حين تبتلع الأساطير أبناءها: مولوخ المعاصر

 بقلم: نذير آل حويز

حين تبتلع الأساطير أبناءها: مولوخ المعاصر

يبدو أن الأسطورة تسللت إلى كثير من المجتمعات بثوبٍ جديد. ففي الأساطير القديمة في الحضارة الكنعانية كان هناك إله يُدعى مولوخ، وقد ذُكر هذا الإله في المصادر العبرية والفينيقية، وانتشرت قصته في معظم ثقافات الشرق الأوسط. وكان مولوخ، بحسب الروايات الأسطورية، إلهًا ذا نزعة شريرة لا يقبل الأضحية إلا إذا كانت من الأطفال، حيث كانت تُقدَّم هذه القرابين البشرية كحرق. ولذلك ارتبطت هذه الصورة بكل من يطلب أثمانًا باهظة لمصالح ضيقة.

والغريب أن أتباع هذا الإله كانوا يقدمون الأطفال قرابين له طلبًا للحماية أو النجاة من الأزمات. وهنا يراودني سؤال: هل هناك أزمة أو معاناة أكبر من تقديم الأطفال قرابين؟ وكلنا يعرف قصة إبراهيم التي، دون أدنى شك، ارتبطت بجذور هذه الأسطورة، وكذلك قصة عبد المطلب الذي نذر تقديم ابنه عبد الله قربانًا للآلهة. وبغض النظر عن الجدل التاريخي حول دقة هذه الروايات، فقد تحول مولوخ في الثقافة الحديثة إلى رمز للقوى والأفكار التي تستهلك حياة البشر بأسماء مختلفة ولغايات كبرى.

في عالمنا المعاصر، لا تُقدَّم القرابين دائمًا على مذابح من نار كما كان يحدث في السابق، بل قد تُقدَّم في ساحات الوغى والحروب والصراعات. ونرى هذه الظاهرة لدى بعض الحركات أو الأحزاب الدينية المتطرفة، فضلًا عن أنظمة تنجح في إقناع أتباعها، وخصوصًا الشباب، بأن التضحية بالحياة ليست مجرد واجب، بل أعلى درجات الشرف والولاء.

تعتمد هذه الجماعات على عدة آليات نفسية وفكرية، مستفيدة من مهارات التأثير النفسي في خلق أجيال مهيأة لهذه المهمة. فهي تصنع تصورًا لعالم قائم على صراع وجودي بين “نحن” و“هم”، وبين الخير والشر، والعدل والظلم، بحيث يُنظر إلى الخصوم باعتبارهم تهديدًا مطلقًا لا يمكن التعايش معه. ثم تُضفي على الصراع طابعًا مقدسًا، فيتحول القرار السياسي أو العسكري إلى واجب ديني لا يجوز التشكيك فيه، ويصبح اتباعه من أقدس المقدسات.

هنا تلعب الرموز والخطابات العاطفية دورًا مهمًا في هذه العملية. فالشباب يُربَّون أحيانًا على قصص البطولة والتضحية بصورة انتقائية، تُجلب من الماضي وتُلبس ثوب القداسة، فتُهمَّش الأسئلة المتعلقة بالكلفة الإنسانية للحروب أو بمصالح القيادات التي تتخذ قرارات القتال. ومع مرور الوقت يصبح الاستعداد للموت معيارًا للالتزام، بينما يُنظر إلى النقد أو التردد بوصفه ضعفًا أو خيانة، ومن ينتقد يُتهم بأنه ناصر للباطل أو شيطان مقنّع.

ولهذا، ومن منظور مجازي، يمكن تشبيه هذه الظاهرة بـ”مولوخ المعاصر”، فهو ليس إلهًا حقيقيًا، بل رمز لمنظومة فكرية أو سياسية تستهلك طاقات الأجيال الجديدة وتدفعهم إلى تقديم أثمن ما يملكون: حياتهم ومستقبلهم. وهكذا لا يكون الأبناء قرابين لحجر أو تمثال، بل لأفكار متطرفة أو لصراعات لا تنتهي.

ولهذا علينا مواجهة هذه الظاهرة بكل الوسائل، وأولها تعزيز التفكير النقدي، ونشر التعليم، وتشجيع الحوار، وترسيخ قيمة الحياة الإنسانية. فالمجتمعات القوية هي التي تستثمر في أبنائها ليبنوا المستقبل، لا تلك التي تستهلكهم في حروب لا تنتهي.

وهكذا تبقى أسطورة مولوخ حاضرة بوصفها تحذيرًا رمزيًا متجددًا من تقديس الأيديولوجيا أو السلطة إلى درجة تجعل حياة الأبناء مجرد وسيلة لتحقيق أهدافها. فقد شهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة على أنظمة وحركات سياسية وقومية ودينية نجحت في إقناع أجيال كاملة بأن التضحية بالحياة هي الطريق الأسمى لخدمة الوطن أو العقيدة أو الثورة. فمن خنادق الحرب العالمية الأولى إلى الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، تتكرر الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة: تحويل الإنسان من غاية بحد ذاته إلى وسيلة لخدمة مشروع أكبر منه.

وربما تختصر هذه العبارة مأساة مجتمعاتنا المعاصرة؛ فحين يفقد الإنسان مكانته بوصفه غاية، يصبح من السهل تحويله إلى وقود للحروب والصراعات، أو إلى قرابين جديدة تُقدَّم على مذابح الأيديولوجيات تمامًا كما كانت تُقدَّم القرابين قديمًا على مذابح المولخ هنا تبتلع الأسطورة أبنائها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

476 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع