الحسد والطرق على الخشب بين المعتقد الشعبي والتاريخ

الأستاذ الدكتور
صلاح رشيد الصالحي
بغداد 2026

 الحسد والطرق على الخشب بين المعتقد الشعبي والتاريخ

عندي صديق أصغر مني سناً، لا التقي به دائما رغم معرفتي به منذ سنين طويلة، ربما لعدم التوافق في الأفكار، فهو يبالغ في حديثه عن مغامراته وبطولاته العاطفية أيام الشباب، وخلال حديثه كنت ابتسم وانا اسمع فلا حاجة للتعليق، وفي الآونة الأخيرة زادت لقاءاتي به فقد تخلت عنه عائلته فوجد نفسه وحيدا في شقته تشاركه قطة وطائر الببغاء، وفي الحقيقة وجدت له العذر لموقف عائلته منه، فالغريب في امره أو هكذا اعتقد انه يحمل في داخله فكرة راسخة بان الجميع افضل منه، فهو يفتقد للقناعة والرضا بما هو عليه، فمثلا في إحدى لقاءاتي معه نظر وقال (اسنانك بيضاء افضل من اسناني)، بعدها بيومين خلعت ضرسين، وتارة أخرى دعوته لوجبة غذاء في داري وبحضور اولادي فعلق قائلا (بينكم محبة وتفاهم بعكس ابنائي يكرهوني)، بعدها بأيام شب نزاع والخصام بين ابنائي لأسباب تافهة، وفي إحدى المرات قررت مراجعة المستشفى قسم العيون واصر ان يرافقني لذات السبب، وعند خروجنا من المستشفى علق: (ان عيونك احسن من عيوني، فانا اعاني من الماء الأبيض) في البوم التالي وجدت عيناي منتفختان وحمراء مثل الطماطة (البندورة، القوطة، طمطيشة)، واستغرق مني أيام لغرض الشفاء، وهناك الكثير من هذه الحوادث لا حاجة لذكرها.


شكل 1: قطعة خزفية تصور سبعة عيون تعلق عند مدخل البيت لإبعاد الحسد
هذا الامر اثار انتباهي هل هي مصادفة أم ماذا؟ ربما كان صديقي يملك (طاقة سلبية) وهي عكس (الطاقة الإيجابية) وكلاهما معروفتان جداً في الحديث اليومي للناس، وعادة يُستخدم هذان المصطلحان للتعبير عن الحالة النفسية والعاطفية والسلوكية للإنسان وتأثيرها على الآخرين، فالطاقة الإيجابية هي حالة من التفاؤل والهدوء والثقة والحماس تدفع الإنسان إلى العمل والتفاعل مع الاخرين، مثلا شخص يواجه مشكلة فيبحث عن حلول بدلا من الاستسلام، أو تقديم المساعدة للأخرين، اما (لطاقة السلبية) فهي حالة من التشاؤم أو القلق أو الغضب أو الإحباط تؤثر في التفكير والسلوك والعلاقات مع الاخرين، مثلا شخص يركز دائما على الفشل ويتوقع الأسوأ، والآخرين افضل منه، ويندب حظه العاثر باستمرار، ولكن من الناحية العلمية لا يوجد دليل يثبت أن شخصاً ما يمتلك (طاقة سلبية) يستطيع أن يسبب للأخرين جرحاً أو كسراً أو حادثاً بصورة مباشرة، فمن المحتمل يميل العقل البشري إلى البحث عن تفسير للأحداث فإذا كان قد سبق الحادث لقاء شخص لا نرتاح له، فقد نربط بين الأمرين رغم عدم وجود علاقة حقيقية، فلا توجد قوة خفية تسبب الحوادث والإصابات مباشرة، فليس صحيحاً أن كل الأخطاء سببها نحن، كما ليس صحيحاً أن الآخرين هم السبب دائماً، فالحكمة التي يتفق عليها كثير من الفلاسفة والمفكرين هي أن نسأل: (ما الجزء الذي أستطيع أنا التحكم فيه؟ لأن تحميل أنفسنا مسؤولية كل شيء ظلم للنفس، وتحميل الآخرين مسؤولية كل شيء يمنعنا من التعلم والتطور).


شكل 2: قلادة نسائية تحمل عين في وسط الكف، عملها ابعاد الحسد ربما صديقي يحمل الحسد دون ان يدري؟ فمن المنظور الديني الإسلامي، ذكر في القرآن الكريم: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾، فهو جزء من المعتقد الإسلامي، اما في اليهودية والمسيحية فتوجد إشارات إلى الحسد باعتباره صفة مذمومة وخطيئة أخلاقية، كما توجد في التراث الشعبي اليهودي والمسيحي معتقدات حول (العين الشريرة) (Evil Eye)، وكثيراً من الناس ينسبون كل مشكلة أو فشل أو مرض إلى الحسد، اما من الناحية العلمية فلا يوجد دليل علمي يثبت وجود الحسد، ولهذا فهناك حكمة: (ان لا نجعل الحسد تفسيراً تلقائياً لكل ما يصيبك)، أما من منظور حضارة بلاد الرافدين قديما، فمن المؤكد أن السومريون، والبابليين، والآشوريين كانوا يؤمنون بالحسد، والعين الشريرة، وأرواح الموتى المؤذية، لذلك استخدموا التعاويذ، والرقى لدرء الشرور، فعلقوا التمائم على ملابسهم، ولازالت تستعمل حاليا ويطلق عليها (الحجاب)، كما مارسوا الطقوس لطرد الشر والعين الحسودة، وهذه الأمور موثقة في نصوص مسمارية عديدة، وما زال الموروث القديم متداول الآن فنحن نعلق منحوته زرقاء تضم سبعة عيون عند مدخل البيت، أو قلادة تعلق على الصدر عليها شكل العين في وسط الكف أو تعليقها في صالون البيت، كما تقوم النساء عند الحديث بفتح كف اليد امام بعضهن البعض مع عبارة (من شر حاسدا إذا حسد) لأبعاد شر عيونهن، وبالمناسبة ان اغلب الالواح المكتشفة في مكتبة آشوربانيبال الملك الاشوري كانت تعاويذ وادعية لدفع العين الشريرة عن الملك الآشوري .
هناك طريقة إبعاد الحسد عند الكثير من الغربيين حتى غير المتدينين، فهم يحتفظون بعادات شعبية لا يعرف جذورها مرتبطة بدفع العين الشريرة مثل (الطرق على الخشب) (Knock on Wood) بعد ذكر أمر جيد خشية أن ينقلب الحظ، والأصل التاريخي لطرق أو مسك الخشب غير مؤكد تماماً، فلا نملك دليلا تاريخياً سواء نص أثري أو لوح مسماري موثق يثبت أن عادة الطرق على الخشب نشأت في أي منطقة كانت ومن ضمنها حضارة بلاد الرافدين، مع هذا فان فكرة الشجرة كائن مقدس نجدها في (شجرة الحياة) التي صورت في المنحوتات الآشورية، وفي مملكة اورارتو (Urartu) (تقع شرق تركيا)، أو كانت الآلهة تسكن الاشجار فمثلا كانت الإلهة عشتار تدخل في ساق الشجرة، وتسكن عذوق التمر، كما ان قوانين العراقية القديمة منعت قطع أشجار النخيل دون سبب، وفرضت غرامات على قاطع الاشجار، ولهذا من الصعب جدا أن أقول إن عادة الطرق على الخشب اصلها رافدينية، ربما كانت عادة شعبية لمعتقد ديني قديم كان يربط بالأشجار باعتبارها كائنات أو قوى مقدسة.
اقترح بعض الباحثين أن أصل طرق الخشب هو الاعتقاد بوجود (أرواح أو قوى مقدسة في الأشجار)، أو (بعض الالهة وانصاف الالهة او الحوريات أو بشر تحولوا الى أشجار)، ونجد هذا في الاساطير اليونانية كما ورد في كتابي (بلاد اليونان، التاريخ والالهة والاساطير، بغداد، 2026)، فقد وجدت بالفعل اساطير كثيرة عن تحول البشر أو الحوريات إلى أشجار، ومن أشهرها: اسطورة دافني (Daphne) التي تحولت إلى شجرة الغار هرباً من حب الإله أبوللو، واسطورة وباوكيس (Baucis) وفيلمون (Philemon) اللذان تحولا بعد موتهما إلى شجرتين متجاورتين هما (زيزفون والبلوط من جذع واحد)، واسطورة دريوب Dryope)) التي تحولت إلى شجرة لوتس، وذكرت أرواح مرتبطة بالأشجار، وأن موت الشجرة قد يعني موت الحورية المرتبطة بها...الخ،)، ولذلك فمن المحتمل ان الطرق أو لمس الخشب اصلها من اليونان وانتشرت بين الأوربيين فيما بعد، واصبح الاعتقاد سائدا بأن الأرواح أو القوى المقدسة تسكن الأشجار، وان فكرة الطرق على الخشب هدفها هو (إيقاظ الاله او الإلهة لدفع الحسد)، أو (استدعاء حمايتهم من داخل الخشب)، وقد يكون الطرق على الخشب عادة ثقافية متوارثة تشبه إلى حد ما بعض العبارات التي نقولها تلقائياً دون تفكير طويل مثل ذكر آيات قرآنية خاصة المعوذتان أو ادعية لطرد الحسد والعين الشريرة، أو بعض التصرفات النساء بالأيدي بوجه الاخرين .. يبقى السؤال: (هل سبق أن طرقت على الخشب بعد أن تحدثت عن نعمة أو نجاح خشية أن تصيبها عين حاسد؟) .... تحياتي للجميع ...

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

587 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع