
بسام شكري
عالم ترامب فوضى وأكاذيب وحروب عبثية
يعكس المشهد السياسي العالمي الراهن حالة من الفوضى والعبثية التي يقودها منطق الصفقات التجارية على حساب المبادئ الدبلوماسية والاستقرار الدولي، ولعل خير تعبير عن هذا الواقع ما صرحت به المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في مقابلة صحفية الشهر الماضي حين وصفت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه تاجر عقارات يفكر بعقلية الصفقات البحتة، حيث لا مكان في قاموسه للخسارة السياسية بمعناها التقليدي، بل يكمن هدفه في جني المكاسب من أطراف أي تسوية بغض النظر عن النتائج. ويتجلى هذا السلوك النفعي في التناقض الصارخ بين المأساة الميدانية والمواقف السياسية، ففي الوقت الذي تتعرض فيه مملكة البحرين لقصف إيراني بصواريخ انشطارية عنقودية محرمة دولياً، ولم يصدر لغاية الآن تصريح أمريكي رسمي يستنكر استعمال تلك الأسلحة المحرمة دوليا، واذا كانت حجة ايران ضرب القواعد الأمريكية في البحرين بضربات دقيقة تستهدف القواعد ولا تستهدف أهل البحرين, فان الصاروخ الانشطاري العنقودي سيؤدي الى خسائر بالمدنيين وليس بالصواعد الأمريكية, وفي هذا المشهد المأساوي يظهر ترامب على شاشات التلفزيون مستقبلاً بحفاوة بالغة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الذي نصبته إيران " عن طريق الحاكم بإمر المرشد الإيراني نوري المالكي"، ويبدي فخره بنجاح علي الزيدي في "الانتخابات". والمفارقة هنا تكمن في أن الزيدي لا يملك خلفية سياسية حقيقية ولم يشارك في سباق انتخابي ديمقراطي، بل صعد إلى الواجهة كواجهة لغسيل أموال المافيات الحاكمة وتهريبها إلى إيران، بعد أن جنى ثروات طائلة من احتكار السلة الغذائية (البطاقة التموينية) منذ صيف عام 2021 بأسعار مبالغ فيها حيث باعها للدولة بعشرين ضعف عن كلفتها الحقيقية وهذا ما جعل خزينة الدولة العراقية مدينة له لغاية اليوم، ومثل هذا الجهل أو التغافل المتعمد من رئيس دولة عظمى يمثل استغفالا واضحاً للمجتمع الدولي بشكل عام وللشعب العراقي المحتل بشكل خاص وتكريساً لشرعية قوى الفساد.
هذه الفوضى الممنهجة تمتد لتشمل الممرات المائية الحيوية، إذ أفرزت المواجهات الإقليمية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز ومطالبة السفن التجارية بفرض رسوم عبور غير قانونية، متجاهلة حقيقة أن المضيق ممر مائي دولي لم تقم بحفره كما فعلت مصر في قناة السويس، فضلاً عن أن الضفة الشرقية للخليج هي أراضٍ عربية محتلة تمددت فيها إيران نتيجة تقاعس دول الخليج عن تحريرها أو استعادة إمارة الأحواز، مما مكن طهران من بسط سيطرتها من خليج البصرة إلى حدود باكستان. وفي محاولة لاحتواء هذا التصعيد، وقّع ترامب مذكرة تفاهم مع إيران لم تدم سوى عشرين يوماً حفلت بالتناقضات، قبل أن تُقبر سريعاً إثر قيام إيران بقصف سفن تجارية تابعة للإمارات وقطر والسعودية، واستهدافها لسلطنة عمان والبحرين والكويت والأردن، لتعود الحرب إلى مربعها الأول, وبدلاً من إيجاد حلول حقيقية، لجأ ترامب إلى أسلوب الابتزاز و"الخاوة" بفرض ضريبة بنسبة 20% على حمولات السفن، ولما قوبل هذا الطرح برفض خليجي ودولي واسع، تراجع ليعرض كأي سمسار تحويل إدارة العبور إلى شركات استثمارية للتحايل على الرفض الخليجي، وهو ما يهدد بتدمير اقتصادات المنطقة وشل حركة التجارة والطاقة والسياحة عالمياً, إن إضافة 20% على قيمة أي باخرة تمر من مضيق هرمز يعني فعليا ارتفاع كل السلع في العالم 20% وحصول تضخم مالي وانهيار اقتصاديات دول عديدة.
أمام هذا العجز الواضح، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة إذا كانت تلك القواعد عاجزة عن حماية حلفائها أو حماية نفسها، بل وتتحول إلى ذريعة تستغلها إيران لقصف دول الخليج والأردن وإيقاع خسائر بشرية ومادية, فالأجدى هنا هو إفراغ المنطقة من هذه القواعد والاعتماد على القدرات الدفاعية الذاتية التي أثبتت كفاءة عالية في التصدي للمسيرات والصواريخ، مع الانفتاح على قوى دولية أخرى كالاتحاد الأوروبي وبريطانيا والصين لتنويع الشراكات, ولإنهاء التهديد الإيراني الذي يهدد اليوم بإغلاق مضيق باب المندب والتسبب في أزمات اقتصادية واجتماعية قد تؤدي إلى قلاقل سياسية في دول محورية مثل مصر، يصبح من الضروري التوقف عن الاستعانة بالأجنبي والتحرك نحو تأسيس جيش عربي موحد يمتلك تكنولوجيا متقدمة ويعتمد على العمق البشري والاستراتيجي الهائل للعراق واليمن بعد تحريرهما من نفوذ الاحتلال الإيراني.
إن العالم اليوم تحت وطأة عقلية "الكاوبوي" التي يمثلها ترامب يسير نحو أزمات تضاهي في كوارثها جائحة كورونا التي ولدت من رحم أبحاث بيولوجية ممولة أمريكياً في الصين، وقام ترامب التراشق بالاتهامات مع الصين ولم يعترف أي منهما انهما السبب بتلك الكارثة نتيجة تسرب بكتريا من المختبر الصيني , حيث لم تسلم حتى الرياضة الشعبية الأولى من تدخلاته السافرة، والتي تجسدت في فضيحة إلغاء بطاقة حمراء للاعب أمريكي بضغط سياسي وتوجيه الفيفا لمنح كأس العالم لبريطانيا أو الأرجنتين نكاية بأوروبا، لمنع منتخبات عربية كالمغرب أو مصر من الفوز تجنباً لأي اضطرابات قد يثيرها الغوغاء في العواصم الأوروبية, وفي ظل هذه الهيمنة الأمريكية العبثية والحروب القائمة على الذرائع الكاذبة، يبقى السؤال المطروح على الساحة العربية: إلى متى سنظل أسرى لعقلية الشقاق والتناحر الداخلي؟ إن الأمل معقود اليوم على جيل الشباب العربي لتجاوز هذه العقلية البالية، والبدء بخطوات عملية وجريئة تتمثل في تفعيل الوحدة النقدية لدول مجلس التعاون الخليجي لتأسيس أقوى عملة في العالم تحمي اقتصاداتها من التلاعب الخارجي، والعمل على إلغاء جامعة الدول العربية التي أثبتت عجزها التاريخي وخضوعها لسياسات الهيمنة التقليدية منذ تأسيسها، والاستعاضة عنها بتكتل إقليمي حديث متطور يحاكي تجربة الاتحاد الأوروبي في مواجهة القوى الاستعمارية, ولتحقيق هذه الرؤية، يجب على الشباب العربي استغلال التطور الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي لخلق فضاءات حوارية مستقلة عبر الإنترنت، تناقش واقعنا المزري بموضوعية وتطرح حلولاً عملية وعقلانية تكون بمثابة دليل عمل صريح ومباشر لإصلاح مسار الأنظمة والدول، دون مواربة أو مجاملة على حساب الحقيقة.
إن هذه الفوضى العابرة ليست نهاية المطاف، بل هي المخاض العسير الذي يسبق ولادة وعي عربي جديد تقوده عقول شابة لا تعرف المستحيل، وبامتلاكنا أدوات العصر الحديث من فكر حر وتكنولوجيا متطورة، نملك اليوم القدرة الكاملة على رسم مسارنا بأيدينا وصياغة مستقبلنا بكرامة وسيادة تامة, ونحن بحاجة الى روح التفاهم مع دول العالم الأخرى لا روح العداء الغبية التي تحشر الدين والعنصرية والمصالح الشخصية الضيقة في أي تعامل مع دول العالم المختلفة وخصوصا أوروبا والصين ودول قوية في العالم مثل إندونيسيا والبرازيل تلك الدول جميعا تقف اليوم بالند من سياسات بوتين وترامب التوسعيتين.
فالتاريخ لا يكتبه السماسرة والوسطاء يوماً، بل تصنعه إرادة الشعوب الحية التي تؤمن بأن فجر الخلاص والنهوض والريادة يبدأ دائماً من أعماقنا.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1029 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع