
إرم نيوز:بدأ الحرس الثوري الإيراني بتحويل جزء متزايد من موارده العملياتية داخل العراق إلى شبكة من الخلايا الصغيرة التي تعمل خارج الهياكل التقليدية للفصائل المسلحة، في تحول تراقبه الأجهزة الأمنية العراقية بوصفه احتمالًا لإعادة بناء أدوات طهران المسلحة على نموذج أكثر سرية وأصعب في الملاحقة.
وكشف مصدر أمني عراقي لـ"إرم نيوز" أن تقديرات يجري تداولها داخل الأجهزة المختصة تشير إلى أن الموارد التي وضعها الحرس الثوري خلال الأشهر الماضية تحت تصرف هذه الشبكات باتت تفوق ما يقدمه للفصائل العراقية الرئيسة مجتمعة، في مؤشر، وفق المصدر، على أن المسألة لم تعد تقتصر على تشكيل خلايا احتياطية لتنفيذ عمليات محدودة.
وقال المصدر إن التحقيقات تدرس فرضية أن إيران "تنقل مركز الثقل العملياتي تدريجيًا من التنظيمات الكبيرة والمعلنة إلى مجموعات صغيرة بلا أسماء"، مع الإبقاء على الفصائل التقليدية بوصفها قوة سياسية وعسكرية موجودة، ولكن من دون الاعتماد عليها وحدها لتنفيذ العمليات الحساسة.
خيط ميسان
وتكتسب المعلومات أهمية إضافية مع التحقيق في الهجوم الأخير على السعودية؛ إذ أكد المصدر أن الأجهزة الأمنية تبحث في احتمال ارتباط المجموعة التي تحركت من ميسان بالنموذج الذي بدأ الحرس الثوري ببنائه بعد مارس/آذار الماضي.
وبدل أن يتركز التحقيق فقط على معرفة ما إذا كانت "كتائب حزب الله" أو "النجباء" أو فصيل آخر أصدر أمر الهجوم، بات المحققون يدرسون احتمال أن تكون العملية نفذتها مجموعة تعمل أصلًا خارج التسلسل القيادي للفصائل المعروفة.
وتتكون بعض هذه الخلايا، وفق المصدر، من أربعة أو خمسة عناصر فقط، بينما قد يصل عدد أفراد مجموعات أخرى إلى عشرة، ويجري الفصل بينها بحيث لا تحتاج المجموعة الواحدة إلى معرفة تفاصيل الشبكة الأكبر أو هوية بقية عناصرها.
تمويل ضخم
وفقا للمصدر الأمني، بدأ مسار التمويل والتجهيز يعكس أهمية متزايدة لهذه المجموعات؛ إذ تحصل هذه الخلايا الجديدة على موارد ووسائل تشغيل بصورة منفصلة عن القنوات التي كانت تستخدم لتمويل الفصائل الكبيرة.
ويؤكد المصدر أن حجم الموارد المرصودة لها بات، وفق المعلومات المتوافرة لدى الأجهزة العراقية، أكبر من الموارد التي يخصصها الحرس الثوري حاليًا للفصائل العراقية الرئيسة مجتمعة.
ويرى المصدر أن ذلك يمثل مؤشرًا أكثر أهمية من عدد أفراد الخلايا نفسها؛ لأنه يعني أن طهران لا تتعامل معها بوصفها مجموعات طارئة، وإنما باعتبارها بنية قابلة للتوسع إذا تعرضت التنظيمات التقليدية لضغوط أكبر لتسليم أسلحتها أو الحد من عملياتها.
وتتقاطع هذه الصورة مع معلومات ظهرت خلال الأشهر الماضية عن مجموعات صغيرة تضم أعدادًا محدودة من العناصر وتعمل بعيدا عن المقرات والهياكل العسكرية المعروفة، مع تركيز واضح على الطائرات المسيّرة والأسلحة التي يمكن تشغيلها بواسطة فرق محدودة.
تحول بدأ مبكرا
"لم يكن ظهور الخلايا الصغيرة مجهولًا تمامًا في البيئة العراقية"، كما يقول الباحث العراقي فراس إلياس لـ"إرم نيوز"، مشيرا إلى التغيرات التي طرأت على أسلوب عمل الجماعات المسلحة.
ويلفت الياس إلى أن السنوات الماضية شهدت ظهور "خلايا ناشئة غير معروفة"، تتبنى عمليات وصفها بأنها أشبه بـ"الهجمات الشبحية"، وعن تحول آنذاك في استراتيجية الفصائل والخلايا المرتبطة بها هيكليًا وإداريًا وأيديولوجيًا، مع بقاء طبيعة تلك الروابط غير واضحة بصورة كاملة.
ويربط إلياس ذلك التحول باستخدام الطائرات المسيّرة والتغيرات التي أصابت البيئة العملياتية للفصائل بعد مقتل قاسم سليماني، وما نتج عنها من إعادة ترتيب في آليات التصعيد والتنفيذ.
ويضيف أن النموذج الذي كان يظهر آنذاك كخلايا مرتبطة بالفصائل بات، وفق المعلومات الأمنية الحالية، يتطور نحو مجموعات أصغر يمكن أن ترتبط بقنوات تشغيل خارج الهياكل التقليدية للفصائل.
لماذا تغير إيران النموذج؟
من جهته، يقول اللواء العراقي المتقاعد والخبير في الجماعات المسلحة العراقية جاسم البهادلي إن المجموعات الجديدة التي أسسها الحرس الثوري تبدو أصغر حجمًا وأكثر تشددًا أيديولوجيًا وأكثر خضوعًا للسيطرة.
ويربط البهادلي ظهورها بحاجة إيران إلى الاحتفاظ بأدوات مسلحة داخل العراق في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على الفصائل التقليدية ويتجه بعضها بصورة أكبر نحو النشاط السياسي.
وهذا التحول لا يعني، وفق المعطيات التي حصل عليها "إرم نيوز"، أن إيران قررت حل الفصائل الكبيرة، وإنما قد يشير إلى عملية فصل تدريجي للوظائف بينها. فالتنظيمات المعروفة تستطيع الاحتفاظ بثقلها السياسي والاجتماعي ومقاتليها، بينما يمكن نقل العمليات الأكثر حساسية إلى مجموعات أصغر لا تحمل الاسم التنظيمي للفصيل ولا تظهر ضمن تسلسل قيادته المعلن.
المعضلة المقبلة للزيدي
وهنا تبرز المشكلة الأكبر أمام حكومة علي الزيدي مع اقتراب نهاية مهلة 30 سبتمبر/أيلول لحصر السلاح، وهي مهلة أكدت الحكومة خلال أغسطس/آب أنها ستكون نقطة بدء لتنفيذ العملية تدريجيًا. فالمفاوضات الحكومية تستطيع التعامل مع قيادات معروفة ومطالبتها بالكشف عن مخازن الصواريخ والمسيّرات وأعداد المقاتلين، لكن النموذج الجديد يخلق طبقة مسلحة لا تمتلك قيادة عراقية معلنة يمكن للحكومة استدعاؤها إلى طاولة المفاوضات.
ويعتقد المصدر الأمني أن هذا الاحتمال أصبح جزءًا أساسيًا من النقاش داخل الأجهزة العراقية بعد هجوم السعودية؛ لأن نجاح عملية حصر سلاح الفصائل التقليدية لن يكون كافيًا إذا بقيت مجموعات صغيرة قادرة على الحصول على المسيّرات والأموال والأوامر عبر قنوات منفصلة.
وتزداد هذه المعضلة مع ظهور مؤشرات سياسية خلال الأيام الأخيرة على تحول النقاش الحكومي من إنجاز نزع شامل للسلاح بحلول 30 سبتمبر/أيلول إلى اعتبار الموعد بداية لمسار أطول لـ"حصر" السلاح أو "تنظيمه"، من دون جدول معلن لإنهاء العملية.
وبذلك، فإن إيران، وفقا للمعلومات الجديدة، لا تتخلى عن نموذج الفصائل بقدر ما تعيد توزيعه، عبر تنظيمات كبيرة ومعلنة تحتفظ بالثقل السياسي والاجتماعي، وإلى جوارها خلايا عملياتية أصغر وأكثر غموضًا. وعندها لن تكون المعضلة التي تواجه بغداد بعد 30 سبتمبر/أيلول فقط كيفية جمع سلاح الفصائل، بل كيفية حصر سلاح شبكة لا تحمل اسمًا ولا مقرًا ولا تعترف أصلًا بوجودها.

603 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع