عندما يصبح المدنيون جزءًا من المعادلة: من يدفع ثمن الحروب في غزة؟

 أسامة الأطلسي

عندما يصبح المدنيون جزءًا من المعادلة: من يدفع ثمن الحروب في غزة؟

أعاد مقتل القياديين في حركة حماس، عز الدين الحداد ومحمد عودة، داخل مبانٍ سكنية، طرح سؤال قديم يتجدد مع كل جولة من الصراع في قطاع غزة: لماذا تستمر العمليات العسكرية في التداخل مع المناطق المدنية، ولماذا يبقى السكان العاديون هم من يدفع الثمن الأكبر؟

بعيدًا عن الجدل السياسي والعسكري، تكشف هذه الحوادث واقعًا مؤلمًا يعيشه سكان القطاع منذ سنوات. فكلما تحولت الأحياء السكنية إلى مسرح للنشاطات العسكرية أو إلى مناطق تتواجد فيها شخصيات مطلوبة، تصبح حياة المدنيين وممتلكاتهم ومستقبلهم جزءًا من حسابات الصراع، سواء أرادوا ذلك أم لا.

يرى كثير من المنتقدين أن حركة حماس تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الواقع، من خلال استمرارها في إدارة جزء من نشاطها من داخل المناطق المأهولة بالسكان. وبحسب هؤلاء، فإن هذا النهج لا يؤدي فقط إلى تعريض المدنيين للخطر، بل يجعل من الأحياء السكنية جزءًا من المواجهة العسكرية، وهو أمر يدفع ثمنه المواطن العادي قبل أي طرف آخر.

وفي المقابل، لا يبدو أن سكان غزة يملكون قدرة حقيقية على التأثير في هذه المعادلة. فالمواطن الذي يسعى إلى تأمين قوت يومه أو حماية أسرته يجد نفسه محاصرًا بين واقع أمني معقد وأزمات معيشية متراكمة، فيما تتراجع فرص الاستقرار عامًا بعد عام.

المشكلة الأعمق لا تتعلق بحادثة واحدة أو بقياديين بعينهما، بل بمنهج كامل أدى إلى تحويل القطاع إلى ساحة مفتوحة للأزمات المتكررة. فكل جولة جديدة من التصعيد تترك خلفها مزيدًا من الدمار، وتؤخر فرص إعادة الإعمار، وتعمق الفجوة بين ما يحتاجه السكان وما تفرضه الحسابات السياسية والعسكرية.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من الصراع، يبدو أن السؤال الذي يشغل كثيرًا من سكان غزة لم يعد متعلقًا بمن انتصر أو خسر في معركة معينة، بل بكيفية الخروج من دائرة الأزمات المستمرة. فالناس تبحث عن الأمان والاستقرار وفرصة لبناء حياة طبيعية، وهي مطالب تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

إن حماية المدنيين لا يجب أن تكون شعارًا سياسيًا أو مادة للنقاش الإعلامي فقط، بل أولوية عملية تترجم على أرض الواقع. وأي مسار نحو مستقبل أكثر استقرارًا في غزة لا يمكن أن ينجح ما دام السكان يظلون في قلب المواجهة، يتحملون نتائج قرارات لا يشاركون في صنعها.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن المدنيين هم الخاسر الأكبر في كل مرة يعود فيها الصراع إلى الأحياء السكنية. وبين الحسابات العسكرية والتجاذبات السياسية، يظل سكان غزة ينتظرون يومًا تصبح فيه حياتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم أولوية تتقدم على كل شيء آخر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

376 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع