على ارصفة الذكريات

 ذكرى البياتي

على ارصفة الذكريات

أقسى أنواع الحنين هي الذكريات التي تطرق أبواب القلب شوقًا دون استئذان، فتعيد إلينا وجوهًا أحببناها، وأيامًا عشناها بكل تفاصيلها الصغيرة. تمر السنوات وتتغير الأمكنة، لكن بعض الذكريات تبقى ساكنة في أعماق الروح، لا يبهت لونها ولا يغيب أثرها.

حتى مررتُ بحينا، إلى المكان الذي اعتدنا أن نكون فيه معًا، فتذكرتك، وارتسمت حينها ابتسامة هادئة على وجهي، وكأنني أستحضر طيفك الطيب بجانبي يشاطرني الحديث. وفي مكاننا تمنيتك أن تكون حاضرًا لنحيي معًا ذكرياتنا العابرة، لنضحك بصوت عالٍ يعم أرجاء المكان الساكن. وددتُ لو أن الزمان يعود أدراجه، وأن نرجع كما كنا نسير معًا على ذات الطريق.

كم أشتاق إلى ضحكة كانت تملأ أيامنا دفئًا، وإلى أحاديث عابرة أصبحت اليوم كنوزًا لا تُقدَّر بثمن. أشتاق إلى أشخاص أخذتهم طرق الحياة بعيدًا، وإلى لحظات ظننا أنها عادية، فإذا بها أجمل ما مرّ بنا.

الذكريات ليست مجرد صور من الماضي، بل نبضٌ يسكن القلب، يزورنا كلما هبّت نسمة شوق أو مرّ طيف مكانٍ كان يومًا وطنًا للمشاعر. وبين ألم الفقد وجمال ما كان، يبقى الحنين رسالة صامتة تخبرنا أن بعض الأشياء وإن غابت عن أعيننا، فإنها لا تغيب أبدًا عن قلوبنا.

ونحن نسير لا نعلم أين سينتهي بنا الطريق، لكنني أدركت أنني أسير في رحلتنا المجهولة، نتحدث عن أحلامنا التي طاردناها بشغف، وعن طموحاتنا التي لا ندري إن كان لها نصيب لتكتمل وتعود من جديد. ننسج حكايات وقصصًا تحمل طابعًا هزليًا يزين جلساتنا ويمنحها بهجة خاصة.

أما اليوم، فأنا هنا بمفردي، بعيدة بيني وبين وحدتي، أتنفس الصمت وأتأمل الفراغ الواسع الذي تركه غيابك. أجلس أفتش عن صور الأماكن التي سرنا بها يومًا ما، وأتأمل منظر الغروب، لكن ليس بذات الشعور الذي تشاركناه معًا.

أعلم يقينًا أن الحياة لا تبقى على حال، لكن المشاعر ما زالت تنبض بالحنين، وأن الطرق قد تختلف مساراتها، لكنني اليوم وددت لو تلتقي طرقنا ولو للحظة من الزمن. تمنيت أن تحضر أرواحنا لنحيي كل ذكرى طيبة من ماضٍ جميل عشنا لحظاته معًا.

ربما أنت تشعر بغربة البعد عني، أما أنا ففي غيابك عشت غربة الصديق وغربة المدينة. حتى الأماكن باتت غريبة لديّ، وكذلك الطرق التي أقطعها بمفردي أصبحت جديدة في نظري، وكأن قدماي تخطوانها لأول مرة.

استغربت الأمر في البداية، ثم أدركت فعلًا أن خللًا قد حلّ برحابي في غيابك. تمنيت حقًا أن تحضر قلبًا وقالبًا لتكمل ذلك النقص الذي أصبح جزءًا من الحياة التي أعيشها بمفردي، بين وحشة الغياب وصراع الذكريات.

سلامٌ على تلك الأيام، وسلامٌ على من كانوا جزءًا من تفاصيلها، فما زالت أرواحهم تعبر ذاكرتنا كلما اشتقنا، وما زالت الذكريات الجميلة تمنحنا القوة لنبتسم رغم المسافات والسنين.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

969 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع