عالم التفاهة ووهم الوجاهة

محمد صالح البدراني

عالم التفاهة ووهم الوجاهة

تفاهة بلا حدود:
الدراج من المعرفة عند المفكرين إن المنظومة أمة أو فرد لا يضيع بخسارة اقتصادية ولا بهزيمة عسكرية، وإنما تسقط وتضيع عندما تختل منظومة الأخلاق ويصبح السلوك بلا انضباط، الدول التي يعاقب فيها الصالح ويكافئ الفاسد ويصبح نموذجا للنجاح، عندما يكافئ بمنصب يحتاج عالم ويقصى العالم لانه صالح، وعندما تبيع الناس كينونتها من اجل المنصب والمال أو التقرب من الفاسدين، وعندما يضطر الأب أن يمنع أولاده من السؤال عن توجهات الظلم خوفا عليهم فيتعلمون الخضوع ، وتجد علوا لنكرات لا شخصية واضحة ولا كينونة تصبح هذه النكرات محور اهتمام الناس وتقول تلك الناس يا ليتنا أوتينا مثل ما أوتي قارون وينسون مصير أولادهم أو أحفادهم وهو يرون امتهم تنحدر، لذا لم اجد عنوانا لهذه الفقرة اكثر تعبيرا عن التفاهة التي باتت منظومة فعلا، تفكر وتخطط وتزيح وتنافق وتتألق، نرجسية ومتواضعة، هي بكل شكل ولون خادعة للحصفاء تستغبي الأذكياء، ليس من باب الخداع فهو عملها وهي نفسها خدعة ووضاعة مغلفة بأشكال منها السوقي ومنها الذي يتبع فن الذوق العام وآداب السلوك والمعاشرة، يعكس أسلوب تعامل راقي واحترام للنفس وللآخرين عبر قواعد من التهذيب والانسجام، هي فئة متحولة تزداد عددا وانتشارا منها من المقلدين الآملين بالنجاح والشهرة ومنها من الناجحين الذين يسايرون نظام التفاهة وسطوتها
نظام التفاهة والفساد: تحالف السطحية وإقصاء الكفاءات
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، لم تعد "التفاهة" مجرد سلوك فردي عابر أو حالة من السطحية الاجتماعية، بل تحولت إلى نظام وهيكل يجتاح المؤسسات ويوجه الرأي العام، يتجلى هذا النظام بوضوح عندما تلتقي آليات "عصر الصورة" الرقمي مع مصالح مراكز النفوذ، لينتجا معاً بيئة طاردة للكفاءات ومرحبة بالرداءة، إن فهم هذا التشابك يتطلب تفكيك العلاقة بين تراجع معايير النجاح الحقيقية، وصعود ظاهرة مداهنة المسؤولين، وتزييف المفاهيم الكبرى وعلى رأسها مفهوم "حب الوطن".
هذا الحب الذي يمثل الأنا الإبليسية برداء الوداعة والجمال، باسم حب البلد، المدينة، القرية، الفقراء، التنمية، التطور، وكل فروع الحب، الوطنية هنا كـ "غلاف براق" لصندوق مغلق يحوي بداخله المصالح الشخصية الضيقة للمادحين والكسب غير المشروع واستراق الفرص.
يصبح "الوطن" طرد تمرر داخله صفقات الفساد وتبرر بها الإخفاقات، من خلال هذه المزايدات، يتم منح "التافهين" شرعية زائفة وشهرة واسعة، ليكونوا واجهة مقبولة تسوق للعامة تراجع الأداء العام تحت لافتة "الدفاع عن المصلحة الوطنية".
هذه الناس المتماهية مع التفاهة وتعتبر من أدواتها نرجسية لا يهمها إلا نفسها ولا تسمع إلا صوتها، بل هي جزء من مشروع التفاهة، عندما تحترم وتخضع للنفوذ وأصحابه وتتجاهل وتتعالى على النخبة الراقية فعلا من القيادة الفكرية التي هي متنحية أصلا عن ساحة سلطة التفاهة.
"مداهنة الفاسدين"، وتراجع الرزانة، يظهر نوع من المسؤولين الذين لا يبحثون عن الإنجاز الفعلي، بل عن "صناعة صورة الإنجاز"، وأناس تتخذ من نقاط ضعف المسؤول وتفاهته إلى مصالحها سلّم
هؤلاء المسؤولون، مدفوعين بنرجسية السلطة، يبحثون بنهم عن المديح والثناء على مشاريع وهمية أو إنجازات لم يفعلوها، هنا تلتقي مصلحة المسؤول الفاسد مع مصلحة "المادحين والمزايدين “،هذا التحالف ينتج بيئة طاردة بشكل تلقائي للكوادر الملتزمة والبناءة، النخبة الريادية، التي تمتلك الرؤية الحقيقية لإعمار الوطن وترفض الانخراط في منظومة الفساد، تجد نفسها مستبعدة ومقصاه؛ لا يبعدون خوفا من فضحهم، فالفساد اصبح فخرا وشطارة والكل يحقق ما يريد من الآخر بتفاهم تام غير معلن أو مكتوب ولكنه من معالم تحول التفاهة إلى مؤسسة مقرها سلوك التافهين وبهذا الوصف تتضح كامل الصورة للنفاق وعامة الناس تنظر من قناع الخيل المسرجة، عندما تشتكي الفساد للفساد.
سريالية "صناعة الوجاهة الطارئة" والآليات غير المباشرة لتفكيك الوهم
عندما تمر المجتمعات بمراحل انتقالية حرجة، تبرز في الفضاء العام ظاهرة سريالية يمكن تسميتها بـ "صناعة الوجاهة الطارئة"، في هذا المشهد، تظهر شخصيات رجالا أو نساء تفتقر إلى العمق المعرفي أو التاريخ الذي يؤهلهم لمكانتهم التي يحصلون عليها، أو أي ميزة ممكن أن تستند إليها لتضع منطقا لما يحصل لها ومعها واتباع الناس لها، فهي تتربع فجأة على عرش الوفرة المادية والاستعراض البصري للأعطيات والمكاسب السريعة، مستندة إلى شبكات رعاية غير مرئية، هذا النموذج لا يهدف إلى التنمية، بل إلى دغدغة طموحات الفئات الهشة وإغراقها في دوامة "المراهنة على الحظ"، مما يدفع الأفراد إلى خسارة ذواتهم وكرامتهم في ركض عبثي خلف سراب الثراء بضربة حظ.
التفاهة مرض:
هي مرض مجتمعي يصبح معديا بإخضاع النفوس التي تفقد مطاولتها، هذه الطبقة المتحولة، هي في الحقيقة تمثل مجموعة مريضة نفسيا تطاولت نتيجة إحساسها بالإهمال والدونية أو الفخر المزيف أيضا، أو قد يكون ضعفا بشريا يأخذهم إلى المنحدر الزلق من سيناريو الانحدار، فالفساد ليس بيئة للصالحين، وقد لا يدرون أو لا يهمهم أن يستخدموا كأدوات للعبث بمصير أهلهم، بتضليل الشباب المحبط، وتحويل البيئة الراقية إلى بيئة تفاهة.
إن النتيجة الحتمية لإقصاء النخبة الحقيقية وتقريب المادحين هي هبوط الخطاب الوطني إلى مستويات شديدة السطحية والابتذال، يتحول "حب الوطن" في هذا السياق من تضحية وبناء وعمل مؤسسي رصين، عنوان الشروع باختلاس مستقبله.
فما الحل:
ستتلاشى هالتهم المزيفة عندما يفقدون الاهتمام، لكن هذا لا يحصل مع شعوب تعيش اللامعيارية.... ودوما انصح بإنشاء مراكز دراسات وظيفية تقوم بأعمالها لليقظة فالنهضة، لان لا شيء بلا تخطيط أو دراسة يمكن اعتماده لترميم المجتمع أو إعادة بناء المجتمع المهدوم، لكن ... لكن لمن النصيحة!

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع