
د. مناف نوري
أزمة العقد الاجتماعي ومؤسساته في العراق
يرى الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) أن الدولة والسلطة لاتستمد شرعيتها من الحق الإلهي أو القوة بل من اتفاق حر بين الأفراد الذين يقررون العيش معا في مجتمع منظم وأهم أفكار العقد الاجتماعي هي.
1.السيادة للشعب .
2.الارادة العامة أي المصلحة المشتركة للجميع وليس مصالح فئة أو حزب أو طائفة.
3.المواطنة والمساواة.
4.الحرية.
إذا طبقنا العقد الاجتماعي في العراق معناه أن الدولة العراقية قامت على أساس هناك اتفاق وطني بين جميع العراقيين يقوم على.
المواطنه فوق الطائفة والقومية
أ. احتكار الدولة للسلاح ومن يحمل السلاح خارج الدولة فهو قاطع طريق
ب. المساواة أمام القانون
ج. توزيع عادل للثروة
د. إحترام التنوع الديني والقومي
ه. الإنسان العراقي وكرامته أساس شرعية الدولة عندما ينهار هذا العقد أو يفقد المواطن ثقته بالدولة تظهر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإذا أردنا إسقاط هذه الفلسفة على واقعنا اليوم فإن الدولة العراقية لن تستقيم إلا إذا قامت على أساس "عقد وطني" يلتزم به الجميع عقدٍ تكون فيه المواطنة فوق الطائفة والقومية وتحتكر فيه الدولة السلاح ليكون كل من يحمله خارج إطارها بمثابة "قاطع طريق" وتتحقق فيه المساواة أمام القانون، التوزيع العادل للثروة واحترام التنوع ليكون الإنسان العراقي وكرامته هما أساس شرعية هذه الدولة.
الفساد في جوهره ليس مجرد سرقة للمال العام بل هو "نقض للعقد" الذي يربط المواطن بالدولة و يتجلى هذا الانهيار بأوضح صوره في تمدد "منظومة الفساد" التي مزقت الإرادة العامة وحولتها إلى مغانم فئوية وحزبية وكان اهم اسبابها تغول الأحزاب واختطاف الهيئات المستقلة التي أُطلق عليها في الدستور صفة (المستقلة).
المفارقة في التجربة العراقية هي أن هذه الهيئات التي أُسست لتكون خط الدفاع الأول عن المال العام وبناء الحوكمة خضعت لنفس المنطق الذي حكم إدارة الدولة, منطق المحاصصة الحزبية والطائفية وتحولت من دور الحارس الى مشارك في اللعبة
المادة (102) والمادة (103) من الدستور العراقي نصت على تأسيس هيئات مستقلة (مثل هيئة النزاهة، المفوضية العليا للانتخابات، البنك المركزي، شبكة الإعلام العراقي، وغيرها) لكن "الاستقلال" بقي حبراً على ورق لأسباب هيكلية أهمها .
1. ألية التعيين والدرجات الخاصة (المحاصصة المقنعة)
من الناحية العملية يتم تقاسم رئاسة هذه الهيئات والمناصب القيادية فيها (المدراء العامون والدرجات الخاصة) بين الأحزاب السياسية الكبرى كجزء من "كعكة" تشكيل الحكومات عندما يتم تعيين رئيس هيئة رقابية بترشيح من حزب سياسي معين يصبح من شبه المستحيل عليه ممارسة دور رقابي حقيقي على الوزارات أو الشخصيات التابعة لنفس حزبه أو الأحزاب الحليفة له هذا يحول الهيئة من أداة لمكافحة الفساد إلى أداة لـ "التوازنات السياسية" أو تصفية الحسابات
2. التبعية الإدارية والمالية (فك الارتباط المعطل)
رغم وصفها بالمستقلة فإن الدستور جعل بعضها يخضع لرقابة مجلس النواب والبعض الآخر يرتبط بمجلس الوزراء هذا التداخل جعل قرارها السياسي والمالي مرهوناً بالجهة التي تمولها أو التي تملك سلطة إقالة رئيسها المحاولات المستمرة لتعديل القوانين كانت غالباً تهدف إلى زيادة إحكام قبضة السلطة التنفيذية أو التشريعية (التي تسيطر عليها الأحزاب) على قرار هذه الهيئات.
3. ثقافة "إفراغ المؤسسات" وتحجيم الكفاءات
الاعتماد على نظام "الوكالة" لإدارة الهيئات المستقلة لسنوات طويلة كان أداة سياسية بامتياز فالرئيس "بالوكالة" يسهل الضغط عليه وإقالته في أي لحظة إذا خرج عن الخط المرسوم له مما يمنعه من بناء استراتيجية مؤسسية طويلة الأمد لمكافحة الفساد ويجعل الكفاءات المهنية المستقلة داخل هذه الهيئات مهمشة ومستبعدة من مراكز القرار.
مكافحة الفساد في العراق لا يمكن أن تنجح عبر الشعارات أو الخطابات الرنانة بل تبدأ من نقطة جوهرية وهي إبعاد الهيئات المستقلة عن نفوذ الأحزاب والكتل السياسية لقد أُسست الهيئات المستقلة (مثل هيئة النزاهة، ديوان الرقابة المالية، والقضاء) لتكون حارسة هذا العقد الاجتماعي ومراقبة لأداء السلطة التنفيذية لكن المحاصصة الحزبية نجحت في "تسييس" هذه الهيئات وتحويلها في كثير من الأحيان إلى أدوات للصراع السياسي أو غطاء لحماية الفاسدين عندما يخضع المسؤول عن مكافحة الفساد للحزب الذي عينه تسقط استقلالية المؤسسة ويتحول الفساد من سلوك فردي انحرافي إلى "منظومة محمية" بقوة السلاح والنفوذ.
خارطة طريق لـ "تحرير" الهيئات المستقلة في العراق
إذا أردنا الانتقال من فكرة "استرداد الأموال كمسكّن" إلى "الإصلاح المؤسسي كمصدّ"، فإن إصلاح الهيئات المستقلة هو نقطة البداية الحتمية عبر خطوات عملية.
1. تغيير آلية الاختيار (إبعاد الأحزاب) يجب تشكيل "لجنة اختيار وطنية مستقلة" تضم قضاة من محكمة التمييز، خبراء دوليين، وأكاديميين مشهود لهم بالنزاهة لتلقي طلبات الترشيح للمناصب القيادية في الهيئات المستقلة بناءً على السيرة الذاتية والكفاءة، وليس التزكية الحزبية.
2. تشريع قانون "حظر الحزبية" في الهيئات الرقابية يُلزم أي مرشح لرئاسة أو إدارة هيئة مستقلة بتقديم استقالته من أي تنظيم حزبي قبل فترة لا تقل عن 5 سنوات من توليه المنصب مع فرض عقوبات صارمة في حال ثبت تلقيه توجيهات من جهات سياسية.
3. الحصانة القانونية والتمويل الذاتي منح رؤساء الهيئات المستقلة (مثل رئيس هيئة النزاهة أو ديوان الرقابة المالية) حصانة قانونية تشابه حصانة القضاة بحيث لا يمكن إقالتهم بقرار سياسي مفاجئ أو ضغط حكومي وتأمين تمويلهم المالي مباشرة من الموازنة العامة بنسبة ثابتة تضمن عدم استخدام "قطع التمويل" كأداة ابتزاز.
4. تفعيل الشفافية الرقمية المطلقة تحويل عمل هذه الهيئات إلى الفضاء الرقمي لمنع التدخل البشري والوساطات على سبيل المثال إخضاع كشوفات الذمة المالية للمسؤولين (أين تذهب أموالهم؟) للنشر العلني والتدقيق الإلكتروني المتقاطع مع حركة الأموال في البنك المركزي والمصارف وملاحقة الأموال المهربة للخارج بالتنسيق مع الجهات الدولية. .
5. بناء أدوات رقابة مجتمعية مثل منظمات مجتمع مدني رقابية و إعلام مهني واستقصائي مع قوانين تضمن الشفافية والوصول إلى المعلومات..
الأهم هو سيادة القانون واحتكار السلاح لا يمكن محاربة فاسد يمتلك جناحاً مسلحاً أو غطاءً ميليشياوياً إن تطبيق العقد الاجتماعي يفرض على الدولة بسط هيبتها، احتكار السلاح ومحاسبة الجميع دون استثناء تحت مظلة قانون عادل وقضاء مستقل في المشهد العراقي استرداد بضعة مليارات من "سرقة القرن" أو غيرها من قضايا الفساد لن يغير واقع الحال شيئاً بل ستسرق مرة أخرى داخل هذه المنظومة الفاشلة طالما أن الهيئات التي يفترض بها حراسة المال العام يتم اختيار مدرائها في الغرف السياسية المغلقة الثقة بين المواطن العراقي والدولة لن تعود إلا عندما يرى "هيئة النزاهة" أو "القضاء" يتحرك برأس مرفوع وبصلاحيات مطلقة لمحاسبة الفاسد بغض النظر عن الحزب الذي يحميه أو الفصيل الذي يمثله.
الخاتمة
بناء مؤسسات قادرة على منع إعادة إنتاج الفساد والانقسام واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين هي غايتنا أن محاربة الفساد في العراق ليست مجرد إجراء إداري بل هي معركة وجودية لاستعادة الدولة من خاطفيها عندما يشعر المواطن العراقي القانون يُطبق على الجميع وأن ثروات البلاد تُوزع بعدالة وكرامته مصونة عندها فقط سينبعث "العقد الاجتماعي" من جديد وتتحول الدولة من ساحة للصراعات والمغانم إلى وطن جامع يحميه الجميع ويثقون به.
عاش العراق وطناً حراً آمناً لجميع أبنائه والمجد لشعبه الذي يتطلع إلى دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون
8 تموز 26

2723 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع