عبدالسلام سبع الطائي - أستاذ علم الاجتماع- ستوكهولم
مذكرة "أونلاين " بين واشنطن وطهران !؟مخرجٌ دبلوماسيٌّ أم فخٌّ سياسيٌّ
-هل تدير واشنطن الصراع مع إيران أم تستثمر فيه؟
- توقيع ترامب للمذكرة بباريس: هل يطوي اتفاقية G7و G20لعصر G2 بين واشنطن-بكين؟
- وهل كان التصعيد الإيراني الأمريكي جزءاً من (التفاوض)؟
- أم أن (التفاوض) كان جزءاً من التصعيد؟
مقدمة: المونديال والصواريخ
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى مهرجان المونديال وما يصاحبه من أضواء ومنافسات ومباريات، كانت تتجه أنظار الدبلوماسية الدولية الجمعة إلى جنيف، حيث يدور الحديث عن توقيع مذكرة تفاهم إلكترونية "أونلاين" غير ملزمة بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أن تتحول فجأة إلى "أوفلاين" على أرض الواقع. وهكذا، قد تُسجَّل هذه الجمعة كـ"جمعة سوداء" دبلوماسياً، في سيرك إلكتروني متكامل الأركان، اختلطت فيه الرسائل الرقمية بحسابات القوة والنفوذ.
وبين أضواء الملاعب الأمريكية وصخب مهرجان المونديال العالمي، تتواصل المسرحية الكبرى خلف الستار. فبينما تتابع الجماهير أهداف المباريات ونتائج المنافسات، تتجه الأنظار في الكواليس إلى مشهد أكثر خطورة وتعقيداً. وبين أصوات الصواريخ والانفجارات في الشرق الأوسط، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مسرحيتين متزامنتين؛ الأولى جماهيرية تبثها الشاشات إلى العالم على مدار الساعة، والثانية سياسية وعسكرية ودبلوماسية تدور خلف الستار بعيداً عن عدسات الكاميرات، لكنها قد تكون الأشد تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
من قراءتنا الجيوسياسية عام 2019 إلى مذكرة G7: كيف أكدت الأحداث ما توقعناه؟
من استشراف قراءتنا 2019 إلى تجليات مذكرة G7، حيث التقت الرؤية بالوقائع وصادقت الأحداث على القراءة الاستراتيجية. في علم الاجتماع السياسي، لا تكمن قيمة القراءة الاستراتيجية في التنبؤ بالحدث بقدر ما تكمن في إدراك الاتجاهات العميقة التي تحرك التاريخ قبل أن تتحول إلى وقائع. فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يؤكد مساراته ويكشف منطقه الداخلي عبر الأزمات والتحولات، وحين تلتقي الرؤية بالوقائع تصبح الأحداث شاهداً على صدقية القراءة لا مجرد موضوعٍ لها.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، كنا قد أشرنا في قراءتنا المنشورة في صحيفتي الكاردينا واليورو تايمز قبل 7 سنوات 2019 تحت عنوان «الحرب المحتملة مع إيران والسلام المستحيل مع العرب» إلى أن المواجهة بين واشنطن وطهران لن تنتهي بحرب حاسمة بقدر ما ستتجه نحو إدارة الصراع واستثماره اقتصادياً وسياسياً وجيوسياسياً، في إطار عملية أوسع لإعادة ترسيم خارطة الشرق الأوسط وإعادة توزيع موازين القوة والنفوذ الدولي فيه.
ولم يكن ذلك الاستنتاج قراءة لحدث عابر، بل محاولة لفهم فلسفة الصراع ذاتها؛ حيث تصبح الحرب أداة تفاوض، فيما تتحول الأزمات إلى أدوات لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي. وقد عززنا هذا الاستنتاج لاحقاً في مقال «اللعبة الكبرى بحرب الأعصاب القصوى: كيف تدير أمريكا صراعها مع إيران دون حرب؟»، ثم في مقال «حرب الأعصاب القصوى: ترامب يصنع المفاوضات من فوهة الحرب!». انظر المصادر المرفقة لطفا.
واليوم، وبين استبصار الرؤية وامتحان الوقائع، تبدو التطورات المتلاحقة وكأنها تصادق على جوهر تلك القراءة؛ فالمواجهة لم تتحول إلى حرب شاملة، كما لم تنته إلى سلام نهائي، بل استمرت بوصفها صراعاً مُداراً بعناية، تتداخل فيه أدوات الردع والتفاوض، وتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والجيوسياسية. وقد انطلقت قراءتنا من فرضية مفادها أن جوهر الاستراتيجية الأمريكية لم يكن يتجه نحو القضاء النهائي على إيران أو إسقاط نظامها، بقدر ما كان يهدف إلى أقلمة سلوك النظام الإيراني وإدارة التهديدات واستثمار الصراع وتوظيفه ضمن معادلات القوة الإقليمية والدولية. ومن هنا كان الهدف هو ضبط الصراع واحتواؤه عبر التفاوض من موقع القوة، لا حسمه عسكرياً الا عند الضرورة.
ترامب يوقع بباريس مذكرة إيران: هل بدأ الانتقال من G7 وG20 إلى عصر G2واشنطن-بكين؟
بين مذكرة التفاهم مع إيران وصعود الشرق الأوسط الجديد، لا يبدو اختيار الرئيس ترامب باريس مسرحاً لتوقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية مجرد تفصيل بروتوكولي أو دبلوماسي عابر، بل رسالة سياسية متعددة الأبعاد تعكس التحولات العميقة الجارية في بنية النظام الدولي. ففرنسا، بوصفها إحدى القوى المحورية في مجموعة السبع (G7) وفاعلاً مؤثراً في مجموعة العشرين (G20)، سعت من خلال استضافة هذا الحدث إلى تأكيد أن أوروبا ما زالت حاضرة في قلب إدارة الأزمات الدولية، حتى وإن كانت موازين القوة العالمية تشهد تحولات متسارعة.
غير أن دلالات التوقيع في باريس، من وجهة نظرنا، تتجاوز حدود الملف الإيراني ذاته لتلامس سؤالاً أكبر يتعلق بشكل النظام الدولي القادم. فالتطورات الراهنة توحي بأن العالم يتجه تدريجياً من منطق التعددية الذي جسدته G7 وG20 إلى واقع جديد تتصدره حسابات القوتين الأعظم: الولايات المتحدة والصين. وبذلك، تبدو القضايا الاستراتيجية الكبرى ـ من الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي والأمن الدولي ـ وكأنها تُدار بصورة متزايدة وفق معادلات ومصالح ثنائية القطبين الأمريكية–الصينية (G2)، في مشهد يثير التساؤل حول ما إذا كانت باريس قد تحولت من منصة لتوقيع مذكرة تفاهم إلى منصة للإعلان غير المباشر عن ملامح النظام العالمي الجديد.
مذكرة (اونلاين) بين واشنطن وطهران أهي:
مخرجٌ دبلوماسيٌّ أم اختراق وفخٌّ سياسيٌّ مُحكَمٌ لنهاية مشروع؟
أثار الإعلان، كما نرى، عن التوقيع الإلكتروني المزمع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران موجة واسعة من التساؤلات السياسية والقانونية والإعلامية، بسبب طبيعة الوثيقة نفسها والجهات التي وقّعت عليها.. ففي "الجمعة الحزينة" بجنيف التي كان من المؤمل فيه توقيع المذكرة، بدا المشهد أقرب إلى مناورة سياسية ورقمية، وتحضر المسرحية الإلكترونية لإدارة الانطباعات أكثر من صناعة القرارات. لذلك، قد لا يتجاوز الحدث كونه دخاناً دبلوماسياً وضبابية رقمية وسيركاً إلكترونياً ، بينما تبقى النتائج العملية محدودة ومؤجلة لاختبار الواقع وقد نوهنا الى ذلك في تحليل قصير قبل يوم الجمعة اليتيمة.( مرفق تنويهنا)
ان أن الجدل الحقيقي اليوم لا يتعلق بكون التوقيع إلكترونياً أو تقليدياً. ففي القانون الدولي لا تكمن قيمة الالتزام في نوع القلم المستخدم أو منصة التوقيع، بل في صفة الموقّع وصلاحياته. لكن السؤال الأكثر أهمية يتمثل في طبيعة الوثيقة نفسها. فمذكرة التفاهم تختلف جذرياً عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية الملزمة. فهي غالباً إطار سياسي يحدد المبادئ العامة والتفاهمات الأولية، دون أن يرتب بالضرورة التزامات قانونية كاملة أو عقوبات واضحة عند الإخلال بها. أما المعاهدات الدولية فتخضع عادة لإجراءات تصديق أكثر تعقيداً، وقد تستلزم موافقة المؤسسات التشريعية، كما يمكن أن تترتب على خرقها مسؤولية دولية مباشرة.
من وجهة نظرنا، تمثل هذه المذكرة اختراقاً سياسياً غير مسبوق في مسار العلاقة بين البلدين، يضع نظام ولاية الفقيه أمام استحقاقات جديدة قد تتعارض مع الأسس التي بنى عليها نفوذه الإقليمي لعقود. كما يفرض قيوداً سياسية على سياسة التدخل في شؤون الدول العربية عبر الميليشيات المسلحة. ومن شأن أي مسار تفاوضي مستدام أن يزيد الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه ضبط نفوذ الجماعات المرتبطة بطهران في العراق ولبنان واليمن، والانتقال من منطق السلاح والولاءات العابرة للحدود إلى منطق الدولة في الخارطة الشرق أوسطية القادمة.
نافلة القول، نرى بإن التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران مؤشراً على بداية انحسار مشروع التوسع الإقليمي الإيراني وما ارتبط به من سياسات النفوذ والتدخل خارج الحدود.
عمَّ يتساءلون العراقيون: عن “نبأ التغير بالحرب!
في زمن تتداخل فيه الصواريخ مع المفاوضات، ويختلط فيه الميدان بالدبلوماسية، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يعيش "نبأً عظيماً" جديداً لا يتفق الجميع على تفسيره: حرب تُدار أم تُؤجل؟ وصراع يُحسم أم يُستثمر؟ وفي قلب هذه المعادلة، تتحرك "دبلوماسية شارلي شابلن" بحركاتها الصامتة؛ تبتسم أمام الجمهور وتناور خلف الستار، تُظهر التصادم وتُخفي التفاهم، وتُتقن لعبة الرسائل المزدوجة حيث لا تكشف الخطوة الظاهرة دائماً عن الهدف الحقيقي الكامن وراءها. خلق حالة من الإحباط لدى الشارع العراقي .
تشاؤل عراقي في مسرح تشارلي شابلن
وفي قلب هذه الفوضى المنظمة، برز ما يمكن ان اسميه سايكولجيا بـ "التشاؤل العراقي"؛ حالة نفسية وسياسية تشبه حركات شارلي شابلن الصامتة، حيث توحي المشاهد بقرب النهاية السعيدة بينما تستمر القصة في الدوران داخل المشهد نفسه. فلا هو تفاؤل قد يوحي بقرب التغيير، ولا هو تشاؤم يسلّم باستحالته. فالعراقيون، شعبًا ومعارضةً وطنيةً، يتطلعون إلى تغيير جذري ينهي المحاصصة والميليشيات، لكنهم يرون في كثير من التفاهمات الإقليمية حركات سياسية صامتة تُظهر التغيير وتُخفي تأجيله، ليبقى التغيير مؤجلاً بين حلم الخلاص وقلق الانتظار، تمامًا كما تُخفي ابتسامة تشارلي شابلن الساخرة ما لا تقوله الصواريخ ولا تعلنه المفاوضات. فقد يكون بل سيكون، بداية انحسار مشروع التوسع الإقليمي الإيراني وما ارتبط به من سياسات النفوذ والتدخل خارج الحدود
ويبقى السؤال المركزي مفتوحاً: هل نحن أمام هذه “اللعبة الكبرى” في نسختها الأخيرة… أم أمام فصل جديد من إدارة الفوضى الممتدة؟
مهرجان الألعاب النارية.. والحساب على الخليج!
يعيش الخليج العربي اليوم في ظل معادلة معقدة تتأرجح بين فاتورة الأمن ومخاطر التصعيد، وهي معادلة تضع صناع القرار أمام تحدٍ بالغ الحساسية: كيف يمكن حماية الاستقرار من دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة، والحفاظ على المصالح الوطنية من دون الوقوع في دائرة الاستنزاف المستمر؟
أما ما يُتداول بشأن تفاهمات سعودية–باكستانية–قطرية–إماراتية، أو اتفاقات ومذكرات تفاهم لم يُكشف عنها بالكامل بين أطراف مختلفة، والمدعومة بتريليونات الدولارات لا المليارات هذه المرة، فإنه ـ إذا كُتب له النجاح ـ قد يسهم في إعادة ترتيب مشهد الصراع أكثر مما يؤدي إلى إنهائه. فالتجارب التاريخية تؤكد أن المال قادر على خفض منسوب التوتر، لكنه لا يملك وحده القدرة على تغيير حقائق الجغرافيا السياسية أو إلغاء حسابات القوة. وبينما قد تنجح الوفرة المالية في تأجيل الأزمات وشراء فترات من الهدوء، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي الاستثمار في إدارة الصراع من دون الاستثمار في معالجة أسبابه؟ ذلك أن استقرار المنطقة لا يُقاس بحجم الأموال المتدفقة إليها، بل بقدرتها على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى توازنات استراتيجية مستدامة.
وفي منطق الدول والاستراتيجيات الكبرى، لا يُقاس الانتصار بعدد القادة الذين سقطوا، بل بحجم النفوذ الذي يبقى قائماً بعد انتهاء المعركة. ومن هذا المنطلق، قد لا تكون "اللعبة الكبرى" مشروعاً لإنهاء الخصومات بقدر ما هي مشروع لإبقائها تحت السيطرة؛ صراع لا يُسمح له بأن يحقق انتصاراً كاملاً، ولا يُسمح له كذلك بأن ينطفئ بالكامل، لأن استمراره ذاته قد يكون جزءاً من معادلات النفوذ والمصالح الدولية.
وهكذا، بين مهرجان الألعاب النارية العسكرية، ومهرجان المونديال الإعلامي، وحركات شارلي شابلن الإيرانية في السيرك الإلكتروني للدبلوماسية الصامتة، تبقى شعوب المنطقة وتريليونات دول الخليج هي من تدفع الكلفة الأكبر، فيما يواصل اللاعبون الكبار إدارة المباراة من المدرجات العليا، يغيّرون قواعد اللعبة كلما اقتضت مصالحهم ذلك، بينما يبقى الملعب ذاته، والساحة ذاتها، والخاسر ذاته.
ولعل من الدروس التي ما زالت تحتفظ براهنيتها منذ الزلزال الجيوسياسي الذي أحدثه دخول العراق إلى الكويت، أن تصدع أي ركيزة من ركائز المنظومة الخليجية لا يقتصر أثره على دولة بعينها، بل يمتد ليصيب توازنات المنطقة بأسرها. فمنذ تلك اللحظة، لم تكن الكويت وحدها التي وقعت تحت وطأة الحدث الجلل، بل بدأ السد الخليجي يفقد جانباً من تماسكه الاستراتيجي مع انهيار السند العراقي الذي كان يشكل، قبل ذلك، أحد أعمدة التوازن الإقليمي. ومن خلال تلك الثغرة، تسللت مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي، وتحولت المنطقة تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لإدارة الصراعات وتدوير الأزمات.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب بلحظات الانكسار وحدها، بل يُكتب أيضاً بمواقف الذين رفضوا الانكسار منذ البداية. وما زالت في العراق قوى وشخصيات ونخب وطنية وقومية تدرك أن أمن العراق والخليج كان وسيبقى معادلة واحدة، ولم تقبل يوماً بمنطق كسر البيت الخليجي أو تحويل خلافاته إلى مكاسب للآخرين. وهي قوى ما زالت تمتلك، متى ما توافرت الإرادة والرؤية، القدرة على الإسهام في ترميم ما تصدع وإعادة بناء جسور الثقة والتوازن التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر الاستقرار الإقليمي.
فالرسالة التي لم ينجح ضجيج الحروب ولا صخب الصفقات في طمسها، هي أن قوة الخليج لم تكن يوماً في ثرواته وحدها، بل في عمقه الاستراتيجي ووحدة مصالحه وتماسك محيطه العربي. ولعل المعنى الذي اختصره الحديث النبوي الشريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، يجد صداه في طبيعة العلاقة بين العراق ومحيطه الخليجي؛ فعندما يضعف السند يتهاوى السد وتتكاثر الأطماع، وعندما يعود السند، العراق، تعود التوازنات.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام نهاية اللعبة الكبرى، أم أمام شوط إضافي جديد في مباراة لا يريد كثيرون لها أن تنتهي لأن استمرارها بات جزءاً من مصالحهم؟ وهل تدرك العواصم الخليجية أن بعض الفرص التاريخية لا تتكرر مرتين، وأن إعادة ترميم الجسور مع من رفضوا الحدث الجلل بالأمس قد تكون أقل كلفة بكثير من الاستمرار في تمويل أزمات الغد؟
ففي السياسة، كما في التاريخ، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تدفعه من فواتير، بل بقدرتها على تحديد من يكتب بنودها.
خاتمة
وهكذا، وبين مهرجان الألعاب النارية العسكرية، ومهرجان المونديال الإعلامي، والتوقيع الإلكتروني في جنيف، والترليونات الخليجية المتدفقة إلى الباكستان وواشنطن، تبدو المنطقة وكأنها تعيش فصولاً متجددة من «اللعبة الكبرى»؛ مسرحٌ تتغير فيه الأدوار، وتتبدل فيه الأدوات والتحالفات، فيما يبقى جوهر الصراع حاضراً لا يغادر المشهد. فمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لا تبدو مجرد اتفاق سياسي أو تقني عابر، بل حلقة في عملية أوسع لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية تمهيداً لشرق أوسط جديد يتشكل على وقع عالم يتجه بثبات نحو ثنائية قطبية أكثر وضوحاً.
وبينما تنشغل شاشات العالم بنتائج المباريات وصخب العناوين العاجلة، تظل شعوب المنطقة تتابع مباراة أخرى أكثر خطورة وأشد تأثيراً، مباراة لا تُنقل كاملة على الهواء، ولا تظهر كل تفاصيلها أمام الكاميرات. إنها مباراة يختلط فيها التنافس الجيوسياسي بدبلوماسية «اللا حرب واللا سلام»، وتتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع رهانات النفوذ والمصالح. أما اللاعبون الكبار، فما زالوا يديرون المباراة من المدرجات العليا، يراقبون حركة الميدان، ويعيدون توزيع الأدوار كلما اقتضت الضرورة، بانتظار شوط إضافي جديد قد يغيّر النتائج، لكنه لا يغيّر قواعد اللعبة نفسها.
كأكاديميين تنمويين نرى أن استمرار إدارة الأزمات دون حلول جذرية لم يعد قابلًا للاستدامة، وأن التحولات باتت تُفرض ميدانيًا لا نظريًا ولا إلكترونيًا. وإن التغيير الجذري في العراق وإيران ولبنان واليمن والسودان وغيرها سيبقى احتمالًا تفرضه وقائع الأرض لا خطاب السياسة،. كما أن بقاء هذه النظم دون معالجة يعني استمرار دائرة الاستنزاف الإقليمي والدولي والخليجي، ما يجعل الاستقرار الحقيقي مرهونًا بإعادة بناء إقليم الشرق الأوسط على أساس الدولة لا اللادولة، ومنطق القانون لا السلاح الموازي.
ولعل ما يجري اليوم يعيد التذكير بما طرحناه في دراستنا المرفقة "الحرب المحتملة مع إيران والسلام المستحيل للعرب" عام 2019؛ فالصراع لم يُحسم، والسلام لم يتحقق، بل جرى الانتقال من حافة الحرب إلى إدارة الحرب وولدة تحالفات ىجديدة هشة: الباكستان والسعودية وقطر والامارات .... وبين التهديد الإيراني ومظلة الحماية الأمريكية، يبقى الخليج العربي يدفع فاتورة الخوف والتسلح والاستقرار، وكأنه عالق بين نارين: نار الصواريخ الإيرانية إن اشتعلت، ونار كلفة احتوائها كي لا تشتعل أو تستمر. وهكذا تستمر "اللعبة الكبرى"؛ إيران تلوّح بالقوة، وأمريكا تدير التوازن، بينما يبقى السلام المستحيل للعرب هو العنوان الأكثر ثباتًا في معادلة لا رابح فيها سوى استمرار الصراع نفسه منذ حرب الخليج2 التي غيب فيها السند، العراق، فتهاوى السد الخليجي .
-------------------------------
المصادر
أ.د. عبدالسلام سبع الطائي: الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الحرب المحتملة مع ايران والسلام المستحيل لدول الخليج! - الجزء الاول
د. عبدالسلام سبع الطائي: جنيف في الجمعة الحزينة.. بين إيران وأمريكا حبرٌ كثير وإلزامٌ قليل - صحيفة يورو تايمز
د. عبدالسلام سبع الطائي: اللعبة الكبرى.. كيف تدير أمريكا صراعها مع إيران دون حرب؟ - صحيفة يورو تايمز
أ.د. عبدالسلام سبع الطائي :ترامب يصنع المفاوضات من فوهة الحرب! - وكالة أخبار العرب: العالم بين يديك
مصادر ذات صلة:
د. عبدالسلام سبع الطائي: وماذا بعد سوريا، العراق ام خارطة الشرق؟ - صحيفة يورو تايمز
مقابلة صحفية مع البروفيسور عبدالسلام سبع الطائي – iraqi forum

987 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع