العشاء الأخير والحرب على ولاية الفقيه / د.علي سبتي الحديثي

د.علي سبتي الحديثي*

العشاء الأخير والحرب على ولاية الفقيه

القوة لا تكفي من دون وعي بضبط مسارها / المفكر الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي
أشاره لمقالتي في جريدة رأي اليوم اللندنية في 21 شباط فبراير 2026 تحت عنوان(هل يحتمل الوضع العربي في ظل أوضاع دولية وإقليمية خطيرة مزيدا من الخلافات ) وكنت أعني بشكل واضح ما سيحدث وما حدث عندما سميت الوضع في الخليج العربي بأنه خطير للغاية وهو على صفيح ساخن ينتظر الانفجار .
صبيحة 28 شباط انطلقت الحرب ولكن الغريب أن الرد الإيراني شمل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والأردن ، بل أنه تجاوز حجم الرد على إسرائيل ، وتجاوزت الضربات الصاروخية الإيرانية أماكن تواجد الأمريكان في قواعدهم اللوجستية، الى أهداف مدنية واقتصادية ومراكز الطاقة والمطارات ، وبعد شهر من الحرب بلغت نسبة الاستهداف للدول العربية 85% ولإسرائيل 15% وكانت حصة الامارات ما يتجاوز 2469 استهداف أي 35% من المجموع الكلي لصواريخ العدوان الإيراني لتاريخ كتابة هذه الدراسة ، والغريب أن أصوات عربية مهمة ولكنها مع الأسف أما مغيبة وجاهلة أو حسودة وحاقدة لهذا السبب أو ذاك لم ترتفع منددة بالعدوان على ايران ومتناسية العدوان الإيراني غير المبرر ألا في اطار الحقد الكسروي التاريخي .وأنصافا للحقيقة لقد كان المزاج الشعبي والرسمي قبل الحرب في عموم دول الخليج العربي ضد الحرب وصدرت تصريحات من قادة هذه الدول جميعا بهذا المعنى، وكلنا تابع دور السلطنة في احتضان المفاوضات بين الإيرانيين والامريكان ولكنها لم تسلم من صواريخ الحقد الكسروي ، وكان الكل يعمل جاهدا من أجل أن تندلع هذه الحرب اللعينة .
ورغم أني كنت على قناعة تامة أن هذه الحرب التي تدور رحاها لابد منها ، من خلال تجربتي السياسية في الحياة وتخصصي في الشؤون العراقية الإيرانية لفترتين زمنيتين منقطعتين باحثا في الأولى وسفيرا في الثانية ، فقد تجاوزت الثورة الإيرانية الخطوط الحمراء التي رسمتها الغرف المظلمة ، وتضمنت مسارا معينا للثورة منذ انتصارها في 12 فبراير شباط 1979 بعد وصول الخميني من باريس يوم 1 شباط فبراير 1979 على متن الأيرافرانس ونزوله بمطار مهر آباد بعد أن كان يقيم في ضاحية نوفل لوشاتو ويجري اتصالاته مع القوى الدولية بما في ذلك الاتصالات المكثفة مع أدارة الرئيس كارتر والمخابرات المركزية الامريكية ويعقد الصفقات على قاعدة الضرورات تبيح المحضورات، وهناك تفاصيل كثيرة تضمنها كتابي الأخير عن الحرب الإيرانية العراقية لا يتسع الحديث عنها في هذه الدراسة المختصرة .
نزلت طائرته واستقبلته الملايين الحانقة على الامبراطور الذي تجاوز هو بدوره الخطوط الحمراء، وخالف الغرب وخرج عن المسار المرسوم له كما هو الخميني وورثته، تجمعهم وحدة الهدف في أحياء الأمجاد الكسروية عندما تحين الفرصة. وقد كان الحفل الأسطوري الذي أقامه عام 1971 احتفالا بمرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية بمثابة العشاء الأخير له عندما بدأ يخرج عن إرادة الغرب ويتصرف باستقلالية في مجال تسويق النفط وانسجم تماما مع الأوبك وسياستها لرفع أسعار النفط بعيدا عن تأثيرات الغرب وقدم لمصر دعم نفطي مهم في حرب تشرين أكتوبر وربطته علاقة خاصة مع الرئيس أنور السادات. كما أنه بنى أسطول بحري كبير هدفه السيطرة على المحيط الهندي وليس الخليج العربي فحسب وتحول الى شرطي الخليج الفعلي وبد يتخطى عتبة الحليف التابع للغرب ويصنع لنظامه مهام تنسجم والطموحات الإمبراطورية لهذا البلد الموغل في التاريخ والذي حكم معظم المشرق العربي قرون عديدة ، منذ تحطيم كورش لمملكة بابل الثانية وتحالفه مع اليهود الذين سباهم نبوخذ نصر ملك بابل العظيم ، ونصب كورش من نفسه ملكا عليها وأنهى سبي اليهود ولذلك يقدسه اليهود والفرس لليوم ويسمونه كورش العظيم ويضعونه في مقام الانبياء ، كان ذلك في 29 أكتوبر/ تشرين أول عام 539 قبل الميلاد . الى أن بزغ فجر الإسلام فكانت معركة القادسية الأولى بقيادة سيدنا سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه في 13 شعبان للهجرة واستمرت من 16 نوفمبر تشرين ثان الى عام 636 لميلاد السيد المسيح عليه السلام الى 19 نوفمبر من نفس العام حيث توالت بعدها انهيارات الاكاسرة الى أن قتل كسرى الثالث والأخير آخر ملوك الساسانيين في عهد الخليفة الراشد سيدنا عثمان رضي الله عنه في عام 31 للهجرة . ولا يتسع الحديث هنا للإفاضة والاسهاب الا بقدر ربط الاحداث تاريخيا حيث يلعب التاريخ دور غاية في الاهمية في صناعة الاحداث.
وعودا الى بدء كلل الشاه محمد رضا بهلوي خروجه على ما رسمه له الأمريكان والغرب بعقده أتفاق 1975 في 6 آذار بينه وبين العراق خلافا لإرادة الامريكان تتويجا لما توصل اليه برعاية الرئيس الجزائري الراحل الزعيم هواري بومدين هو والرئيس صدام حسين على هامش قمة الأوبك في الجزائر مما دعا هنري كيسنجر ثعلب السياسة الامريكية (اليهودي من أصل ألماني ) لأن يطلب منه أي من الشاه لقاء عاجل في جنيف التي توجه لها من الجزائر العاصمة ، وما كان من كيسنجر ألا أن وبخه على توقيعه اتفاق اذار مع صدام حسين برعاية بومدين العدوين اللدودين للولايات المتحدة وإسرائيل . وبتقديري أن هذه هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير وجعلت الامريكان يفكرون بإزاحته ودعم الحركة البديلة لحكم إيران بقيادة الخميني ومجموعته ، رغم وجود معارضة وطنية علمانية قوية متمثلة بحزب توده ، ومجاهدي خلق بقيادة مسعود رجوي القوة المسلحة الإسلامية اليسارية الأكثر فاعلية على الأرض، وفدائي خلق وحركة تحرير ايران بقيادة مهدي بازركان اول رئيس وزراء لإيران بعد التغيير، وقد صودرت أدوار الجميع لصالح الخميني ومجموعته الثيوقراطية بتوصية من المفكر الاستراتيجي زبيغنيو بريجنسكي ( وهو الآخر يهودي من أصول بولندية ) مستشار ألأمن القومي للرئيس كارتر (1977-1981 ) ، الذي أشرف في عهده على الاتصالات المخابراتية الأمريكية مع الخميني الذي وصل باريس في شهر أكتوبر تشرين بعد أن غادر العراق متوجها للكويت في 3/10/1978 ، وأقام في ضاحية نوفل لو شاتو بعد أن ابلغته السلطات العراقية أنها ملتزمة بالاتفاق مع الشاه بعدم السماح للخميني ممارسة نشاطات مضادة لحكم الشاه انطلاقا من الأراضي العراقية وأنه أما أن يصمت أو يغادر البلاد واختار الرجل الخيار الثاني . وقد رفضت الكويت استقباله فتوجه نحو باريس وأقام في ضاحية نوفل لو شاتو برعاية واشراف المخابرات الفرنسية ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية وكان المنسق مع هذه الأجهزة السيد صادق قطب زادة وزير خارجية ايران 1979-1980 الذي أعدمه الخميني فيما بعد بتهمة التخابر والخيانة العظمى لرفضه اعتماد نظام ولاية الفقيه وكونه يمتلك اسرار الخميني واتصالاته المشبوهة وهو الذي أوصل رسالة الخميني الى كارتر في 27 يناير كانون ثان والتي بموجبها عقدت الصفقة .
وكان الدور الأمريكي الداعم للتغيير حاسما فيما آلت اليه الأمور وكان لكل من السفير جورج سوليفان والمبعوث السري الجنرال هويزر الدور الأساسي في إدارة شأن التحول السياسي في ايران حيث تم توجيه أمر للشاه بترك طهران ومغادرتها وطلبوا من الشاه تنصيب شاهبور بختيار رئيسا للوزراء تمهيدا لتسليم السلط للخميني واتباعه ( بالمناسبة فر الرجل من ايران بعد انتصار الثورة وقتل في باريس في 6 آب / أغسطس بمنزله في باريس ) وأمر الجنرال هويزر قادة الجيش الشاهنشاهي بعدم أطلاق النار على المتظاهرين وعدم التدخل، وأجهض محاولة الجنرال الإيراني أويسي قائد الاحكام العرفية في طهران و11 مدينة أخرى خلال احداث لثورة وتحديدا في فترة الجمعة السوداء استخدام القوة المفرطة للقضاء على الثورة.
لقد أدى الخميني وتلاميذه منذ تسلمه السلطة التزاماته ونفذ عهوده فأوقف المشروع النووي الذي وضع ركائزه الأولى الشاه شرطي الخليج الذي خرج عن طوع اسياده ، وحاول جاهدا أعادة أحياء أمجاد فارس القديمة حلم حكام ايران على اختلاف مشاربهم الدائم ، والعامل المشترك بينهم مهما اختلفت رؤاهم السياسية والفكرية وباشر العهد الجديد بالتبشير الطائفي الأصفر بين المسلمين وفي العراق تحديدا باعتباره نقطة الانطلاق الأولى لمشروع الثورة الاممي بحكم وجود النجف وكربلاء ونسبة مهمة 43% من الشعب العراقي تدين بالمذهب الجعفري .
وكان من بين مهام الخميني الذي اسس لها فكريا في أهم كتبه وأبحاثه (الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه) الذي تضمن خروجا صريحا على أسس التشيع الإثني عشري الذي ينتظر الامام الغائب في غيبته الكبرى وخرج بنظرية نائب الامام لحين ظهور المهدي المنتظر الأمام الغائب الثاني عشر للشيعة الأمامية، والتمعن في هذا الكتاب يدل بشكل واضح على تأثر الخميني بأفكار السيد قطب بشأن الحاكمية الإسلامية الزعيم الروحي للإخوان المسلمين .
عند وصول الخميني للسلطة شرع دستورا يبيح له تصدير ثورته الإسلامية الشيعية الإثني عشريه، وجعله بندا أساسيا في برنامج الثورة واعلن أن حدوده وسلطاته تمتد من إندونيسيا شرقا الى المغرب ونيجيريا غربا، وأن الهدف الأول له بغداد والنجف وكربلاء والاطاحة بالنظام القومي العلماني الذي يقوده صدام حسين رغم اعتراضات نائبه الشرعي اية الله منتظري وعديد من مستشاريه وفي مقدمتهم السيد دعائي السفير الإيراني في بغداد. فأمر بأنشاء أذاعه موجهة للشعب العراقي تدعوه للثورة على نظام البعث الكافر وزعيمه الرئيس صدام ودعا على الهواء مباشرة السيد محمد باقر الصدر لقيادة الثورة الشيعية في العراق والمباشرة فيها الأمر الذي أفقد السيد الصدر حياته ، وتوالت تصريحات المسؤولين والقادة وعلى رأسهم أبو الحسن بني صدر ، عن عائديه بغداد والعراق لدولة فارس وقد شهدت اشهر كانون ثان وشباط واذار ونيسان ومايس وحزيران وتموز عام 1980 تصاعدا كبيرا في العمليات العسكرية الإيرانية على حدود العراق ومياهه الإقليمية وبلغت اعتداءاته اكثر من 295 واقعة ، الى تاريخ 4 أيلول سبتمبر 1980 تاريخ بدء الحرب بمفهومها القانوني وقد وثقت وزارة الخارجية العراقي جميع هذه الاعتداءات بمذكرات رسمية الى الأمم المتحدة والجامعة العربية وصدرت عن رئاسة الأركان الإيرانية من تاريخ 4 أيلول 1980 الى تاريخ 22 أيلول 1980 تاريخ الرد العراقي الواسع 16 بيان عسكري تلخص الموقف الإيراني في جبهات القتال .
انتهت الحرب وتمكن العراق بعد 8 سنوات من القتال العنيف أن ينتصر على ايران ويجرع خميني السم الزعاف ويوقف مشروعه التوسعي العالمي ، لحين احتلال بغداد في نيسان 2003 ، رغم ما أصاب العراق من ضعف في قدراته العسكرية نتيجة الحصار الذي فرض عليه 13 عاما على أثر غزوه الكويت وطرده منها بعد تشكيل اكبر تحالف دولي بعد الحرب العالمية الثانية ضده بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. خلال هذه الفترة ومع انهيار الاتحاد السوفيتي استثمرت أيران الفرصة بقيادة علي خامنئي ، الذي خلف الخميني لأعاده بناء قوتها واستأنف بناء مشروع ايران النووي الذي أسس له الشاه ، وباشر بتطوير الصناعات الصاروخية بالتعاون مع كوريا الشمالية بعدما كانت ايران تعتمد على صواريخ سكود روسية حصلت عليها عن طريق ليبيا ( حليفتها من 1980 الى تاريخ احتلال الفاو 1986 حين صححت القيادة الليبية بوصلتها القومية خلافا لسوريا الاسد ) واشترت مكونات صناعة نووية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة وخاصة من كازخستان واستجلب الخبراء النوويين وخبراء صواريخ واسس جامعة الصادق لتتخصص في تخريج الاذكياء في مجالات الذرة والفضاء.
وبعد احتلال العراق وتعاونهم مع الامريكان على احتلاله، وهذا الأمر ليس رجما بالغيب فأضافه لتصريحات كبار قادتهم حول تعاونهم مع الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان والعراق فقد نقلت شخصيا الى قيادتي عندما كنت سفيرا في البحرين قبل أن أغادرها للأمارات في الشهر العاشر 2002 رسالة من وزير دفاع البحرين الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة يبلغ فيها الرئيس صدام حسين عن لسان توم فرانكس قائد الغزو الأمريكي للعراق بأن الأمريكان استكملوا تعاونهم مع ايران واتفقوا على تفاصيل الدور الإيراني.
وبعد احتلال العراق سلمت الولايات المتحدة مقاليد السلطة لاتباع ايران من الأحزاب الدينية الشيعية واعطت بقايا فتات للحزب الإسلامي ( الاخوان المسلمين ) واستبعدت الحركات المعارضة العراقية التي تعاملت مبكر مع الامريكان ذات التوجه العلماني وبناء الدولة المدنية أمثال أحمد الجلبي وعدنان الباججي رغم انهم كانوا في ظاهر الامر الأقرب للأمريكان والغرب ، وكان هذا الأمر إيذانا بحرب طائفية مقصودة ومخطط لها بالتعاون بين الموساد والامريكان ومن طرف خفي مع الإيرانيين ولكن بفاعلية اكبر في تخادم مصالح عجيب وقد تركت هذه الحرب الطائفية اثارا وجروح عميقة في المجتمع العراقي حتى اصبحت أحدى أخطر معضلة اليوم تواجه أعادة بناء العراق ما بعد الاحتلالين الى جانب أشاعه ثقافة الفساد المالي بشكل مقصود الذي نخر المجتمع العراقي. ودون الإفاضة في هذه السردية التي يعرفها المتخصصون في الشأن العراقي الإيراني والعربي الإيراني عموما ألا اني أعتقد جازما أن وظيفة نظام ولاية الفقيه قد انتهت صلاحياته وما خطط له من أدوار بعد أن تفككت المنطقة وتشطرت مجتمعاتها طائفيا لصالح المشروع الصهيوني وهدف تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى .
وقناعتي بانتهاء دور الولي الفقيه لا تعني ابدا الاستهانة بقدرات ايران على الصمود والمطاولة ولو كان أي نظام آخر يسقط منه هذا العدد من القادة وعلى رأسهم المرشد الأعلى لكان سينهار حتما ، ولكنه مازال متماسك وتدار المعركة بشكل مركزي أضافة للروح الجهادية التي يتحلى بها مقاتلو الحرس الثوري العقائدي وثقافة الشهادة التي تتلبسهم ،وهنا تستحضرني معركة تاج المعارك من 10-20 اذار 1985 حيث عبرت القوات الإيرانية الحدود شمال البصرة في قاطع العمارة وقطع الطريق الدولي بين بغداد والجنوب مما اضطر القيادة أن تزج بأفضل قطعاتها من قوات النخبة في الحرس الجمهوري وانتهت هذه الملحمة بطرد القوات الإيرانية الغازية ، واذا بالناطق العسكري يذيع بيان النصر ويصف الجنود الإيرانيين بالجرذان الذين سحقتهم قواتنا الباسلة ، وتم استدعاء كادر بغداد في فرع الامن القومي ليقدم لنا المرحوم الفريق الركن طالع الدوري خلاصة عن المعركة فوصفها بالملحمة العظيمة نهضت من مكاني واستأذنته ووجهت له السؤال التالي :" لقد وصفت لنا هول المعركة والروح القتالية الجهادية التي يتمتع بها المقاتل الإيراني ولكن الناطق العسكري سماهم في البيان الجرذان لقد سحقنا جرذان العدو وذلك نقيصة بحق الجندي العراقي الباسل إن تعترف بشجاعة عدوك فهذه شيمة الفرسان عبر التاريخ رد قائلا بأنصاف المقاتل الشجاع وهو يرتدي بدلة القتال المعفرة بتراب ودخان المعركة وقال موجها خطابه للجميع وقد امتلأت قاعة كلية الشرطة ، كانت دباباتنا تسحقهم وتسير على جثثهم ولم ينسحبوا ولم يفروا من المعركة أن روحهم الجهادية والقتالية لا توصف فكيف هو حال الجندي العراقي الباسل ." ولكن من يمتلك العلم والتكنلوجيا والاقتصاد سيبقى هو سيد النتيجة النهائية في كل صراع وحرب واللبيب تكفيه الإشارة " .
أن خروج الخامنئي وجناحه الراديكالي عن الحدود المرسومة لنظام الملالي واتباعه سياسة مستقلة تعبر عن طموحات امبراطورية لخصها برنامجه الصاروخي والنووي ودور حرسه الثوري في العراق وسوريا ولبنان واليمن الذي لا يحتاج لشروح ، وحيث أصبح لاعب مهم في مصير العالم والمنطقة ، لذا كانت هذه الحرب وما حرب غزة ولبنان ومن قبلها الحرب الطائفية في العراق ، ألا تعبير صارخ عن هذا المسار الاستقلالي الذي اتخذه الخامنئي واتباعه ، وبالمناسبة لم يكن الخامنئي شخصية عابرة وبتقديري أنه تخطى قدرات الخميني وكان حضوره أكبر بكثير من مؤسس النظام وقائد الثورة . ولو كان الخامنئي الأب ما زال على قيد الحياة لما سمح للمتطرفين في الحرس الثوري أن يوسعوا دائرة ردهم ليشمل 6 دول عربية بردودهم الصاروخية الحاقدة مهما كانت المبررات لاسيما وأن هذه الدول التي تعرضت للعدوان الإيراني وتتعرض له لليوم كانت ضد الحرب شعبيا ورسميا وكان بإمكان النظام الإيراني استثمار مواقفهم للضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب، ولكنهم وسعوا دائرة الأحقاد والثأر كما هو ديدنهم عبر التاريخ فتوسعت دائرة العداء لهم.
في حرب ال 12 يوم سمعت وزير الدفاع الإسرائيلي التي سبقت هذه الحرب المجنونة الحتمية يقول على الأثير مباشرة لقد وصلت صواريخهم الى قلب تل ابيب فاذا توصلوا لصنع قنبلة نووية فأن ذلك يعني نهاية إسرائيل وهذه مسألة وجودية لا يتسامحون بها فهم يدافعون عن وجودهم الغريب وعن عقائدهم المستمدة من الاساطير.

موازين القوة ليس في صالح ايران مطلقا مهما طالت مقاومتها ، ومما لا شك انها مقاومة شرسة ومؤلمة لإسرائيل والولايات المتحدة وهي مقاومة صبورة ولكن على قادتها ان يتعظوا من دروس التاريخ وان يمدوا ارجلهم بقدر ما يتسع غطائهم ، القطار الذي جاء بهم وصل لمحطته الأخيرة، وان توسيعهم لدائرة الأحقاد والعداون ليس لصالح شعوبهم التي نتعاطف معها والتي نتمنى لليوم وقف هذه الحرب المجنونة وأن يحافظ قادة ايران على شعبهم وبلدهم وأن يكفوا أذاهم عن دول المنطقة ويوقفوا سياسة التدخل بشؤونها وينكفئوا الى الداخل لإعادة بناء بلدهم ورعاية مصالح شعوبهم وما نشهده ما هو الا نتاج لمبدأ تصدير الثورة ولذلك لابد من إلغاء صريح في دستورهم لأي ذريعة تحض على الكراهية ومحاولة الهيمنة على الشعوب الإسلامية والعربية بفرض عقائدهم وتصدير ثورتهم وفرض مبادئها على الشعوب الأخرى ، هذا اذا افترضنا بقاء النظام الحالي وتولي عقلاء من بينهم المسؤولية .
أما فلسطين التي تعبت من استخدام الحكام العرب وايران الخمينية تجارة رابحة لها، حتى ضاع على شعوبنا الصحيح من الكذب ، فلها يوم وذلك وعد الله في محكم كتابه في سورة الاسراء وان وعد الله حق والله لا يخلف الميعاد ، ولا ندري ان كان سلما في عالم يمشي بسرعة الضوء نحو سبر اغوار العلم والقوة او حربا كما يفكر الجيل القديم فذلك في علم الغيب .
عربيا كشفت هذه الحرب التي فرضت على شعوب المنطقة عن وهن كبير وفشل ذريع للمنظومة العربية الأمنية في مواجهة تحديات بمثل هذا المستوى غير المسبوق ، فالجامعة العربية كيان كسيح والدول العربية التي مازالت متماسكة بعض الشيء أظهرت ضعفا في أداء دورها القومي وتركت دول الخليج العربي عرضة للهجمات الإيرانية الحاقدة ولكن ما يثلج الصدر ويبعث الامل أن الدفاعات في هذه الدول العربية التي تتعرض للعدوان الإيراني الظالم ، أظهرت قدرات رائعة في التعامل مع صواريخ ومسيرات ايران الغادرة ،كما أن شعوب هذه الدول العربية برهنت على مواقف وطنية رائعة وشجاعة وساندة لقيادتها كما أطهر المقيمين وهو نسبة مهمة من سكان المنطقة حبا كبيرا وأخلاصا منقطع النظير للبلدان التي يتنعمون بخيراتها ويعيشون متآلفين مع مواطنيها . مع ذلك يحتاج العرب عموما الى أعادة نظر جدية في منظومتهم الأمنية القومية ومؤسساتها وخلق مؤسسة قومية أمنية فعالة وتشييع جامعة الدول العربية الى مثواها الأخير بعد ان ماتت سريريا منذ اب 1990 .
وقولا أخيرا أن من يقلل من شأن مقتل الخامنئي الأب فهو حالم متمني واحيله الى مثل شعبي قديم تتداوله قبائل جنوب ليبيا العربية يقول ( قبيلة ما تحيي فارس وفارس يحيي قبيلة ).
ندعوه تعالى أن تنجلي هذه الغيمة ويحل السلام على عموم المنطقة والعالم . وأن يجد الشعب الإيراني وشعوب المنطقة خلاصهم بقيادة عاقلة رشيدة بعيدة عن الهرطقات الدينية واساطيرها وخيالاتها تتمكن من تأمين عيش كريم لمواطنيها وتقيم علاقات متوازنة بعيدة عن الاطماع التوسعية وأوهام العقائد واساطيرها مع شعوب ودول المنطقة .
والله المستعان

*باحث وسفير سابق
الثاني من نيسان 2026

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

970 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع