
نزار السامرائي
حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية
ابتداءً ومن باب تثبيت الحقائق والمواقف، أنا لست معنيا إن تمرغت هيبة الولايات المتحدة وسمعتها في البحار أو في المستنقعات أو في الأوحال، سواء ما حصل لها في الحرب الفيتنامية أو أثناء الغزو الدولي للعراق عام 2003، أو على يد الإيرانيين أو غيرهم من الأقوام، ذلك أن الدور الذي لعبته أمريكا في غزو العراق وتدميره سياسيا واقتصاديا ودمرت نسيجه الاجتماعي، بعد أن سلمته لإيران بعد أن كان دولة متكاملة الأركان مرهوبة الجانب، وتمتلك تفوقا إقليميا في المجالات كافة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وفي حقول التعليم والعلوم والخدمات العامة والبنى التحتية، وفي غضون أشهر معدودة بعد الاحتلال تحوَل العراقُ إلى كتل من الركام والخراب.
كما أنني لا أكترث كثيرا في حال التزمت الولايات المتحدة بتعهداتها بالدفاع عن أصدقائها أو حلفائها من دول الخليج العربي، أو تنصلت عن ذلك فهذا شأن أمريكي تكسب منه بقدر ما تؤكد التزاماتها التعاقدية أو السياسية المعلنة، وتخسر إن تنصلت عن أي التزام مكتوب أو مطروح على ألسنة المسؤولين الأمريكيين، ذلك بأن هناك اتجاها عاما وقويا في الساحة الدولية من أنها تستطيع إجبار أية قوة تخرج عن إرادتها أو تتمرد على الاتفاقات الموقعة بين الولايات المتحدة وأي من حلفائها أو أصدقائها، ولكن واشنطن لا تريد تفعيل التزاماتها أو جانبا منها، ليس لعجز منها بل لأنها وجدت أن مصلحتها تتحقق في ذلك.
وبقدر تعلق الأمر بالولايات المتحدة، فإنها فقدت كثيرا من مصداقيتها المفترضة في علاقاتها مع الآخرين، بل فقدت كثيرا مما كانت تلوح به من عناصر قوتها التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبالغ في حدود قدرته على استخدامها في أي ساحة من الساحات، ولو أنه بقي يلوح باستخدامها في أي ساحة يريد، لأثار الرعب والهلع في نفوس زعماء الجهة المستهدفة بالتهديد، أما في الأوساط الشعبية فيمكن افتراض أن جميع شعوب الأرض تتطلع إلى سلام يحترم حقوقها من دون أي محاولة للإذلال وفقدان الكرامة، لكننا سنجد في الكتلة المتنورة التي يمكن وصف عناصرها بالمفكرين الاستراتيجيين، من ينظر إلى التلويح باستخدام القوة على أنها محاولات للردع لا للتطبيق، لأن حدود استخدام القوة لا تحكمه القدرات المادية فقط، بل تدخل فيها عناصر متعددة لغرض تحويله من المكاتب إلى الميدان، العامل الأول المؤثر فيه هو توازن الردع الدولي المتبادل، وكذلك القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك ما تطرحه منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية المتخصصة مثل جمعيات حقوق الانسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما لا يمكن أن نغفل دور جهات الضغط الداخلي للدول التي تفكر بشن العدوان على دول أخرى، وتأثير المواقف الإنسانية على صياغة مواقف الرأي العام الدولي مما يرافق الحروب من صور الكوارث والآلام التي ترافقها، ولنا في ما حصل أثناء الحرب الفيتنامية من تحول داخل المجتمع الأمريكي نفسه من تعاطف مع كفاح الشعب الفيتنامي، بحيث اتسعت دائرة الدعوة إلى عدم التطوع في الجيش الأمريكي، ولعل حادثة تمزيق الملاكم محمد علي كلاي لوثيقة التطوع من فوق حلبة الملاكمة وأمام ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزيون أو مئات الحاضرين في صالة ماديسون سكوير، ما يعطي انطباعا عن فقدان الحرب لشرعيتها المحلية.
أما على مستوى الدول التي كانت توصف بأنها حليفة للولايات المتحدة، فقد حصلت تحولات كبرى في موقف الدول الأوربية من الحرب ولا سيما السويد التي فتحت أبوابها لكل جندي أمريكي يفر من الخدمة العسكرية في فيتنام، ومنحه حق اللجوء السياسي.
وهكذا يكون التلويح باستخدام سلاح الردع، أقوى تأثيرا من استخدام أي سلاح آخر، ولنا في التلويح بامتلاك الدول الكبرى المالكة للسلاح النووي عن تفوقها في قوة تأثير ما تمتلكه من هذا النوع من الاسلحة وقدراتها التدميرية، والإعلان بين آونة وأخرى عن نقل منصات صواريخه من منطقة إلى أخرى، ليس أكثر من رسائل إلى أعدائها أو الأطراف الأخرى، بأن الاستعدادات جارية على قدم وساق لاستخدام هذا السلاح، الذي اكتشف العالم هول تأثيراته الحربية المباشرة، والتأثيرات المأساوية على الأجيال اللاحقة والبيئة لفترات طويلة، منذ أن ألقت الولايات المتحدة بقنبلتيها النوويتين على اليابان في آواخر الحرب العالمية الثانية.
منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في حزيران 2025، ثم الحقتاهما بالصفحة الثانية من العمليات العسكرية في 28 شباط 2026، والولايات المتحدة تفقد مصداقيتها تدريجيا في المنطقة والعالم، لأنها وعلى الرغم من القوة العسكرية الهائلة، بالكم والأكثر تطورا بالنوع، فإنها أدارت المعركة بمنتهى الخفة وعدم وضوح الرؤية، وانعدام الهدف المركزي لها من جهة وعدم وجود خريطة خروج سلس من الحرب إذا حققت الحرب أهدافها، أو رأت القيادة السياسية أن من الأفضل الخروج منها لأي سبب من الأسباب.
لقد كانت سمعة أمريكا الدولية وهيبتها على مستوى العالم مثار تساؤل عن النتائج المحتملة لأية مواجهة بينها وبين أية قوة أخرى، ولكنها وعلى الرغم من انتهاء حرب عام 2025 من دون تحقيق الأهداف المعلنة لها أو جزء منها، قرر الرئيس ترمب وقف العمليات العسكرية من طرف واحد، حتى من دون أن يأخذ رأي شريكه فيها أي إسرائيل، كما أنه لم يعلن تفاصيل ما توصل إليه من نتائج عبر الاتصالات التي أجرتها الوفود الأمريكية مع إيران، إن كانت قد جرت أصلا، وهنا اتضحت أولى الدلائل عن المزاج السياسي الحاد والمتقلب للرئيس ترمب وخاصة في جانب منه، أنه يريد تحقيق أسرع الإنجازات والنتائج من أية تجربة سياسية أو مغامرة حربية أو صفقة تجارية، ولا استعداد لديه لانتظار ساعة إضافية لما توقعه مع نفسه لانتهاء الوقت المحدد الذي رسمه وحده.
ولم يقتصر إخفاق الولايات المتحدة في إدارة المعركة الحربية فقط، بل كان إخفاقها في دفاعها عن أصدقائها الإقليميين مثار تساؤل عن معنى عقد الصداقة معها، لا سيما وأن بعضهم استضاف القواعد العسكرية الأمريكية فوق أراضيه، أو ربط سياساته مع واشنطن، على المستويات الدولية والاقتصادية وخاصة في ميدان السياسة النفطية، ولكنهم عندما تعرضت أراضيهم للقصف الإيراني، على الرغم من أن تلك الدول طلبت من أمريكا عدم استخدام تلك القواعد ضد إيران، بل أن بعضها لعب دور الوسيط المحايد بين الطرفين.
ويبدو أن إيران من فرط استخفافها بدول الخليج العربي، تعمدت مهاجمة أراضيها، وأغفلت الأخطار التي يمكن أن تأتي عليها من قواعد أخرى في جمهورية أذربيجان وتركيا، صحيح أن تركيا تعرضت لأكثر من ضربة صاروخية إيرانية لكن الموقف التركي القوي أوصل رسالة لطهران بأن موقفها سيتناسب مع الافعال الإيرانية مستقبلاً وهو ما أوقف إيران عند ذلك الحد.
إيران اتخذت من وجود تلك القواعد ذريعة لشن الحرب عليها بهدف استدراجها للقيام برد فعل ما كي توسع من دائرة الحرب، لأنها تعي جيدا أن عصب الاقتصاد الخليجي يقع في متناول مسيّراتها وصواريخها القريبة المدى بل وزوارقها السريعة، وبهذا فقد وجدت دول الخليج العربي في الولايات المتحدة ولكن بعد فوات الأوان أنها حليف غير موثوق به، ولا صديق لا يمكن الاطمئنان إلى تعهداته.
لكننا يجب أن نتوقف هنا وقفة طويلة، عند أهم سؤال يجب أن نطرحه عن شكل العلاقة المطلوب بناؤها مع الولايات المتحدة، فنحن من جانب نؤكد على أن مبدأ التكافؤ في ميدان العلاقات بين الدول بصرف النظر عن صغيرها وكبيرها يشكل الركيزة لعالم خال من الظلم والعدوان، لكننا في نهاية المطاف نأتي لاحقا إلى ما نسميه بـ"الصديق الكبير"، لنطلب منه توفير الحماية لنا من التهديدات الخارجية القادمة من أطراف إقليمية أو دولية، علينا إذن أن نحدد ماذا نريد من الولايات المتحدة ومن غيرها، وما هي الحدود التي عليها التوقف عندها.
غير أن التجارب السابقة كان يجب أن تعلمنا، أن عالما تسوده شرعة الغاب، لا يمكن أن يركن طرف ضعيف على وعود غامضة من طرف أقوى، فعالم اليوم يعيش مرحلة سرعة تغير التحالفات والعداوات على نحو دراماتيكي تصعب ملاحقته ويصعب التكهن به، فليس من المنطقي أن توكل دولة ما أو مجموعة من الدول، أهم واجباتها الوطنية وهي الدفاع عن سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، إلى دولة أجنبية أو إلى كتلة دولية سياسية أو عسكرية من منطقة جغرافية بعيدة نسبيا عنها، فالقدرة الذاتية لكل دولة على انفراد تبقى هي الركيزة الأساسية لأمنها القومي، ثم إن عالم اليوم هو عالم التكتلات السياسية والاقتصادية، فما نصيب الأمة العربية وخاصة دول الخليج العربي من هذا التوجه من أجل توفير القدر المطلوب من الأمن الجماعي لها كمجموعة منسجمة؟ أو لكل على انفراد لأن الأحداث الأخيرة أكدت أن توفير الأمن الذاتي هو الطريق الوحيد القادر على أن يفرض نفسه كحقيقة ماثلة على الأرض أو مياه الخليج العربي، ويمكن أن نلمس نتائج هذا الخيار حتى لو لم يكن اللجوء إلى القوة هو الخيار الوحيد، لأننا نواجه دولة تمتلك نزعة عدوانية طالما عبرت عنها قولاً، عن طريق رفع أكثر الشعارات التوسعية استفزازا، وهو شعار "تصدير الثورة" الذي يلخص منهاجا سياسيا توسعيا على حساب أراضي الغير، ولم تكتف بطرح الشعارات بل حولته إلى قاعدة للتحرك الميداني في أكثر من ساحة عربية، فاحتلت استنادا إليه أكثر من دولة عربية، ما زالت تعاني من ويلات التدخل الإيراني.

2723 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع