
العربي الجديد:لا يُعد مقترح تغيير النشيد الوطني العراقي الحالي أمراً جديداً، إذ صار حدثاً متكرراً في كل دورة برلمانية منذ 20 عاماً، حيث يتقدم نواب عن كتل مختلفة بمقترح تغييره، لكن من دون الوصول إلى نتيجة. وعادةً ما تكون الخلافات على كلمات النشيد أو دلالاته، ومحاولة جعله معبّراً عن هوية عراقية وطنية، فيما يصر نواب وكتل على تضمين إشارات دينية أو طائفية فيه.
واعتمد النشيد العراقي الحالي "موطني" عقب الغزو الأميركي للبلاد، عام 2003، وهو من كلمات الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه الموسيقار اللبناني محمد فليفل عام 1934، وحل بديلاً لنشيد "أرض الفراتين"، الذي كان النشيد الوطني الرسمي للبلاد طوال عقود.
ورغم شاعرية النشيد وكلماته الجامعة لكل ألوان الطيف العراقي، وقبوله شعبياً، لكن نواباً عن تحالف الإطار التنسيقي، الذي يضم القوى السياسية الشيعية، يكرّرون حراكهم كل دورة برلمانية لصياغة نشيد جديد يحمل دلالات سياسية ودينية مختلفة، مع تمرير ذرائع بشكل غير رسمي عبر وسائل الإعلام، من بينها أن النشيد لشاعر فلسطيني وملحنه لبناني.
وفي عام 2012، دعي الشعراء إلى كتابة قصائد وكلمات للنشيد. وعاد التكتل السياسي ذاته في البرلمان ليعلن مسابقة عن أحسن نشيد وطني عام 2019، لكن كل تلك المحاولات لم تلق تجاوباً لأسباب سياسية بحتة وليست فنية، تعود إلى تحفّظ عربي سني، وكردي، ومسيحي، على محاولة تضمين لون ديني أو مذهبي في النشيد، وأهمية أن يكون وطنياً بروح مدنية ترسخ دولة المواطنة.
وخلال الأسبوع الماضي، تبنّى النائب عن كتلة الصادقون، الجناح السياسي لمليشيا عصائب أهل الحق، ياسر الساعدي، طلباً رسمياً وقّعه نحو 50 نائباً، يدعو رئاسة مجلس النواب إلى تشكيل لجنة مختصة تستقبل المقترحات من الشعراء والفنانين والأكاديميين والمثقفين، وتتولى إعداد مشروع متكامل لنشيد وطني جديد. وقد أحالت رئاسة المجلس الطلب إلى الجهات البرلمانية المختصة لدراسته، من دون تحديد موعد لمناقشته أو التصويت عليه حتى الآن.
وسبق هذا التحرك بيوم واحد تقديم عريضة تبنّاها محامي مقرّب من بعض أحزاب الإطار التنسيقي، ودعمها النائبان رائد المالكي ومحمد جاسم الخفاجي، دعت إلى إطلاق مسابقة عامة بين الشعراء والملحنين العراقيين، واختيار نص ولحن يعكسان تاريخ العراق وتضحيات أبنائه، بعيداً عن الحسابات السياسية والحزبية.
ورغم أن الطلب لم يقدم أي نشيد أو قصيدة مقترحة بديلة، لكنه اقترح تشكيل لجنة تتولى استقبال النصوص والمفاضلة بينها. إلا أن النائب ياسر الساعدي نشر بالتزامن مع تقديمه الطلب قصيدة لرجل دين في النجف، وفُهم الأمر على أنه تبنّ سياسي لها بوصفها أحد أبرز البدائل المطروحة. وتبدأ القصيدة بالقول: "رسّخ الوحدة فينا يا مياه الرافدين إنّنا كنا ابتداءً منذ فجر العالمين".
وتبدأ كلمات النشيد الوطني العراقي الحالي بـ"موطني موطني، الجلال والجمال والسناء والبهاء في رُباك"، والقصيدة تتحدث عن حب الوطن، والسعي إلى حريته واستقلاله، ورفض الذل والاستعباد، والجمع بين السيف والقلم رمزاً للقوة والمعرفة، واكتسبت القصيدة مكانة واسعة في الوجدان الفلسطيني والعربي، وظلت مرتبطة بالقضية الفلسطينية وحركات التحرر العربية.
وبعد عام 2003، أُلغي نشيد أرض الفراتين، واعتمد نشيد موطني، ليكون نشيداً للعراق خلال المرحلة الانتقالية. واستمرت الحكومات العراقية المتعاقبة في استخدامه، لكنه لم يُحصّن بقانون دائم يقرّه مجلس النواب.
ويقول مؤيدو التغيير إن نشيد موطني لا يذكر العراق أو حضارته، وهو عام ينفع لأي شعب عربي أو حتى غير عربي، وإن كاتب كلماته وملحنه غير عراقيين. في المقابل، يرى المدافعون عنه أنه أصبح بعد أكثر من عقدين جزءاً من الذاكرة العراقية، وأن قيمته لا تُقاس بجنسية مؤلفه، بل بما يحمله من معاني الحرية والكرامة ومقاومة الاستعباد، إلى جانب رمزيته الفلسطينية التي تحظى بإجماع عراقي.
في عام 2012 شُكّلت لجنة أدبية تحت إشراف عدة ناقدين عراقيين لاختيار نص عراقي، ودرست قصائد لكل من محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ومحمد مهدي البصير. وكان الاتجاه الأبرز اعتماد مقاطع من قصيدة الجواهري: "سلامٌ على هضبات العراق وشطّيه والجرف والمنحنى".
ووصل مقترح القانون إلى البرلمان نهاية عام 2012، وكان الأكثر قبولاً شعبياً من بين كل القصائد الأخرى، لكنه تعثر لاحقاً بسبب الخلاف بين الكتل ومحاولة تضمين إشارات دينية، وكذلك مطالب ممثلي المكونات بإدخال مقاطع باللغات الكردية والتركمانية والسريانية في النشيد، وفي يوليو/ تموز 2013 تأجل التصويت عليه، وبقي "موطني" مستخدماً.
وفي عام 2019 قدّم نحو 70 نائباً مقترحاً لاعتماد أغنية "سلام عليك على رافديك عراق القيم"، من كلمات الشاعر أسعد الغريري وألحان كاظم الساهر، لكن اتحاد الأدباء والكتاب اعترض عليها، معتبراً أن كلماتها لا ترقى إلى مستوى نشيد وطني، وأعاد طرح قصيدة الجواهري بديلاً عنها.
وفي عام 2021 تجدّد الموضوع، بعدما أعلن وزير الثقافة آنذاك، حسن ناظم، أن الحكومة تدرس تغيير العلم العراقي الحالي وكذلك النشيد الوطني، لكن الخطوة لم تبصر النور بسبب الخلافات داخل البرلمان.
وقال الكاتب والشاعر العراقي علي القيسي إن تغيير النشيد الوطني ليس مشكلة بحد ذاته، لكن المشكلة تكمن في الخوف من كتابة نشيد في ظل أجواء مشحونة، يتضمن إشارات استعراضية طائفية أو دينية تنعكس على أجيال كاملة، خاصة أطفال المدارس.
وأوضح، لـ"العربي الجديد"، أن التغيير في حال أُقرّ يجب أن يكون وطنياً مدنياً في كلماته ودلالاته، ولا يتضمن أي إشارة دينية أو قومية، مضيفاً: "في العراق أكثر من 10 أديان ومذاهب وطوائف، وهناك ثلاث قوميات رئيسة، ويجب أن يكون نشيداً جامعاً، مثل النشيد الحالي".

796 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع