المنعطف الأخير لهروب نظام الملالي إلى الأمام

سعاد عزيز


المنعطف الأخير لهروب نظام الملالي إلى الأمام

من بين أکثر السمات التصاقا بنظام الملالي منذ قيامه، أنه لم يواجه أزمة واحدة بروح الدولة المسؤولة، ولا اعترف بمأزق بروح النظام الذي يراجع نفسه، بل ظل على الدوام يتعامل مع الأزمات بوصفها ساحات للمراوغة، والحقائق بوصفها أشياء قابلة للتشويه، والشعوب بوصفها كتل خوف يمكن إخضاعها بالقمع والخداع. ولذلك، فإن ما يفعله هذا النظام اليوم ليس جديدا من حيث الأسلوب، لكنه بالغ الخطورة من حيث التوقيت والدلالة. إنه يهرب إلى الأمام مرة أخرى، لكن الفارق هذه المرة أن الهروب يجري على حافة الانكشاف، لا من موقع القدرة على المناورة، بل من موقع العجز عن مواجهة واقع لم يعد قابلا للتغطية أو التأجيل.

لقد اعتاد نظام الملالي، كلما ضاق عليه الخناق، أن يفتعل ضجيجا أكبر من أزمته. فإذا انفجرت الأوضاع في الداخل، سارع إلى رفع راية "المؤامرة الخارجية"، وإذا تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية، لجأ إلى لغة التهديد والتعبئة والتخويف، وإذا اهتزت صورته أمام الرأي العام، بحث عن معركة جانبية يختبئ خلف دخانها. هذا السلوك لم يكن في يوم من الأيام تعبيرا عن ذكاء سياسي أو براعة في إدارة الأزمات، بل كان دليلا واضحا على أن هذا النظام لا يمتلك حلولا، بل يمتلك وسائل للهروب من الحلول. فهو لا يعالج المأزق، وإنما يرحله. لا يواجه الفشل، وإنما يغلفه بالشعارات. لا يصالح شعبه، وإنما يحاول إرغامه على الصمت بالقوة.
غير أن المعضلة التي تقف في وجه النظام اليوم، هي أن الأزمات لم تعد منفصلة بحيث يمكن الالتفاف عليها واحدة بعد أخرى، بل تكدست فوق بعضها البعض حتى تحولت إلى مأزق شامل يطوق النظام من جميع الجهات. فهناك اقتصاد منهك، ومجتمع يرزح تحت وطأة الفقر والبطالة والغلاء، وفساد مستشر يلتهم مؤسسات الدولة، وتصدعات داخلية لم تعد خافية داخل بنية السلطة نفسها، فضلا عن غضب شعبي متراكم لم يعد يبحث عن إصلاحات تجميلية، بل عن تغيير جذري يضع حدا لعقود من القمع والإفقار والخداع. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الهروب إلى الأمام ليس خيارا سياسيا، بل رد فعل غريزيا لسلطة تعرف أن الوقوف في مكانها يعني مواجهة الحقيقة، والحقيقة بالنسبة إليها أخطر من أي شيء آخر.

والحقيقة التي يحاول نظام الملالي الهروب منها اليوم، هي أن أزمته لم تعد في خصومه، بل فيه هو؛ في بنيته، وفي طبيعته، وفي فلسفة حكمه. فالنظام الذي جعل من القمع بديلا عن الشرعية، ومن التوسع بديلا عن التنمية، ومن تصدير الأزمات بديلا عن بناء الدولة، لا يمكنه في نهاية المطاف إلا أن يصل إلى لحظة تنقلب فيها هذه الأدوات عليه. لقد أنفق هذا النظام سنوات طويلة في توسيع دوائر التوتر، وفي الاستثمار في الأزمات، وفي تحويل مقدرات البلاد إلى وقود لمشاريعه الخاصة، بينما كانت إيران من الداخل تنزف اقتصادا ومجتمعا ومستقبلا. واليوم، حين يشتد الاختناق، لا يجد أمامه سوى الأدوات نفسها التي أوصلته إلى هذه الحافة، وكأن الفشل لا يعلمه، وكأن الخراب لا يكفيه، وكأن الزمن ما زال قابلا للخداع.
إن أخطر ما يواجه النظام في هذه المرحلة، هو أنه لم يعد يواجه مجتمعا قابلا للترويض بالأساليب القديمة. فالشعب الإيراني الذي خرج في انتفاضات متلاحقة، ودفع أثمانا باهظة من دمائه وحرياته، لم يعد ينظر إلى هذا النظام بوصفه سلطة قابلة للإصلاح أو شريكا في المستقبل، بل بوصفه أصل البلاء وسبب الانسداد. وهذه النقطة بالذات هي ما يدفع النظام إلى المزيد من التوتر والعصبية والارتباك. لأنه يدرك أن الأزمة لم تعد أزمة إدارة أو حكومة أو جناح داخل السلطة، بل أزمة وجود. ويدرك أيضا أن الخوف الذي بنى عليه استمراره طوال عقود لم يعد قادرا على أداء الدور نفسه، وأن المجتمع الذي تعرف على حقيقة هذا النظام لم يعد مستعدا لتصديق أكاذيبه أو الاحتماء بأوهامه.
ولهذا، فإن كل ما يصدر عن النظام في هذه المرحلة يجب أن يقرأ من زاوية واحدة: زاوية الهلع السياسي. فعندما يرفع منسوب تهديده، لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه يشعر بأن موقعه يتآكل. وعندما يلوذ بالقمع الوحشي، لا يفعل ذلك لأنه مطمئن إلى بقائه، بل لأنه يعرف أن شرعيته قد سقطت ولم يبق له سوى العنف المجرد. وعندما يحاول خلط الأوراق وفتح جبهات التوتر والتشويش، فإنما يفعل ذلك لأنه عاجز عن تقديم أي جواب مقنع عن أسئلة الداخل الإيراني: لماذا هذا الفقر في بلد غني؟ لماذا هذا الخراب في بلد يملك كل مقومات النهوض؟ لماذا تهدر ثروات الناس وأعمارهم ومستقبل أبنائهم في خدمة سلطة لا ترى في الدولة سوى مزرعة مغلقة وفي الشعب سوى رعايا مطلوب منهم الصمت والطاعة؟

لقد كان ممكنا لهذا النظام في مراحل سابقة أن يشتري بعض الوقت بالمراوغة، وأن يستفيد من تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، وأن يوظف الانقسامات الدولية في خدمة بقائه، لكن المشكلة أن الزمن تغير، وأن أدوات الأمس لم تعد صالحة بالفاعلية نفسها. فالقمع، على شدته، لم ينجح في إخماد جذوة الرفض، والخطاب الرسمي لم يعد قادرا على إقناع حتى أولئك الذين كانوا يرددونه من باب المصلحة أو الخوف، والمناورات الخارجية لم تعد تحجب الحقيقة الكبرى التي تتسع داخل إيران نفسها: سلطة هرمت قبل أوانها، ونظام يتآكل من الداخل، وشعب لم يعد يرى أمامه سوى ضرورة الخلاص.
ومن هنا، فإن المنعطف الذي يقف عنده نظام الملالي اليوم ليس منعطفا عاديا. إنه ليس مجرد أزمة عابرة في سلسلة أزمات، بل لحظة مكثفة يتجمع فيها كل ما حاول النظام تأجيله أو إخفاءه أو القفز فوقه. فهناك نظام يريد أن يظهر بمظهر القوة فيما هو مأزوم حتى العظم، ويريد أن يفرض صورة التماسك فيما التصدعات تنهش داخله، ويريد أن يقنع العالم بأنه ثابت فيما هو يلهث خلف كل فرصة لتأجيل الانفجار. وهذه المفارقة هي التي تفضحه أكثر من أي شيء آخر: كلما حاول أن يبدو أقوى، كشف ضعفه أكثر؛ وكلما اندفع إلى الأمام، بدا كمن يهرب من ظله؛ وكلما بالغ في الصراخ والتهديد، ازداد يقين الناس بأنه لم يعد يملك لغة غير لغة الخوف.
وفي المحصلة، فإن نظام الملالي وهو يندفع اليوم في هذا المنعطف الأخير، لا يثبت أنه ما زال قادرا على الإمساك بالأوضاع، بل يثبت العكس تماما: أنه دخل مرحلة الدفاع اليائس عن بقاء يتآكل، وأنه فقد القدرة على تقديم أي مشروع سوى مشروع النجاة المؤقتة، وأنه كلما حاول تأخير ساعة الحساب، قربها بيديه أكثر. فالنظام الذي جعل من الهروب إلى الأمام عقيدته السياسية، يجد نفسه الآن أمام حقيقة قاسية: أن الطريق الذي ظل يهرب عبره طوال السنوات الماضية، لم يعد يؤدي إلى النجاة، بل إلى النهاية.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

778 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع