هرمز بين حربٍ مؤجلة واتفاقٍ قيد الولادة ( التاريخ الذي يهمس لن يكرر نفسه ..من ضجيج البحر إلى همس القاعات … هرمز يراقب مفاوضات سويسرا ).

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
22حزيران 2026

هرمز بين حربٍ مؤجلة واتفاقٍ قيد الولادة( التاريخ الذي يهمس لن يكرر نفسه ..من ضجيج البحر إلى همس القاعات… هرمز يراقب مفاوضات سويسرا ).

١. ثمانينات القرن الماضي كانت نار الخليج ومرافقة الرايات:

في أواخر الحرب العراقية–الإيرانية، اشتعلت حرب الناقلات. السفن التجارية أصبحت أهدافًا عائمة، والنفط صار شريانًا مهددًا. حينها أطلقت امريكا عام 1987–1988 عملية الارادة الجادة Operation Earnest Will حين قررت أن تحرس ناقلات النفط وخاصة الكويتية في الخليج العربي بعد ان أعيد تسجيلها تحت العلم الأمريكي ..سارت القوافل ( convoy ) محاطة بالمدمرات والفرقاطات.كانت الرسالة واضحة تقول ان الممرات البحرية خطٌ أحمر. ومع كل لغمٍ بحري أو صاروخٍ عابر، كان الخليج يختبر توازنًا هشًا بين الردع والانفجار.
٢. مع تلك التعقيدات والمخاطر استمرت القوة الجوية العراقية تنفيذ مهامها في عمق الخليج العربي واشتدت اكثر عندما حدد العراق منطقة قتل شمال مياه الخليج العربي باتجاه السواحل الايرانية وقد ابلغ عن ذلك بشكل علني ورسمي جميع الدول التي تستخدم مياه الخليج في حركة الناقلات النفطية والتجارية..أطلق العراق تسمية exclusive zone على تلك المنطقة ..حاول الاسطول الخامس اختراق تلك المنطقة عندما دفع بالفرقاطة الصاروخية الأمريكية ستارك (USS Stark – FFG-31)
من فئة Oliver Hazard Perry-class frigate الى منطقة القتل .فكانت لها طائرة اليرموك العراقية مساء 17 أيار 1987 أصابتها بصاروخين من نوع إكزوسيت أطلقتهما طائرة اليرموك العراقية في الجانب الأيسر، سبب اندلاع حرائق واسع وخسائر في الضباط والجنود ( ٣٧ قتيلاً ' ٣٠ جريحاً ).. كانت العملية واحدة من أخطر الخسائر التي تعرضت لها البحرية الأمريكية منذ حرب فيتنام…تمت التسوية واعتبار ماحصل بانه خطأ عسكري غير مقصود في بيئة عمليات معقدة..سئل ضابط امريكي من الأسطول الخامس عن الهجوم العراقي على الفرقاطة اجاب بشكل مقتضب ( it was in wrong place and time ) كانت في المكان والزمان الخطا.

٣. اليوم والحرب الإمريكية قائمة مع ايران إصبح مضيق هرمز على حافة الظلال ..يتردد الاسم ذاته مع تصاعد لغة ( حماية الملاحة والقوافل ) .. المدمرات وحاملات الطائرات تتحرك كأنها ظلال ثقيلة فوق الماء.المشهد يتشابه بين زمنين في ( تهديد للملاحة ' اعلان عن حماية ' رسائل ردع متبادلة ) ..لكن المتغير فيه أدوات الحرب اليوم لتشمل ( الطائرات المسيّرة، الصواريخ الدقيقة، الطيران المسير ' الحرب السيبرانية، إضافةً إلى الحسابات الاقتصادية العالمية المعقدة ).
٤.هل التاريخ يعيد نفسه حيث ايران اغلقت المضيق ..أمريكا طوقته بالحديد ..ًنعم ولكن لم يكن المشهد كما كان بل يتشابه في الإيقاع ويختلف في النتيجة.
عند المقارنة بين الثمانينيات واليوم …نرى ان طبيعة صراع اليوم تختلف في ( حرب إقليمية مفتوحة توتر مباشر وغير مباشر ' شديد الحساسية لأسعار الطاقة ضمن احتمالية التصعيد ) ربما تبقى تحت السيطرة اعتماداً على الحسابات السياسية الدولية .

٥.السؤال المطروح : حين تصبح لقمة العيش برميل بارود هل يشعل المضيق حربًا عالمية ثالثة يمكن مناقشة ذلك وفّق المعطيات ادناه :
أ. مضيق هرمز يمثل عنق الزجاجة يمرّ عبره جزءٌ كبير من تجارة الطاقة العالمية. ان أي اضطراب فيه لا يعني فقط سفنًا تتباطأ، بل أسواقًا ترتجف، وأسعارًا تقفز، وموائد قد تضيق في بيوت بعيدة آلاف الكيلومترات يمكن أن تكون “لقمة العيش” فتيل حرب عالمية …من حيث المبدأ، يقال ان الاقتصاد يشكل شرارة لكنّه غالبًا كابحٌ للحريق.
ب. الطاقة شريان الصناعة والنقل والغذاء. وان ارتفاع الأسعار الحاد يضغط على الحكومات ويؤجّج التوترات. لان سلاسل الإمداد العالمية مترابطة حيث أي اختناق في ممر بحري حساس يخلق صدمات متتابعة.
ج. الترابط الاقتصادي بين الدول يجعل الحرب الشاملة مكلفة للجميع. تبقى القوى الكبرى تميل لإدارة الأزمات عبر الردع المحدود والوساطات بدل الانزلاق إلى مواجهة كبرى.
د. الاقتصاد سيّد الموقف وأداة أدارة الصراعات ..في القرن الحادي والعشرين، أصبح الاقتصاد ساحة قتال بحد ذاته ( عقوبات مالية،قيود تصدير،حروب أسعار،
تأمين بحري وممرات بديلة ).لكنه ليس متفوقًا على الإنسانية بقدر ما هو انعكاسٌ لمصالحها وخوفها. حين تهتز “لقمة العيش”، ترتفع الأصوات، القرار النهائي يبقى سياسيًا محكومًا بحسابات القوة والردع والرأي العام.
ه. هل الشرارة تكفي لحريق عالمي ..التاريخ يعلّمنا أن الحروب العالمية لا تندلع بسبب عامل واحد فقط، بل من تراكم أزمات وسوء تقدير وتصعيد متبادل. علينا ان لا نهمل اضطراب مضيق هرمز يسبب أزمة طاقة عالمية ( ركودًا اقتصاديًا،توترًا عسكريًا إقليميًا ) دون التحول إلى حرب عالمية حيث يتطلب اصطفافات كبرى، وانهيار قنوات التهدئة، وقرارات تتجاوز منطق الكلفة.

٦. حتى اللحظة، يبدو أن مضيق هرمز تغلّب على الملف النووي نفسه. فالعالم الذي كان يتابع أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب، بات يراقب حركة السفن وأسعار التأمين البحري وأرقام شحنات النفط أكثر مما يراقب المفاعلات والمنشآت النووية. ظاهريا ما زالت المفاوضات تدور في أروقة الدبلوماسية، ( سويسرا تؤدي دور صندوق البريد بين بين امريكا وايران ) بينما المشهد يوحي بأن الاجتماعات المرتجفة قد لا تلد شيئاً بحجم المخاطر المتراكمة. فالوقت يمرّ أسرع من قدرة الوسطاء على إنتاج حلول، والبحر أصبح أكثر تأثيراً من قاعات التفاوض.

٧.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف أمام معادلة معقدة؛ فهو لا يريد حرباً مفتوحة تستنزف الاقتصاد العالمي وتربك الداخل الأمريكي، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الظهور بمظهر المتراجع أمام إيران. أما إيران فهي أكثر إحراجاً، لأنها مطالبة بالحفاظ على هيبتها الاستراتيجية دون أن تنزلق إلى مواجهة قد تهدد اقتصادها وبنيتها الوطنية وتضع المنطقة أمام المجهول.وفي خضم هذا الاشتباك السياسي والعسكري، يمر العالم في حالة إنهاك اقتصادي غير مسبوق. ( التضخم يضغط على الشعوب، اسعار الطاقة والغذاء ترهق الحكومات، سلاسل الإمداد ما زالت تتعافى من أزمات متراكمة )..وكأن الاقتصاد العالمي لم يعد مريضاً فقط، بل فقد جزءاً كبيراً من قدرته على تحمل صدمة جديدة طويلة الأمد.

٨.السؤال المتداول والأصعب: هل من حلول المتوقع الغير مضمون ان الحل العسكري الشامل يبدو مستبعداً ..كام ان الحل القائم على الإملاءات لا يملك فرصة حقيقية للاستمرار. ربما المخرج الوحيد مزيجاً من الردع المتبادل والتسويات المرحلية، بضمان حرية الملاحة في هرمز، ويمنع الانزلاق في مواجهة شاملة، بل يمنح الأطراف فرصة لحفظ ماء الوجه قبل حفظ المصالح.لقد أثبت التاريخ أن المضائق لا تُغلق بالقوة وحدها، كما أن الممرات البحرية لا تُحمى بالسلاح فقط. حين تصبح لقمة العيش مهددة، يتحول الاقتصاد من وقود للصراع إلى قوة ضاغطة على الجميع للبحث عن تسوية. ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي: من ينتصر في هرمز بل من ينجح في منع العالم من دفع ثمن الانتصار.
٩.أثبت هرمز مرة أخرى أن الجغرافيا قد تتفوّق أحياناً على الأيديولوجيا، وأن المضيق الضيق قد يصبح أثقل وزناً من الملف النووي ..وبين سفينة تنتظر العبور، ودولة تبحث عن الردع، وشعوب تبحث عن رغيف الخبز، يبقى العالم معلقاً بين عقل يحسب الكلفة وانفعال قد يشعل النار. فهل تنتصر الحكمة هذه المرة، أم يكتب المضيق فصلاً جديداً من تاريخ لا يرحم من يسيئون تقدير لحظاته.

١٠.حين يتفوّق المضيق على النووي وتتعثر الدبلوماسية: حتى اللحظة، يبدو أن المضيق قد تغلّب على الملف النووي نفسه. العالم أمضى سنوات طويلة يراقب أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب، بات اليوم يراقب حركة الناقلات وأسعار التأمين البحري ومؤشرات الطاقة أكثر مما يراقب المفاعلات والمنشآت النووية. وكأن الجغرافيا استعادت فجأة مكانتها فوق السياسة، وأصبح الممر أكثر تأثيراً من الصفحات التي كُتبت في ملفات التفاوض.

١١.في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى سويسرا تبدو المفاوضات المرتجفة عاجزة عن اللحاق بسرعة الأحداث. فالرسائل تتبادل، والوسطاء يتحركون، اما الوقائع على الأرض وفي البحر تتقدم أسرع من قدرة الدبلوماسية على إنتاج حلول حقيقية.مما يزيد الانطباع بأن الاجتماعات المتكررة قد لا تلد شيئاً بحجم المخاطر المتراكمة، وأن الوقت عندما يساء استخدامه يعمل لصالح التصعيد أكثر من التسوية.
١٢.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب : يقف أمام معادلة شديدة التعقيد. بين لا يرغب في حرباً واسعة قد ترفع أسعار الطاقة وتربك الاقتصاد العالمي وتنعكس على الداخل الأمريكي، أو الظهور بمظهر المتراجع والعاجز عن فرض الردع.
إيران : فتبدو حرجاً؛ بالحفاظ على هيبتها الاستراتيجية وإظهار قدرتها على الرد، دون أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة قد تستنزف اقتصادها وتضع بنيتها الوطنية أمام اختبارات قاسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
خلفية المشهد: يقف عالمٌ مثقل بالأزمات. التضخم يضغط على الشعوب، وأسعار الغذاء والطاقة تستنزف الحكومات، وسلاسل الإمداد لم تتعافَ بالكامل من الصدمات المتراكمة خلال السنوات الماضية. وكأن الاقتصاد العالمي لم يعد مريضاً فحسب، بل فقد جزءاً مهماً من مناعته وقدرته على تحمل أزمة كبرى طويلة الأمد.

١٣.السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تصمت البنادق وتتكلم العقول..الجواب لا يزال معلقاً بين الردع والتفاوض. فالحل العسكري الشامل يبدو باهظ الكلفة لجميع الأطراف، والحل القائم على الإملاءات أثبت محدودية قدرته على إنتاج استقرار دائم. قد يكون المخرج الواقعي هو تسويات مرحلية تحفظ حرية الملاحة في هرمز، وتمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وتمنح جميع الأطراف فرصة للخروج من الأزمة دون إعلان هزيمة سياسية صريحة.أما القوى الكبرى، تدرك أن أي انفجار واسع في الخليج لن يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية. ولذلك :
إ.امريكا : تريد حماية الممرات البحرية والحفاظ على هيبتها الاستراتيجية،
ب .بينما روسيا والصين تنظر إلى الأزمة من زاوية أوسع تتعلق بتوازنات النظام الدولي وأسواق الطاقة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ العالمية.

١٣.السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تصمت البنادق وتتكلم العقول..الجواب لا يزال معلقاً بين الردع والتفاوض. فالحل العسكري الشامل يبدو باهظ الكلفة لجميع الأطراف، والحل القائم على الإملاءات أثبت محدودية قدرته على إنتاج استقرار دائم. قد يكون المخرج الواقعي هو تسويات مرحلية تحفظ حرية الملاحة في هرمز، وتمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وتمنح جميع الأطراف فرصة للخروج من الأزمة دون إعلان هزيمة سياسية صريحة.أما القوى الكبرى، تدرك أن أي انفجار واسع في الخليج لن يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية. ولذلك :
إ.امريكا : تريد حماية الممرات البحرية والحفاظ على هيبتها الاستراتيجية،
ب .روسيا والصين : تنظر إلى الأزمة من زاوية أوسع تتعلق بتوازنات النظام الدولي وأسواق الطاقة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ العالمية.

ج. إيران: تسعى إلى تثبيت معادلة الردع ومنع فرض شروط تمس سيادتها أو نفوذها الإقليمي، مع الحفاظ على قدرتها على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزف مقدراتها وتُهدد استقرارها الداخلي.
د. إسرائيل: تركّز على منع تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية وإبعاد التهديد عن حدودها، وتسعى إلى ترسيخ تفوقها العسكري والتكنولوجي في المنطقة، لكنها تدرك أن أي حرب طويلة ومفتوحة تحمل أثماناً اقتصادية وأمنية وسياسية متزايدة.
هـ. العرب: يقفون بين هاجس الأمن ومتطلبات التنمية، ويخشون أن يتحول الخليج إلى ساحة صراع شاملة تستنزف الموارد وتعرقل مشاريع الاستقرار والازدهار. لذلك يفضّل معظمهم احتواء الأزمة عبر الدبلوماسية، مع المحافظة على التوازن في علاقاتهم مع القوى الإقليمية والدولية.

١٣.لقد أثبت التاريخ أن المضائق لا تُغلق بالقوة وحدها، كما أن الممرات البحرية لا تُحمى بالسلاح فقط. عندما تصبح لقمة العيش مهددة، يتحول الاقتصاد من وقود للصراع إلى قوة ضاغطة تدفع الجميع نحو التسوية.

١٤.قد لا يكون السؤال الحقيقي: من ينتصر في هرمز بل من ينجح في منع العالم من دفع ثمن الانتصار.لقد أثبت مضيق هرمز مرة أخرى أن الجغرافيا قد تتفوّق أحياناً على الأيديولوجيا، وأن المضيق الضيق قد يصبح أثقل وزناً من الملف النووي ..وبين سفينة تنتظر العبور، ودولة تبحث عن الردع، وشعوب تبحث عن رغيف الخبز، يبقى العالم معلقاً بين عقل يحسب الكلفة وانفعال قد يشعل النار.فهل تنتصر الحكمة هذه المرة، أم يكتب المضيق فصلاً جديداً من تاريخ لا يرحم من يسيئون تقدير لحظاته

١٥.الاستنتاجات:
ا.تعثر المفاوضات لا يعني فشلها النهائي، بل قد يكون جزءاً من عملية ضغط متبادل لانتزاع مكاسب سياسية قبل الوصول إلى نقطة التسوية.
ب.إغلاق هرمز الكامل يبقى احتمالاً ضعيفاً، لأن كلفته على إيران والعالم قد تكون أكبر من مكاسبه السياسية والعسكرية.
ج.القوى العظمى لا تبحث عن حرب عالمية جديدة، بل عن إدارة الأزمة ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل وتحافظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
د.الخطر الحقيقي ليس القرار المتعمد بالحرب، بل سوء التقدير؛ فمعظم الحروب الكبرى بدأت عندما اعتقدت الأطراف أن الطرف الآخر لن يرد أو لن يذهب بعيداً في التصعيد.
ه.كل يوم يبقى فيه هرمز مفتوحاً يمثل انتصاراً للعقل على الانفعال، لأن استمرار الملاحة يعني بقاء نافذة للحوار مهما اشتدت لغة التهديد.
و.إذا صمتت البنادق فستتكلم المصالح، وإذا فشلت المصالح فستعود البنادق للكلام، وهذه هي المعضلة التي تقف عندها المنطقة اليوم.
ز.العالم لم يعد يحتمل صدمة كبرى جديدة؛ لذلك فإن ضغوط الأسواق والطاقة والغذاء قد تصبح عاملاً أقوى من المدافع والصواريخ في دفع الأطراف نحو التهدئة.حينها تصبح القراءة أكثر قوة عندما تنتهي بالسؤال المحوري:
( هل ستنجح القوى الكبرى في إبقاء هرمز ممراً للتجارة والطاقة، أم يتحول إلى الشرارة التي تكشف حدود الردع وحدود الحكمة معاً ).
ح.إذا كانت التهديدات الأميركية تمثل لغة ضغط تفاوضية أكثر من قراراً بالحرب، فإن الرد الإيراني الحالي يبدو أقرب إلى رفع سقف المساومة لا إلى إغلاق الباب نهائياً. فإن الاحتمال الأرجح هو أن تتعثر مفاوضات سويسرا مؤقتاً، لكنها لن تموت، لأن الطرفين وصلا إلى مرحلة أصبح فيها الاتفاق الجزئي أقل كلفة من العودة إلى الميدان.

١٦. في ضوء التقارير عن المفاوضات والتهديدات الأخيرة المنسوبة إلى الرئيس الأميركي Donald Trump تجاه المفاوض الإيراني Mohammad Bagher Qalibaf، وما تردد عن تعليق أو تعثر جولة المفاوضات في سويسرا، فإن المشهد لا يوحي بانهيار كامل للمسار التفاوضي بقدر ما يوحي بدخول المفاوضات مرحلة الضغط القصوى. وتشير تلك التقارير إلى أن الوسطاء ما زالوا يعملون على إبقاء القناة مفتوحة رغم التوترات والتصريحات الحادة.

١٦. كذب المنجمون وان صدقوا فان التوقع الأقرب:استمرار المفاوضات بصورة غير مباشرة أو فنيه مطلقه ، مع تأجيل الاتفاق النهائي وليس انهياره يعود الى الأسباب ادناه:

أ.كلفة العودة إلى الحرب مرتفعة جداً واشنطن لا ترغب بفتح جبهة طويلة جديدة في الخليج. ' طهران تدرك أن التصعيد العسكري الواسع سيزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها.
ب.وجود وسطاء فاعلين تلعب كل من ( باكستان وقطر ) دوراً مهماً في منع انهيار الحوار بشكل كامل.
ج.وجود مكاسب مطروحة للطرفين الحديث يدور حول ترتيبات تخص العقوبات والنفط والممرات البحرية والملفات الأمنية، وهي ملفات يصعب التخلي عنها بعد الوصول إلى هذا المستوى من التفاوض.

١٧.النتائج كما تتوقعه السياسة والاعلام والامن والاقتصاد:
أ.السيناريو الأول نسبته ٦٠٪؜…استمرار التفاوض.تخفيف تدريجي للتصعيد الإعلامي.التوصل إلى تفاهم مرحلي خلال أسابيع.بقاء الخلافات الجوهرية مؤجلة إلى مراحل لاحقة.

ب.السيناريو الثاني نسبته ٣٠٪؜..تجميد المفاوضات مؤقتاً.
تصعيد سياسي وإعلامي متبادل.ضغوط اقتصادية وعسكرية محدودة دون حرب شاملة.العودة إلى الطاولة بعد تدخل الوسطاء.

ج.السيناريو الثالث نسبته ١٠٪؜.. وربما يكون الاقرب عند انهيار كامل للمحادثات.تصعيد عسكري في الخليج أو عبر الساحات الإقليمية.اضطراب أسواق الطاقة والملاحة.انتقال المنطقة إلى مرحلة مواجهة مفتوحة غير مضمونة النتائج.

١٨.الخلاصة : هرمز ليس مجرد مضيق بل مسرح تتكرر عليه المشاهد بأزياء مختلفة.في الثمانينيات، عبرت القوافل تحت حماية المدافع.واليوم، تعبر تحت حماية الرادارات والأقمار الصناعية والرسائل السياسية الثقيلة.التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد طرح السؤال ذاته ( من يملك مفاتيح الممرّ الضيّق، ومن يجرؤ في الاستمرار على إغلاقه ) في الحالتين يكون العالم بأسره هو الراكب في تلك القافلة ..لقمة العيش يمكن أن تكون شرارة،لكنها في عالمٍ مترابط هي أيضًا حارسٌ خفيّ يمنع إشعال النار.الاقتصاد اليوم ليس فقط أداة صراع بل شبكة أمان هشة.وهرمز يبقى اختبارًا دائمًا هل تنتصر حسابات الربح والخسارة… أم لحظة انفعال تغيّر وجه العالم . قد يتوقف الكلام أياماً، لكن من غير المرجح أن يتوقف التفاوض؛ فحين تصبح الحرب مكلفة للجميع، تتحول الطاولة إلى ساحة المعركة الأخيرة.
لكل طرف أهدافه وحساباته، جميعاً يشتركون في حقيقة واحدة تقول ( أن الحرب الشاملة قد تمنح نصراً تكتيكياً لكنها قد تفرض خسائر استراتيجية على الجميع، ولذلك يبقى الصراع معلقاً بين قوة الردع وضغوط التفاوض، وبين صوت المدافع وحكمة المصالح ).

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

985 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع