في ذكرى ليلى العطار.. أيقونة الحركة التشكيلية العراقية

فنانة اغتيلت بسبب صورة لم ترسمها

العرب:مع بزوغ فجر السابع والعشرين من يونيو عام 1993، انطلق صاروخ ضمن رشقة استهدفت مناطق مختلفة في بغداد، ليدمر منزل الفنانة التشكيلية العراقية الراقية ليلى العطار. استشهدت ليلى وزوجها وامرأة مسنة كانت تسكن معهما، وفُقئت عين ابنتها الجميلة ريم.

هزّ هذا الحدث المأساوي قلوب الملايين، ومع شروق الشمس انكشفت الحقيقة المرة: سقطت أقنعة دعاة الديمقراطية العالمية الزائفة، وكشفت وجوههم القبيحة. كانت هذه الضربة الثانية التي تتعرض لها العطار، فبعد نجاتها من قصف منزلها الأول عام 1991، انتقلت للعيش في منزل شقيقتها سعاد العطار في منطقة المنصور، لتنهي حياتها هناك في الضربة الثانية.

قُتلت ليلى العطار، أيقونة التشكيل العراقي الذهبية، بدم بارد، بحجة واهية هي رسمها لصورة خزفية على أرضية مدخل فندق الرشيد في بغداد، والتي قيل إنها للمجرم جورج بوش الأب. أُثيرت مزاعم بأن هذه اللوحة أثارت سخط الإدارة الأميركية، مما دفعهم لارتكاب هذا الفعل الأرعن والهمجي بأمر من كلينتون.

ليلى العطار، الإنسانة الرقيقة، والفنانة المتميزة، والمسؤولة العادلة والنقية، لم تكن في يوم من الأيام صوتا سياسيا، أو طائفيا، أو مناطقيا، بل كانت بكل حواسها وأخلاقها ورسالتها الإنسانية والإبداعية في خندق الجمال والحب والإبداع والتألف.

أود هنا أن أوضح للتاريخ وللجميع، أن الشهيدة ليلى العطار، وبحكم زمالتي الطويلة معها ومتابعتي الدقيقة لتجربتها التشكيلية، منذ بداياتها، وما هو معروف جليا عنها في المشهد الفني، لم ترسم صورة المجرم جورج بوش أبدا، بل إنها لم ترسم أي لوحة بورتريه لأي شخص طوال حياتها الفنية، كل ما قيل عن رسمها لهذه الصورة الساخرة عار تماما من الصحة، وإن كان كل فنان عراقي يفتخر برسمها، لأنها تمثل صورة حقيقية لبوش الإجرامي الذي دمر العراق، ليأتي من بعده ابنه ويكمل مشوار أبيه، ويحيل البلد إلى خربة ما تزال باقية حتى الآن.

كانت العطار صاحبة تجربة فنية خاصة وواضحة المعالم، يعرفها الجميع، وقد كتب عنها العديد من النقاد والصحافيين. تقول العطار عن ذلك “أتناول في كل معارضي وبشكل اعتيادي، مواضيع المرأة، لأنها شغلي الشاغل، فهي جزء مني وأنا جزء منها، وأشعر بمسؤوليتي الكبيرة حيالها. ومن خلال تجربتي العميقة وفهمي لعالمي الخاص عرفت أن (المرأة + الأرض = العطاء). وهذه ليست مسألة رياضية، بقدر ما هي بديهة واضحة، لأن العطاء ينبع عادة من الأرض، والمرأة بحد ذاتها هي عطاء دائم ليس له حدود”.

كان فن ليلى العطار يوحي باغتراب وحزن عميق، الأمر الذي جعلها تتخذ من الطبيعة موضوعا للخلاص. لكن الطبيعة هنا لديها كانت جرداء، صحراء تمتد إلى المجهول، وكانت الأشجار جرداء، وقد غادرها الربيع إلى الأبد. بل قد تبدو أعمالها كساحة حرب مهجورة بعد قتال قاس ومرير. ووسط تلك الخرائب والصمت، ثمة جسد يتجه نحو الشمس في غروبها، جسد يتلاشى أو يستسلم للكون، إنها تذكرنا برومانسية معاصرة للشقاء الذي تعانيه النفس في عزلتها الاجتماعية والنفسية والفلسفية؛ تلك الوحدة التي تدفع بالمتفرد إلى عزلة بلا حدود، لكنها في الواقع هي الوحدة، هي الاندماج بالكل، والتخلي -كما يفعل المتصوفة والزهاد- عن المتاع الزائد لبلوغ درجة اللاحاجة، أو المثال الذي يراود الملائكة والشعراء والعشاق العذريين. إنها في هذا المسار تذكرنا بموتها، هذا العناق مع الأشجار الجرداء، مع الأرض المحترقة، ومع الهواء الأسود.


ليلى العطار، الإنسانة الرقيقة، والفنانة المتميزة، لم تكن في يوم من الأيام صوتا سياسيا، أو طائفيا، بل كانت بكل حواسها وأخلاقها ورسالتها الإنسانية والإبداعية في خندق الجمال والحب

في لقاء صُحفي خاص معها خلال معرضها الشخصي الخامس الذي أقامته على قاعة الرواق سنة 1980، قالت “حينما أرسم أتناول اللوحة ككل دون تفصيل، كي أستطيع أن أوضح الفكرة التي أروم طرحها. فالأفق يعني بالنسبة إلي الأمل الذي أتوق لتحقيقه، والترقب هو المحرك الذي يمنح الذات البشرية النمو والتجدد، والضبابية هي المناخ الذي تعيشه المرأة”.

بعد رحيلها المأساوي كتب الناقد شاكر حسن آل سعيد كلمة جاء فيها “حينما قدمت لمعرض ليلى الشخصي الأول في السبعينات، كنت كمن يحدس أن في هاجسها الفني ما ينبئ بتضحية الفنان عبر مسيرته غير المعلنة.. لقد قرنتها بـ’شهرزاد ألف ليلة وليلة'”.

ولدت الشهيدة ليلى العطار في بغداد سنة 1944. في عام 1955 حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة “شانكر” لرسوم الأطفال في الهند. تخرجت من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1965، وشاركت مع جماعة آدم وحواء عام 1967، وكانت تلك بدايتها الاحترافية مع الفن. أقامت خمسة معارض شخصية، فضلاً عن مشاركتها في العديد من المعارض الفنية داخل العراق وخارجه. حازت جائزة الشراع الذهبي في بينالي الكويت السابع عام 1973، كما أحرزت العديد من الجوائز التقديرية الأخرى في الكويت والبحرين ومصر، وبينالي القاهرة عام 1984، ومهرجان بغداد العالمي الأول عام 1988. وكانت عضوًا في كل من نقابة الفنانين، وجمعية التشكيليين العراقيين.

تولت مناصب إدارية عديدة منها مديرة قاعة الرواق في نهاية السبعينات، ثم قاعة كولبنكيان، ثم مدير عام دائرة الفنون التشكيلية، حتى يوم استشهادها. كانت بحق زميلة أمينة، وصديقة وفية، مع الفنانين والموظفين كافة، لم تغبن حق أحد قط، وقدمت للحركة التشكيلية العراقية ما لم يقدمه أي مسؤول عراقي آخر. وإذ نستذكرها اليوم، فإننا نعتذر إليها، لأننا نسيناها طوال المدة الماضية، مثلما نسينا أغلب مبدعينا الكبار، بسبب الفوضى والمأساة العميقة، التي خلفها لنا ابن صاحب الصورة المشؤومة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

522 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع