
الكمان الأزرق يعزف على بياض سيدي بوسعيد
تونس / صوفية الهمامي:في سيدي بوسعيد حيث يذوب الأزرق في البياض الناصع، يرسم"الكمان الأزرق" بأوتاره الأربعة قوس قزح بلون البحر المتدرج ووهج الأبيض على واجهات البيوت، ودفء الطين المحروق في اللوحات المعلقة.
داخل غاليري الكمان الأزرق لا نرى ألوانا بل نسمع مقطوعة بصرية، كل لوحة مقطع وكل فنان عازف، الجدران هي الدفاتر واللوحات هي النوتات والعازفون بريشة الألوان هم الرواد الذين تركوا لحنهم خالدا.
وفي البهو الفسيح يقف أصدقهم عزفا على وتر الذاكرة، يقف الأب المؤسس للحركة التشكيلية التونسية، الفنان الصادق قمش (1940 - 2024)، في تكريم يليق بعزفه على مدى سنوات طويلة بريشة من ذهب عزفت فحوّلت المشهد اليومي إلى قصيدة بصرية خلدت اسمه وأعماله.
كان الصادق قمش يؤمن أن الفنان لا يودع بالرحيل وكان يستشرف اللقاءات المفتوحة فترك فنه معروضا لكل من يمر ليلتقيه حتى وهو غائب.
وقد قال قبل وفاته : "لدي إحساس بأننا جميعا نستلهم من تجاربنا الحياتية وعيشنا. وأنا أستمد جزء كبيرا من إلهامي من اللقاءات، ومن المشاعر التي عشناها. وكذلك من تراثنا الثقافي المادي واللامادي، ومن أساطيرنا ومن تاريخنا".
الكمان الأزرق في سيدي بوسعيد ليس مجرد جدران تعرض عليها لوحات للفن المعاصر، بل مسرح صغير تعزف فيه أرواح الفنانين الرواد الذين رسموا ملامح الفن التشكيلي في تونس وفي العالم العربي .
من هنا يأتي التكريم الأجمل ووقفة الوفاء، من قمش إلى بقية الرواد، فالكمان الأزرق يجمع بين الأجيال، ماض يعلم الحاضر المبدع ومستقبل يتعلم كيف يمسك بالمقام ويرسم.
ولكن من يقود هذه الأوركسترا البصرية؟ ويمسك بعصا القيادة حتى يعزف المعرض ألوانه بانسجام؟ مايسترو هذا الغاليري ليست يدا مجهولة، هي سيدة عشقت الفن التشكيلي وجعلته أولوية في حياتها وقررت أن تكرّم رواد الفن الذين رحلوا حتى لا تلفهم صفحات النسيان في الكتب، فكل لوحة معلّقة وكل ريشة محفوظة وكل لون مضاء هو نفسٌ جديد لإحيائهم بأعمالهم.

المايسترو آسيا اللطيف تؤكد أنها لا تعزف بل تجعل الرسامين بريشة الألوان يعزفون للأبد.
وعن هذا التكريم تقول : "لقد مرّ الصادق قمش في مسيرته بثلاث محطات كبرى، وكان لكل محطة لونها ولغتها. في بداياته بتونس عزف على وتر الأرض فاستخرج ألوانه من الطين وبياض الجدران وظلال المتوسط وكانت لوحاته تمثل حكاية مكان وذاكرة شعب يبحث عن هويته بعد الاستقلال.
وحين حلّ ببرلين بين 1969 و1971 انفتح القوس على مساحة أوسع، فتأثر بالفن الحديث هناك. فجاءت الخطوط أجرأ والتكوينات أكثر حرية، لقد علّمته برلين كيف يفكك الشكل ليبني معنى جديدا.
أما في باريس وتحديدا في "سيتي إنترناسيونال ديزار"، اجتمع كل شيء بين أنامله، فمزج بين ذاكرة تونس وجرأة برلين فنضجت لغته وتحول اللون عنده من الوصف الى السرد ومن هنا جاء اسم المعرض "سرد" الذي قسمناه في هذا الفضاء الأزرق ليسرد لنا ثلاث مراحل فنية مهمة تعزف للأبد لكل مهتم بروعة الألوان".
ومن خلال "سرد"، يقول نعمان قمش : "تنكشف حياة إبداع كاملة، بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجمعي، وتتضح المكانة المحورية للصادق قمش في مسار الفن الحديث في تونس وسردا لمراحل جوهرية من حياته ومحاورة مع ما شهده الفن من تحولات".
تنوعت الشهادات في حق الفنان الصادق قمش لعل أهمها ما دونه الرسام والنحات الكبير زبير التركي : "يعمل الصادق قمش بشغف وحب عميق للفن ويعبر عن إبداعاته بصدق وشدة.
وتظهر أعماله عمقا واحساسا مرهفا يتخللها أحيانا شكل من أشكال السذاجة المتعمدة وهذا منحه صفة التفرد، وتكمن السمة المميزة لفنّه في قوة ارتباطه بعواطفه وفي التزامه الصادق بالرسم".
وبالعودة إلى تسمية المعرض بالآلة الموسيقية الشهيرة الكمان الأزرق، أوضحت آسيا اللطيف أن الفنان الفرنسي المقيم في نيويورك أرمان بيير فيرنانديز أهداها خلال زيارته لتونس آلة كمان مصبوغة باللون الأزرق صنعها هو بنفسه، تكريماً للشخصية الهامة في الفن الأوروبي وعاشق اللون الازرق زميله إيف كلاين.
مضيفة أن أرمان هو من اقترح عليها فتح معرض باسم الكمان الازرق في الوقت الذي كانت منكبة على معرض آخر يحمل إسم عتيقة، في إشارة لكل ما هو نفيس من لوحات ومنحوتات وقطع الاثاث النادرة.
ووصفت آسيا الكمان الأزرق بأنه مشروع حياتها و"ابنها المدلل" الذي تخاف عليه لأنه غير الكثير في مسيرتها واحساسها بالرسم والنحت، وذكرت أنها كانت حين تسافر توصي أمها أولا عنه، وفي مرحلة ثانية كانت توصي عن أولادها، اليوم كبر الأولاد وكبر الكمان الأزرق وأصبح معروفا في العواصم العربية والأوروبية.
أما عن مسيرتها الفنية، كشفت السيدة آسيا اللطيف أن تأثرها العميق بتجربة الفنان التونسي علي بلاغة كان نقطة الانطلاق الاولى في مشوارها، لكن التأثير الأقوى جاء من الفنان الفرنسي أرمان فيرنانديز الذي لم يمنحها الآلة فقط، بل أهداها أيضاً اسم معرضها، ليصبح عنوانا يلخص رحلتها الفنية وارتباطها باللون والفن التشكيلي.
في ذات الإطار لم تخف اعجابها وتأثرها بأعمال الفنان المغربي الكبير فريد بلكاهية التي لاتوجد إلا عندها وحدها، إلى جانب أعمال علي بلاغة وعلي بن سالم اللذين عاشت معهما سنوات طويلة على الصعيدين العائلي والعملي.
وتجدر الإشارة أن علي بلاغة (أبريل 1924 - أكتوبر 2009) يعد من أبرز رواد الفن التشكيلي في تونس، وأحد أبرز أعمدة المشهد الفني في ستينيات القرن الماضي، اتسمت أعماله بروح تونسية أصيلة وتقنيات فريدة جمعت بين الرسم والنحت مع لمسات زخرفية.
وبشأن تعاملها مع الفنانين الشباب لمعرض أكدت آسيا اللطيف أن تشجيعها لهم يتم عبر ابنتها التي افتتحت لهم معرضا تستقبل فيه أعمالهم وتدعمهم باستمرار.
يغيب الزوار ويبقى المكان
ويظل الكمان يعزف في صمت الجدران وفي كل لوحة صوت لم يمت وفي كل ضوء ذكرى لم تنطفئ.. ليظل الكمان شاهدا على أن الفن حياة ...

970 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع