
د.مناف نوري
ممرات اقتصادية تعيد الهلال الخصيب
من سايكس-بيكو إلى الممرات الاقتصادية هل يُعاد تشكيل المشرق؟
قبل أكثر من قرن رسمت اتفاقية (سايكس-بيكو) حدود المشرق العربي بالقلم والمسطرة وفق موازين القوى الاستعمارية آنذاك واليوم يبدو أن المنطقة لا تقف أمام إعادة رسم للحدود السياسية بقدر ما تقف أمام إعادة صياغة كاملة للجغرافيا الاقتصادية والسياسية.
الجغرافيا الثابتة تعود لتفرض كلمتها لكن هذه المرة عبر لغة الأنابيب، السكك الحديدية وممرات الطاقة
أولاً: البقعة الأهم على خريطة الكوكب
لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية الفائقة لهذا الإقليم يقع (الهلال الخصيب) في قلب العالم مشكّلاً الجسر البري والبحري الوحيد الذي يربط القارات الثلاث (آسيا، إفريقيا، وأوروبا) هذه البقعة ليست مجرد أراضٍ شاسعة بل هي "مفتاح التحكم" بالشرق الأوسط، والمعبر الإلزامي للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
ثانياً: الصراع الدولي.. "حائط الصد" ضد تمدد التنين الصيني.
تتحرك القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، برؤية واضحة تهدف إلى إحكام السيطرة على الموانئ الحيوية والمنافذ البرية والبحرية في المشرق العربي لضمان أمن الطاقة وحرية الملاحة الدولية.
من جهة أخرى يمثل هذا التحرك الغربي (حائط صد استراتيجي) أمام التمدد المتسارع للتنين الصيني. فالصين تمتلك استثمارات ضخمة وشبكة نفوذ ناعم متنامية في المنطقة عبر مشروع "الحزام والطريق" ترى في المشرق حلقة الوصل الذهبية للوصول إلى أوروبا لذا تسريع الممرات الاقتصادية المدعومة غربياً يهدف أساساً إلى محاصرة هذا التمدد وحرمان بكين من التفرد بالمنطقة لوجستياً..
ثالثاً: ثروات الهلال الخصيب.. معركة "عكاز" والغاز المكتوم ؟
المنطقة لا تملك الموقع فحسب بل تنام على بحار من الثروات الطبيعية غير المستغلة بالكامل بعد وهنا يبرز حقل عكاز الغازي (غرب العراق) كأحد أكبر وأخطر ملفات الطاقة في المنطقة.
حقل عكاز هو ليس مجرد حقل غاز محلي بل هو احتياطي استراتيجي هائل يمتلك القدرة على تغيير معادلة الغاز في الشرق الأوسط وأوروبا.
الأرقام والمؤشرات تؤكد أن إمكانات هذا الحقل تفوق في أهميتها الجيوسياسية قدرات دول غازية كبرى مثل قطر وهو ما يفسر الحساسية الإقليمية المفرطة تجاه هذا الحقل والدور السلبي الذي لعبته بعض الأطراف الإقليمية – ومنها قطر – لعرقلة تطويره بهدف حماية حصصها السوقية ومنع العراق من التحول إلى لاعب غاز عالمي منافس (هو ملف شائك سنناقشه مفصلاً قريبا للتصدي له وكشف رؤوس الفتنة)
رابعاً: ملامح الخريطة الاقتصادية الجديدة.
إذا ما تجاوزت المنطقة عقباتها الأمنية فإن المؤشرات المتداولة ترسم ملامح واضحة للمستقبل.
شريان كركوك–بانياس: إمكانية إحياء خط أنابيب النفط الشهير لربط النفط العراقي بالبحر المتوسط في حال استقرت الأوضاع في سوريا
طريق التنمية البري: مشاريع السكك الحديدية والطرق السريعة ونقل الطاقة التي تربط الخليج بالعراق ,سوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا.
العراق كعقدة لوجستية: تحول العراق تدريجياً من ساحة تصفية حسابات وصراعات مسلحة إلى "القلب النابض" للربط بين آسيا وأوروبا.
إذا تحققت هذه المشاريع فإن قيمة الحدود السياسية التقليدية ستتراجع أمام تدفقات التجارة هنا نفهم سر حديث بعض المسؤولين الأمريكيين ومنهم المبعوث الخاص توم باراك عن مرحلة تقوم على التكامل والاستقرار الإقليمي القائم على المصالح المشتركة بدلاً من الصراعات الأيديولوجية.
خامساً: الفرق بين الحقيقة والوهم؟
رغم جاذبية هذا المشهد الجيواقتصادي إلا أن فكرة الهلال الخصيب الاقتصادي تظل رهينة شروط صارمة لا يمكن القفز فوقها ألا بتحقيق هذه الشروط.
1. الاستقرار البنيوي. إنهاء حالة الفوضى السياسية والأمنية في العراق وسوريا
2. سيادة الدولة. حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة لإنهاء تهديد الفصائل والجماعات المسلحة للمشاريع الاستراتيجية.
3. البيئة الاستثمارية. إصلاح القوانين وتوفير حماية حقيقية للشركات متعددة الجنسيات و لرؤوس الأموال العالمية
4. التوافق الكوني: الوصول إلى صيغة توازن تضمن مصالح الأقطاب الدولية والإقليمية المتصارعة فوق هذه الأرض
الخلاصة: هل نرى قريباً ممرات الطاقة والقطارات السريعة تمحو آثار الخطوط القديمة التي رسمها مارك سايكس البريطاني والفرنسي جورج بيكو عام 1916؟
الجغرافيا تخبرنا أن ذلك ممكن.. والسياسة تؤكد أن الثمن سيكون باهظاً جداً.
16تموز

952 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع