مطالبة الأحزاب بالاستماع أكثر إلى ناخبي حزب البديل اليميني المتطرف، لكنها تتطلب استعادة الثقة والحوار والإحساس بالانتماء إلى مجتمع مشترك.
وبناء على ذلك طالبت منظمات للمهاجرين القوى السياسية الأخرى بالحفاظ على قواعد واضحة تجاه الحزب، وعدم تشكيل ائتلاف معه أو حكومة تعتمد على دعمه، مع ضمان تمويل طويل الأمد لمنظمات المهاجرين ومراكز الاستشارة ومشروعات مكافحة التمييز.
وقال تحالف "Potsdam! bekennt Farbe!" إن احتمال تشكيل حكومة بقيادة AfD "ليس تغييرا سياسيا عاديا"، وإنما يمثل "منعطفا بالنسبة إلى الثقافة الديمقراطية في ألمانيا".
ردود فعل رجال دين.. وفي الشارع
ودعا أسقف ماغديبورغ الكاثوليكي غيرهارد فايغه إلى "مقاومة الروح القومية والمعادية للأجانب"، مطالبا الفائزين باحترام دستور الولاية والقانون الأساسي وصون "كرامة جميع الناس"، ومشددا على أن من يتولى الحكم يصبح مسؤولا عن جميع سكان الولاية، فيما تعهدت الكنائس بمواصلة الدفاع عن كرامة الإنسان والتضامن ومواجهة إضعاف المؤسسات الديمقراطية وتقييد الحريات.
ومن الجانب الإسلامي، انتقد الإمام البافاري بنيامين إدريس طريقة تعامل الأحزاب الديمقراطية مع صعود AfD، معتبرا أن بعضها تبنى أجزاء من خطابه بشأن الإسلام والهجرة أو التزم الصمت خوفا من ردود الفعل، بدلا من مواجهته بخط سياسي واضح.
كما عبر رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا يوزف شوستر عن صدمته من اقتراب حزب مصنف يمينيا متطرفا من إمكانية الحكم، محذرا خصوصا من تأثيره المحتمل في قطاع التعليم، الذي اعتبره أساسيا لحماية المجتمع المنفتح ومواجهة معاداة السامية.
وعلى الفور انتقلت ردود الفعل إلى الشارع، وتظاهر آلاف الأشخاص عند بوابة براندنبورغ في برلين وفي بوتسدام احتجاجا على نتيجة ساكسونيا-أنهالت، وقدرت الشرطة عدد المشاركين في برلين بنحو خمسة آلاف شخص، بينما تحدث المنظمون عن نحو 14 ألفا، ورفعت لافتات كتب عليها "الفاشية ليست بديلا" و"كفى عنصرية وتقليصا للخدمات الاجتماعية".
في الخلاصة من المؤكد أن أثر فوز اليمين المتطرف سبتجاوز سياسات الهجرة والترحيل إلى مستوى نفسي واجتماعي أعمق لدى الألمان من أصول مهاجرة، وسيعيد طرح مسألة الانتماء ومن يعتبر ألمانيا فعلا، ويجعل بعض أفراد الأقليات يشعرون بأن مكانهم في المجتمع بات موضع شك، حتى وهم ألمان، وستمس هذه النتيجة أفرادا من العائلة وزملاء وجيرانا يعيشون إلى جانب ناخبي الحزب ويشعرون بالخوف من مواقفه المتعلقة بالهوية والهجرة، يحدث ذلك وسط تزايد الاعتداءات اليمينية والعنصرية مع خطر داهم بتغيير شروط الحياة اليومية لمن استقروا في شرق ألمانيا واعتبروه وطنا جديدا.

1016 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع