بين مطرقة الفساد وسندان الإصلاح: هل بدأت مرحلة "كسر الخطوط الحمراء" في العراق؟

قاسم محمد داود

بين مطرقة الفساد وسندان الإصلاح: هل بدأت مرحلة "كسر الخطوط الحمراء" في العراق؟

لم يعد الفساد في العراق مجرد ممارسات إدارية عابرة أو ثغرات مؤسسية، بل تحول عبر عقدين من الزمن إلى "منظومة موازية" تغولت على مفاصل الدولة وأنهكت اقتصادها. ولعل المشهد الراهن في صيف عام 2026 يمثل نقطة تحول مفصلية، إذ لم تكتفِ الحملة الحكومية الحالية بالشعارات، بل توغلت في قلب مراكز القوى؛ فقد شهدت الأسابيع الأخيرة اعتقالات نوعية طالت شخصيات سياسية رفيعة، وأعضاء في مجلس النواب، ووكلاء وزارات، بتهمٍ صريحة تتجاوز نطاق الشبهات لتصل إلى ملفات سرقة موثقة للمال العام. إن الكشف عن ملايين الدولارات المكدسة، وضبط عقارات وسبائك ذهبية بحوزة مسؤولين متنفذين، يطرح تساؤلات وجودية: هل نحن أمام "موسمية" سياسية أم بداية حقيقية لتفكيك شبكات الفساد؟ وهل ستنجح الدولة في كسر حاجز الإفلات من العقاب، أم أن هذه الإجراءات ستصطدم بتوازنات المحاصصة التي أرست قواعد هذا الفساد لسنوات طويلة؟
هيكلية الفساد.. حين يصبح "النظام" هو الغطاء
لا يمكن فهم استشراء الفساد في العراق بمعزل عن طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة، الذي منح الكتل السياسية "حصانة مبطنة" داخل مؤسسات الدولة. فقد تحولت الوزارات والمؤسسات الرقابية، على مدار سنوات، إلى "حصص" موزعة وفق تفاهمات حزبية، مما خلق بيئة أمنية وإدارية تسمح للمسؤول بأن يتصرف في المال العام كأنه ملكية خاصة، مستنداً إلى مظلة حزبه التي تحميه من المساءلة. إن استسهال المسؤول العراقي لسرقة المال العام لم يأتِ من فراغ، بل من قناعة رسختها تجارب الإفلات من العقاب، حيث أصبح الفساد "قاعدة عمل" لا شذوذاً عن القاعدة، مما جعل التورط فيه وسيلة للبقاء في دائرة النفوذ أو لتمويل الماكينات الحزبية، ليغدو الفساد بذلك ليس مجرد سرقة فردية، بل "منظومة متكاملة" تتقاطع فيها المصالح الشخصية مع الولاءات السياسية.
سيكولوجية "الاغتصاب المالي".. عندما يتحول المال العام إلى غنيمة
ولم يتوقف الأمر عند حدود الغطاء السياسي، بل امتد ليشمل تآكلاً حاداً في الوازع المؤسسي تجاه المال العام؛ إذ استسهل المسؤول العراقي التجاوز على خزينة الدولة نتيجة غياب "قدسية" هذه الأموال في الوعي السياسي السائد. فمنذ عام 2003، رسخت لدى النخب الحاكمة عقلية "المغنم"، حيث تُعامل الميزانية العامة وكأنها ملكية مشاع لا أصحاب لها، مما أفرغ الجريمة من محتواها الأخلاقي وجعل من اختلاس الملايين "ذكاءً إدارياً" أو حقاً مكتسباً. هذا الاستسهال تغذيه بيئة "الفساد بالعدوى"، حيث يرى المسؤول أن أقرانه يراكمون الثروات دون أدنى مساءلة، مما يولد ضغطاً نفسياً على النزيه ليتحول إلى "فاسد" لكي لا يظل خارج حلقة النفوذ والمكانة الاجتماعية. وهكذا، تحولت سرقة المال العام من جريمة موصومة اجتماعياً إلى ممارسة يومية روتينية، يمارسها المسؤول ببرود أعصاب، واثقاً من أن "المال المنهوب" هو الضمانة الوحيدة لمستقبله في بلد تتغير فيه موازين القوى بين ليلة وضحاها.
نزيف الدولة.. حينما يسرق الفساد مستقبل الأجيال
إن هذه السرقات المليونية ليست مجرد أرقام في ملفات التحقيق أو خسائر دفترية في ميزانية الدولة، بل هي "سرقة موصوفة" لفرص العيش الكريم لملايين العراقيين. فكل دولار يُختلس من خزينة الدولة يترجم واقعياً إلى مستشفيات متهالكة تفتقر لأبسط الأدوية، ومدارس تفتقر للمقاعد الدراسية، وبنية تحتية منهارة تعجز عن مواجهة أبسط التحديات الخدمية. لقد أدى استنزاف المال العام إلى خنق المشاريع التنموية الكبرى، وحوّل الاقتصاد العراقي إلى بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي، حيث يغدو الفساد الضريبة الخفية التي يدفعها المستثمر والمواطن على حد سواء. ونتيجة لذلك، اتسعت الفجوة الطبقية بشكل مرعب، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر المدقع، مما خلق شعوراً عاماً بالمرارة واليأس بين الأجيال الشابة التي باتت تنظر إلى مؤسسات الدولة كخصم يعيق طموحها، بدلاً من كونها راعية لحقوقها. بهذا، تحول الفساد إلى القوة التدميرية الأولى التي تهدد السلم المجتمعي وتضع الدولة برمتها في مهب الريح.
صدمة "كسر الخطوط الحمراء".. هل هي بداية الإصلاح أم مجرد استعراض؟
في ظل هذا المشهد المأساوي، جاءت التحركات القضائية والحكومية الأخيرة لتحدث شرخاً في جدار "الحصانة المطلقة" الذي طالما حما المتورطين. إن الكشف عن قضايا بحجم "سرقة القرن" وما تلاها من ضبط مبالغ طائلة بحوزة مسؤولين رفيعي المستوى، مثل وكلاء الوزارات وقيادات مؤسساتية، يمثل رسالة سياسية بأن "زمن الخطوط الحمراء" قد بدأ يهتز أمام ضغط الواقع الاقتصادي المأزوم. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل هذه المحاسبة هي جزء من استراتيجية مستدامة لتفكيك "دولة الفساد"، أم أنها مجرد عمليات انتقائية في إطار تصفية الحسابات السياسية؟ إن التحدي الحقيقي أمام السلطات ليس في عدد المعتقلين أو المبالغ المستردة فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذه الحملات إلى نهج قضائي لا يعرف الاستثناءات، لضمان ألا تظل هذه المحاسبة "موسمية" تنتهي بانتهاء حاجة النظام لتهدئة الشارع، بينما تستمر المنظومة الهيكلية للفساد في إعادة إنتاج نفسها خلف الكواليس.
خارطة الخروج.. بين "صرامة القضاء" و"ضرورة الأتمتة"
إن معركة العراق ضد الفساد لا يمكن أن تُحسم بمجرد حملات أمنية، مهما بلغت حدتها أو شملت من الأسماء. إنها تتطلب "عقداً اجتماعياً" جديداً يرتكز على ركنين لا غنى عنهما: الأول هو إرادة سياسية فولاذية تدعم استقلالية القضاء وتكسر نهائياً ثقافة الإفلات من العقاب، والثاني هو التحول الرقمي الشامل الذي يسحب البساط من تحت أقدام المفسدين عبر رقمنة الاقتصاد وتقليل الاحتكاك البشري. إن مستقبل الدولة العراقية مرهون بقدرتها على التحول من "دولة الغنيمة" إلى "دولة المؤسسات" التي تضع القانون فوق الجميع. فإذا نجحت السلطة الحالية في تحويل هذه المحاسبة من إجراء طارئ إلى نهج مؤسساتي دائم، فقد يضع العراق قدمه أخيراً على طريق التعافي. أما إذا بقيت الحلول مجزأة، فسيظل الفساد شبحاً يتربص بكل خطوة نحو التقدم، ولن يجد الشعب العراقي سبيلاً لاستعادة ثقته بدولته إلا برؤية عدالةٍ ناجزة تعيد للمال العام حرمته، وتضع حداً لهذا النزيف الذي طال أمده.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

865 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع