
ضرغام الدباغ / برلين
قراءة موضوعية لمعاهدة مكة
لعل بعض الاصدقاء يسألونني عن رأي طهران في الحلف الاسلامي: مكة 7 آب /2026، وإذا كنت أريد إجابة واضحة وصريحة، لا أخشى منها أن تخيب رؤيتي، فسأجيب إجابة خالية من الغموض ، مستنداً إلى حقائق مادية، كما أني أتوقع أن طهران(وأسلوبها المعروف بالتشكيك والمماطلة والتسويف) أبتداْ سوف لن تقبل بالحلف تلقائياً، ولكن كيف ستخرج رفضها هذا ... وبأية ذرائع ...؟ وربما جهات أخرى سيكون لها أسبابها استنادا لظروفها.
الواقع أن الحلف مكتمل الجوانب السياسية والقانونية، والإجرائية ومحكم الصياغة، فالدوائر القانونية في وزارات الخارجية: تركيا والسعودية وباكستان، لا تشتغل بالخيرة، ومن المؤكد أن النصوص صيغت على أيدي فقهاء قانون ضليعين، عملوا على هذا الاتفاق استغرق: سنتان و8 شهور، بما لا يدع مجالاً لتأويلات خاطئة. فهي تشكيلة إسلامية تراعي كافة الافكار والاحتمالات، وفي المقدمة منها، " أن الحلف هو دفاعي بحت "، وبذلك أنتزع تأويلا محتملاً من مروجي أن الحلف هو ضد الجهة س أو الجهة ص. فالنصوص الموقع عليها خالية تصريحاً أو تلميحاً إلى أي جهة.. ولذلك فأن توجيه أي اتهام فهو عبارة عن مفرقعات صوتية لا تسمن ولا تغني من جوع ...!
" وحدة الساحات "، " الهلال الشيعي "، " ولاية الفقيه "، أوامر المرشد لحزب الله والحشد الشعبي والحوثي، وكأن هذه الشعارات والكيانات هي دعوات لأعمال خيرية، أو مقصود منها اهداف اجتماعية كمكافحة الفقر ..! وهذه الكيانات والشعارات أستطال الترويج لها عقود طويلة في مرحلة أستغلت فيها طهران الأجواء السياسية، فكل منجزاتها كانت بمساعدة الأمريكان، وإسرائيل سواء في لبنان، أو اليمن، أو سوريا وفي العراق.
ولكن هذه السياسات كانت محكومة بالفشل لأنها لا تمثل إرادة وطنية، وحال أن رفعت الولايات المتحدة الغطاء عندها، تكشفت وذابت كجبل الجليد الضخم، ولكنه يذوب في حرارة الظهيرة.. وهو ما حدث، الولايات المتحدة كانت تغض النظر، توافق، تشير، وتقدم مساعدات جوهرية، أو تدفع غيرها أن يقدمها، فسمحوا مثلاً بالنشاط الإيراني : السياسي / المالي/ العسكري الكثيف في العراق، ولكن حين قررت الولايات المتحدة، بناء على معطيات استراتيجية، أن تنهي هذه المناورة ... تغيرت المعادلات على أثرها.
1. أبتداء أن اعضاء الحلف غير ملزمين(بحسب ميثاق الحلف) في المشاركة بحروب تشنها أحد الأطراف، بمعنى ان الحلف دفاعي بحث، ولكنها معنية حتماً بالمشاركة في الدفاع عن أي دولة تتعرض لعدوان. لذلك فكل من يخطط للعدوان على تركيا أو باكستان أو المملكة العربية السعودية، عليه أن يتوقع أنه سيواجه أسلحة من دول التحالف.
2. وهنا يحق لكل دولة أن تنظم لحلف آخر بحسب مقتضيات الأمن القومي. وقد كانت تركيا عضو في حلف بغداد، وبنفس الوقت عضو في الحلف الاطلسي. وكذلك بريطانيا والولايات المتحدة، والسعودية عضو في الدفاع العربي المشترك. وهو تحالف عسكري يعود للأربعينات من القرن المنصرم. فالانظمام لحلفين أو معاهدتين في وقت واحد ليست بدعة جديدة.
3. للحلف(بالطبع) دوائره السياسية والعسكرية وقيادة أركان مشتركة تدرس وتناقش كل معطى جديد يستحق الدراسة.
4. الحلف لا يقوم من أجل قضية أو معضلة واحدة، فإن وجد، فذلك سيكون عمل صريح ومعلن(كحلف بغداد). الذي اقيم خصيصاً لمواجهة الاتحاد السوفيتي والاشتراكية، الحلاف تتأسس على مبادئ أساسية وهو الدفاع عن أمنها القومي حيال أي تهديد ومن أي جهة كانت. فحلف شمال الأطلسي الناتو الذي تأسس 4/نيسان/1949 ( فهو تأسس قبل حلف وارسو "14/أيار/ 1955" وهو أقدم حلف في العالم. واصل وجوده بعد أن حل حلف وارسو نفسه، بل الاتحاد السوفيتي حل كذلك، فيما استمر حلف وارسو بنشاطته، وحتى شاركت قوى الحلف الرئيسية في حرب افغانستان التي أستمرت عشرين سنة (2001 / 2021).
5. انها مناقشة عقيمة لاتفضي لنتيجة، الحديث عن الاعداء المحتملين، والحلفاء المحتملين، فالحروب هي ممارسة سياسية، تخضع لظروف ومعطيات سياسية واقتصادية وثقافية كبيرة، والشعور بخطر عظيم يهدد كيان الأمة، وبدرجة مصالح الامم المتحالفة، في وقت معين، وظروف معينة، فهذه تخضع لميزان دقيق وتخضع لمعطيات تقرر في حينه.
6. الاطراف المشاركة في التحالف مهتمة ببؤر توتر متفاوت في تقدير أهميتها للأمنم القومي، فتركيا مثلاً، قاتلت بجيشها في أذربيجان، كما أرسلت مساعدات عسكرية مهمة لباكستان خلال نزاعها مع الهند العام الجاري (2025)، ولديها قوة عسكرية في قطر، وقوة في ليبيا، والصومال. وللسعودية ربما أهتمام في أحداث اليمن، كما تدخلت في البحرين، والباكستان أرست قوات عسكرية إلى السعودية لنعزيز قواتها المسلحة. وأرسلت قطر 36 طائرة، من بينها طائرات مقاتلة من طراز رافال، بطواقمها 250 فرداً عسكرياً إلى تركيا بمناسة التوتر في الحدود مع اليونان عام 2022. وتركيا تبدي أهتماماً عسكرياً منذ العهد الجديد 2024 في سورية.
7. من معطيات الفقرة (6) نتوصل لحقيقة أن الدول الموقعة على الحلف لديها هواجس أمنية، في منطقة ملتهبة، تنطوي على العديد من الاحتمالات والتطورات والتصورات .! وعلى بؤر توتر يمكن أن تتطور إلى اجنة حروب، أو لحروب شاملة، فمن يستطيع أن يوجه أصابع الاتهام أو المبالغة، أو أي كان لأي من الأطراف الثلاثة، ومن سيشارك الاطراف الثلاثة في مخاوفها وهواجسها، ليتقدم بطلب الانظمام، او ليتقدم بتهنئة الأطراف الثلاثة، أو الجلوس بحبور وسرور متنعماً بالامن والأمان.
8. الافتراض بأن الحلف ولد ميتاً أو مشلولاً أو ....الخ، تشخيص أدبي وعاطفي، فكل شخص يحق له أن يعتقد، ويستطيع التنجيم أو يستطلع الخيرة، ويطلق الافتراضات المجانية، ونتائح تنظيره أو تحليله يتحملها بنفسه، ولكن حديثه المجافي للمنطق لا يصمد أمام الوقائع، فتشبيه معاهدة مكة بحلف بغداد شباط /1955) أمر لا يستوي مع المنطق والوقائع والتحليل المادي، فحلف بغداد انتهى وجوده بعد سنتان ونصف، بأنسحاب العراق، بعد ثورة 14/ تموز/1958، والدول الأوسطية كانت ضعيفة، وكان موجه علناً ضد الاتحاد السوفيتي، والاشتراكية، حتى أطلق عليه في دوائر الحلف " Northern line " الحزام الشمالي لحصار الاتحاد السوفيتي، والحلف كان ضمن حلقة أحلاف عسكرية بقيادة الولايات المتحدة لحصار الاتحاد السوفيتي، ثم فشلت هذه السياسة برمتها أبتداء من أزمة خليج الخنازير / كوبا1961نيسان 1961)، وحادثة إسقاط طائرة التجسس الأمريكية يو تو (U2) عام أيار / 1960. ولم يكن خطراً أو هاجساً كيانياً، قياسا لحجم المخاطر في المنطقة فحسب، بل وفي خارجها، فالوضع السياسي والمخاطر سواء في الشرق الأوسط، أو في العالم، بلغت مستواً لم يبلغه في أي وقت مضى. والدول الثلاثة أثبتت قبل الحلف وخلاله عن تلاحم وبمستوى من القوة يجعل من المعاهدة كياناً استراتيجياً. فالمعاهدة تنص أيضاً على :
العقد شريعة المتعاقدين
هذه نظرية فقهية قانونية عالمية صالحة في كل آن وأوان، وتعني أن العقد المكتوب والموقع من قبل الطرفين، أو الاطراف، ملزم التنفيذ بتوقيع وإقرار الموقعين على العقد. وفي إجمالي سريع نجد أن ان الفقرات الأهم في اتفاقية مكة بين الاطراف الثلاثة : المملكة العربية السعودية، تركيا، الباكستان في مواجهة التحديات الأمنية والتهديدات العسكرية، والمخاطر المنظورة والممتوقعة، وتعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، استناداً إلى المصالح التاريخية الاستراتيجية المشتركة والعلاقات القائمة بينها:
• أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث هو “هجوم على الاطراف الموقعة على الاتفاقية” مع الإبقاء على الشراكات والالتزامات الدفاعية الأخرى لكل دولة.
• الاتفاقية لا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف أو الاتفاقيات والترتيبات القائمة بينها وبين دول ومنظمات أخرى. بما يعني استمرار الالتزامات والشراكات الدفاعية القائمة لكل دولة بالتوازي مع الإطار الثلاثي الجديد. وترتبط الدول الثلاث كذلك وتحتفظ بعضويتها ودورها في منظمة التعاون الإسلامي، فيما تؤكد مضامين الاتفاقية أن الإطار الدفاعي الجديد لا يستهدف استبعاد دول إسلامية أخرى، وإنما يأتي مكملاً للجهود الجماعية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.
• الاتفاق يركز على مجالات تشمل التدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية. فيما تستند إلى مبدأ تكامل القدرات بين الأطراف الثلاثة،
وبذلك تضيف “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” إطاراً جديداً إلى العلاقات الاستراتيجية بين السعودية وتركيا وباكستان، وهي علاقات قديمة تاريخية بين الاطراف، إن في جانبها الثنائي، أو العمل الجماعي من خلال منظمة المؤتمر الاسلامي. والاتفاقية تنقل جانباً من التعاون العسكري القائم بينها إلى صيغة دفاع مشترك تقوم على تطوير القدرات والتدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية، إلى جانب مبدأ التعامل مع أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجوماً على الجميع، مع الإبقاء على الشراكات والالتزامات الدفاعية الأخرى لكل دولة. وأي حادث له طابع تهديدي سيدرس بدقة ويرد عليه بقدر ما يستحق.

739 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع