
نزار جاف
حين يجتمع السم بالمکر
القصة الطويلة مملة في ظاهرها، لكنها لو حفلت بالأحداث والتطورات الدراماتيكية فإنها ستكون مشوقة وستجذب القارئ اليها بقوة ، ولاسيما ان كان محورها الاساسي موضوع هو بمثابة حديث الساعة.
ليس المهم كيفية طرح الموضوع بل ان الاهم ما يدور ويحدث في الواقع بشأن ذلك الموضوع، حيث انه وعلى مر التاريخ فإن الحديث عن الكثير من الامور والمواضيع والتوقعات بشأنها قد جاء مغايرا تماما لما کان منتظرا ومتوقعا، وجرى ما لم يكن في الحسبان.
في التاسع عشر من يونيو الجاري وعندما وصلت الى العاصمة الفرنسية باريس للمشارکة في تظاهرة 20 يونيو التي کان من المٶمل أن يشارك فيها قرابة 100 ألف من الايرانيين، فقد فوجئت بأن الشرطة الفرنسية قد حظرت التظاهرة على الرغم من الموافقة المسبقة بشأنها، وإعترضت اللجنة المنظمة على القرار المذکور وطعنت فيه أمام المحکمة الادارية في باريس، لکن في اليوم التالي صادقت المحکمة المذکورة على قرار الشرطة لکن الذي لفت النظر کثيرا ودعاني وکل متابع لهذا الحدث، الى البحث والتدقيق في هذا التطور المفاجئ ولاسيما عندما أمعنت في المبررات التي ذکرتها المحکمة الادارية في تصويبها لقرار الشرطة الفرنسية.
الملفت للنظر والذي يدفع للمزيد من السعي لسبر غور قرار إلغاء تظاهرة 20 يونيو، المبررات التي أعلنتها الحکمة الادارية بهذا الصدد، إذ أعلنت في قرار حکمها بأن قرار الحظر الصادر عن الشرطة يتضمن أسبابا نمطية ومفرغة من أي معلومات أساسية. ومع ذلك، فإن التقارير الاستخباراتية التي وضعت تحت تصرف المحكمة تشير إلى أن تظاهرة 20 يونيو “معرضة لخطر هجوم كبير من قبل النظام الإيراني أو أنصار الشاه الإيرانيين”. ويضيف الحكم أن بقايا نظام الشاه “لديهم جهاز أمن داخلي يدعى السافاك. هذا ‘الجهاز’ نشط في أوروبا، وقد هدد بأنه في حال إصدار السلطات الإدارية تصريحا للتظاهرة في 20 يونيو 2026، فإنهم سيقومون بزرع قنبلة”!
والانکى من ذلك، إن قرار لحکم قد أشار أيضا الى أن وجود السافاك “واضح من خلال مشاركته في تظاهرة 26 أبريل 2026 في لندن و10 مايو من العام في ريغنسبورغ بألمانيا، حيث عرض المشاركون في المسيرة ملابس ولافتات تحمل شعار السافاك”، ويضيف أن “الحركة الملكية، من خلال أحد أعضائها النشطين، محمد صادقي آهنكر، والمعروف بـ ‘مواقفه التهديدية، خاصة تجاه قوات الأمن الفرنسية ورئيس الجمهورية’ دعت أنصارها إلى ‘عرقلة المسيرة'”. السٶال الذي يطرح نفسه هنا بقوة ويتطلب إجابة وتوضيحا، هو: أين کانت مخابرات نظام الملالي النشيطة والمتميزة بالحرفية في مطاردة وإغتيال المعارضين طوال أکثر من47 عاما من حيث تصديها ومواجهتها لنشاطات السافاك، بل وحتى لماذا تغاضت عنه وصبت کل جهودها في رصد ومتابعة وملاحقة منظمة مجاهدي خلق؟
لست أتحدث حديث عرضي أو طارئ عن هکذا موضوع، إذ أن لي قرابة ربع قرن على متابعة دور ونشاطات مجاهدي خلق، أي من أيام کانت المنظمة مدرجة في قائمة المنظمات الارهابية، وتابعت تحرکاتها ونشاطاتها وسلطت الاضواء عليها في الاعلام العربي ولاسيما في موقع إيلاف وصحيفة"السياسة" الکويتية، وأکدت مرارا وتکرارا بأن النظام الايراني هو مصدر التطرف والارهاب وهو التهديد والتحدي الذي يواجه ليس الشعب الايراني فقط بل والمنطقة والعالم أيضا.
نظام الملالي وللأسف الشديد والاعلام العربي من ورائه، يزعمون بأن لا دور ولا تأثير لمجاهدي خلق على الاحداث والتطورات في داخل إيران، ولکن وعند حدوث أي إنتفاضة أو نشاط مضاد للنظام يبادر الاخير لإتهام المنظمة بذلك دون غيرها، بل وحتى إن الذي يجب أن يٶخذ بنظر الاعتبار والاهمية إن ملالي إيران لم يسبق وإن طالبوا دول العالم بإعادة أي معارض سوى المنتمين لمجاهدي خلق، وأتساءل لماذا؟ ألم يفکر أحدکم بهذا الامر؟ وقد صدق مسعود رجوي، قائد المقاومة الايرانية في رسالته التي وجهها بمناسبة إلغاء التظاهر في 20 يونيو حينما قال:" فإذا كانت هذه المقاومة، وهؤلاء المجاهدون، لا يملكون قاعدة ولا رصيدا ولا تأثيرا، فلماذا كان الشيء الوحيد الذي يرضي فاشية ولایة الفقیه الحاكمة، منذ اليوم الأول وحتى اليوم، في كل صفقة ومعاملة، ولا سيما الصفقات الملوثة بالنفط، هو استهدافهم ودفع الثمن من حسابهم وعلى حسابهم؟"، وهذا أيضا سٶال مهم وحيوي ينتظر ليس الاجابة عليه فقط وإنما فهم وإستيعاب طرحه في هذا الوقت تحديدا.
لکن، وبعيدا عن هذا وذاك، مالذي جمع بين بقايا نظام الشاه المباد ونظام الملالي على خصوصا وإن الاخير في أسوأ مرحلة يواجهها حيث تعصف به الازمات ويتصاعد الرفض الشعبي ضده أکثر من أي وقت مضى؟ بالامس کان الخميني ومن بعد خليفته خامئي يدبجون خطبهم بکونهم ألد أعداء الطاغوت"أي نظام الشاه" وإنهم من أسقطوه، فما"عدا مما بدا وجمعهم على طاولة واحدة مع أعداء الامس ضد طرف طالما زعمما کلاهما بأن لا دور ولا تأثير له على أرض الواقع"؟
ليست المرة الاولى التي تتعرض فيها مجاهدي خلق لمٶامرة تمت حياکتها بمشارکة أکثر من طرف، فقد تعرضت للعديد منها لکن الذي لفت النظر إنها کانت تواجه کل مٶامرة بحنکة وحکمة خصوصا إذا ما تذکرنا مٶامرة 17 يونيو 20 التي تم على أثرها إعتقال قيادة المنظمة وفي المقدمة منها مريم رجوي، بزعم الاشتباه أن المنظمة تخطط لعلمليات إرهابية، وتبين فيما بعد الدور المشبوه لنظام الملالي بهذه المٶامرة لکن الملفت للنظر في المٶامرتين إنهما حدثتا في شهر يونيو وکلاهما بني على مبررات وحجج مشبوهة کان ورائها النظام مع ملاحظة إن لبقايا الشاه في المٶامرة دور مهم في مساعدة الملالي لتحقيق هدفهم، لکن الذي لفت النظر أکثر الى هذا الموضوع وما يتعلق به هو ما ذکرته مريم رجوي، في کلمتها في اليوم الاول من مٶتمر إيران الحرة 2026، عندما قالت: "أما اولئك الذين امتلكوا ماكنة ضخمة لتصنيع الأكاذيب والتزوير بصرف المليارات، فقد سعوا إلى اختطاف الانتفاضة وتصويرها على أنها محاولة للعودة إلى دكتاتورية حکم الشاه. وهذا كان عمليا لصالح خامنئي تماما وخدم سياسة قمع الانتفاضة وإجهاضها." إذ أباد النظام 30 ألفا من المتظاهرين رغم إن الرئيس ترامب قد رفع الرقم الى 42 ألفا، وهذا بحد ذاته يٶکد العلاقة الغريبة من نوعها بين العقرب"النظام"والثعلب المکشوف"رضا بهلوي" ولله في خلقه شٶون.

530 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع