
سعاد عزيز
السلام الذي يخشاه النظام الإيراني
ليست المشكلة مع النظام الإيراني أنه يرفض اتفاقاً معيناً أو يختلف على بند من بنود المفاوضات، وإنما تكمن في أن السلام، بمعناه الحقيقي، يتعارض مع طبيعة المشروع الذي قام عليه هذا النظام منذ تأسيسه. فالدولة التي جعلت من تصدير الأزمات، وتوسيع النفوذ، وتوظيف الميليشيات المسلحة، والبرنامج النووي والصاروخي، ركائز لاستمرارها، لا تستطيع أن تنظر إلى السلام بوصفه خيارا استراتيجيا، لأن ذلك يعني عمليا إعادة النظر في الأسس التي استندت إليها طوال ما يقرب من خمسة عقود.
لقد أثبتت تجربة أكثر من عشرين عاما من المفاوضات مع طهران أن المجتمع الدولي كان يراهن على إمكانية تغيير سلوك النظام عبر الدبلوماسية وحدها، غير أن الوقائع جاءت بعكس ذلك تماما. فمنذ الكشف عن المنشآت النووية السرية عام 2002، لم تتوقف جولات الحوار، ولم تنقطع الوساطات، كما لم تتوقف التنازلات السياسية التي قدمتها أطراف دولية عديدة أملا في الوصول إلى تسوية دائمة. لكن النتيجة كانت أن النظام استثمر الوقت الذي وفرته المفاوضات في تطوير قدراته النووية، وتعزيز برنامجه الصاروخي، وتوسيع شبكات وكلائه في المنطقة، حتى أصبحت تدخلاته تمتد من العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى الممرات البحرية التي تمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية.
وهكذا، فإن المفاوضات التي كان يفترض أن تكون وسيلة لاحتواء الأزمة، تحولت في كثير من الأحيان إلى فرصة لإدارة الأزمة فقط، بينما بقيت أسبابها الحقيقية على حالها. فالنظام لم يتعامل مع الحوار باعتباره مدخلا لتغيير سياساته، وإنما كأداة لتخفيف الضغوط، وكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقه، ثم العودة إلى النهج ذاته بمجرد تغير الظروف.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يمكن التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران؟ بل: هل يمتلك النظام أصلا الإرادة السياسية للتخلي عن السياسات التي أوصلت المنطقة إلى هذا المستوى من التوتر؟ إن أي سلام مستدام يقتضي التخلي عن الطموحات العسكرية للبرنامج النووي، ووضع حد لتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ووقف تمويل وتسليح الميليشيات التابعة له، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وهذه ليست مطالب أمريكية أو غربية فحسب، وإنما أصبحت مطالب دولية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها.
غير أن قبول هذه الشروط يعني بالنسبة للنظام التخلي عن أهم أدوات الردع والابتزاز التي اعتمد عليها طوال سنوات حكمه. ولهذا، فإن الأزمة لم تعد خارجية فحسب، بل أصبحت داخلية أيضا. فكل تنازل أمام المجتمع الدولي ينعكس مباشرة على تماسك السلطة في طهران، لأن الخطاب الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية ربط شرعيتها بالمواجهة الدائمة مع الغرب، وبمشروع "تصدير الثورة"، وبامتلاك أوراق ضغط إقليمية. ومن هنا، فإن أي تحول حقيقي نحو السلام لا ينظر إليه داخل أجنحة النظام على أنه إنجاز سياسي، بل على أنه بداية لتآكل شرعيته.
ولعل ما شهدته الأشهر الأخيرة من تصعيد في الخليج، والتهديدات المتكررة للملاحة الدولية، واستمرار النشاط العسكري للوكلاء الإقليميين، يؤكد أن النظام لا يزال يرى في الأزمات وسيلة لحماية نفسه، لا عبئا ينبغي التخلص منه. فكلما اشتدت أزماته الداخلية، ازداد ميله إلى تصديرها خارج الحدود، لإشغال الرأي العام الداخلي، وابتزاز المجتمع الدولي بورقة الأمن الإقليمي.
لكن هذه المعادلة لم تعد تعمل كما كانت في السابق. فإيران اليوم تواجه أزمة اقتصادية خانقة، وتراجعا غير مسبوق في قيمة العملة، واتساعا في رقعة الفقر، واستمرارا للاحتجاجات الشعبية، إلى جانب تصاعد الخلافات داخل أجنحة الحكم نفسها. ولذلك، فإن السلطة تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي عاجزة عن المضي في مواجهة مفتوحة مع العالم، وفي الوقت نفسه غير قادرة على تقديم تنازلات جوهرية، لأنها تدرك أن مثل هذه التنازلات قد تفتح الباب أمام انفجار داخلي يصعب احتواؤه.
وفي خضم هذه الأزمة، يبرز العامل الذي يحاول النظام التقليل من شأنه، والمتمثل في المقاومة الإيرانية وقوى المعارضة المنظمة، التي استطاعت، رغم سنوات القمع والملاحقة، أن تحافظ على حضورها السياسي والتنظيمي داخل المشهد الإيراني، وأن تقدم نفسها بوصفها بديلا يربط بين إنهاء الاستبداد في الداخل، وإنهاء سياسة تصدير الأزمات إلى الخارج. فالمقاومة الإيرانية تنطلق من رؤية تعتبر أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر تفاهمات مؤقتة مع سلطة تجعل من التوتر الإقليمي وسيلة لإدامة بقائها، وإنما عبر تغيير ديمقراطي يضع حدا لولاية الفقيه، ويؤسس لدولة مدنية تحترم حقوق الإنسان، وتفصل الدين عن الدولة، وتلتزم بعلاقات قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
إن السلام الذي يريده المجتمع الدولي يعني شرقا أوسط أكثر أمنا واستقرارا، أما السلام الذي يسعى إليه النظام الإيراني فهو سلام يرفع عنه الضغوط، ويمنحه الوقت لإعادة إنتاج أزماته وأدوات نفوذه. وبين هذين المفهومين تتحدد حقيقة الصراع. ولهذا، فإن أي استراتيجية جادة لتحقيق الأمن في المنطقة لن تكون مكتملة ما لم تدرك أن المشكلة لا تكمن في شكل الاتفاقات، بل في طبيعة النظام ذاته، وأن الطريق إلى سلام دائم يمر عبر دعم حق الشعب الإيراني في التغيير، وتمكين المقاومة المنظمة من بناء إيران جديدة تكون عامل استقرار وتعاون، بدلا من أن تبقى المصدر الأبرز للتوتر وعدم اليقين في المنطقة.

701 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع