
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

مَن سيحرز كأس مونديال 2026 بكرة القدم
كرة القدم مرآة للحياة الواقعية؛ لا تعرف الأسماء أو الألقاب، بل تعرف الكفاح الدؤوب والمثابرة الإيجابية. وتكون ثمرتها عين تضحك وعين تبكي؛ كما يقول المَثَلْ الشعبي.
وساحة كرة القدم هي ساحة واقعية للتنافس الشريف، وهي ساحة معركة تتطلب السعي والكفاح والمثابرة الدؤوبة وتجنب الأخطاء.
بعد رحلة ساخنة في مونديال كرة القدم 2026 تجاوزت الشهر، توشك هذه البطولة أن تُختَتم في 19 يوليو/تموز ليكون البطل المُتوَج هو أحد الفرقين: إسبانيا أو الأرجنتين.
لقد كان عطاء الفرق العربية متفاوتا على نحوٍ كبير في المونديال، وقد أنهى المنتخب العراقي مبارياته الثلاث، بعد غياب أربعين عاماً، وخرج بخفّي حنين وبجعبته 12 هدف دخل مرماه مقابل هدف يتيم أحرزه في مرمى النرويج.
وكانت السمة الواضحة لأداء الفريق العراقي: الأخطاء الفردية القاتلة لحارس المرمى ولبعض المدافعين، مما أحبط معنويات اللاعبين وأصاب الجمهور العراقي بخيبة أمل شديدة.
الجانب المُشرق في مشاركتنا هذه في المونديال هو التفاعل الكبير للجمهور العراقي مع هذه المباريات في داخل العراق وخارجه. وقد سافر آلاف العراقيين المتواجدين في أمريكا وكندا وأوربا، وتوجهوا صوب الملاعب لتشجيع فريقهم الأم، وساروا في الشوارع بما يشبه المظاهرات رافعين علم العراق مرددين الأغاني الشعبية، في منظر غير مألوف في قارة أمريكا.
من مفاجئات كأس العالم 2026 غياب منتخب إيطاليا عن المشاركة بسبب عدم تمكن الطليان من التأهل في الأدوار التمهيدية لأول مرة في تاريخه، علما أن المنتخب الإيطالي يُعدّ من أعرق المنتخبات في تاريخ كرة القدم؛ حيث حصد لقب كأس العالم أربع مرات (1934، 1938، 1982، 2006)، بالإضافة إلى الفوز ببطولة أمم أوروبا (يورو) مرتين.
والبرازيل بلد كبير يبلغ عدد سكانه 214 مليون نسمة، وهو الاسم الأشهر في عالم كرة القدم، حيث يتضمن أرشيفه أشهر نجوم كرة القدم في تاريخ الكرة؛ بدءا بالعصفور الصغير الأعرج غارينشيا، ثم بيليه، رونالدو، رونالدينيو، ونيمار.
والنرويج بلد أوربي صغير يبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة، وتاريخه متواضع في كرة القدم. أي أن نسبة عدد سكان النرويج أقل من 3% من سكان البرازيل.
ومع هذا فقد فعلها فريق النرويج عندما قدموا عرضا متوازنا أمام فريق السامبا، ليقصوهم ويخرجوهم من مونديال 2026 وليؤدوا رقصتهم التاريخية المشهورة (رقصة الفايكنج) بقيادة نجمهم العملاق إيرلينغ هالاند، حيث يقوم اللاعبون بالجلوس في صفوف متوازية على أرض الملعب، محاكين حركة التجديف في قوارب الفايكنج القديمة على إيقاع الطبول، مما يعكس روح الترابط التاريخي بين الفريق ومشجعيه.
والفايكنج هم المحاربون والمستكشفون والتجار النورسيون الذين انطلقوا من الدول الإسكندنافية بين عامي 800 و 1050م، وأبحروا بسفنهم الشهيرة لغزو واستكشاف مناطق واسعة، تاركين إرثاً تاريخياً وثقافياً غنياً لا يزال محفوراً في الهوية النرويجية والطبيعة.
كما كانت الأنظار متجهة نحو نجم البرتغال كريستيانو رونالدو، والذي يُعد أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم، ونال خلال مسيرته على العديد من الجوائز الفردية من أبرزها: خمسة كرات ذهبية، وثلاث جوائز لأفضل لاعب في أوروبا (رقم قياسي)، وأربعة أحذية ذهبية أوروبية، كما اُختير أفضل لاعب في العالم خمس مرات من قبل الفيفا.
وفي لقاء إسبانيا والبرتغال سجّل الإسبان هدفا قاتلا في الدقائق الأخيرة لينهوا آمال جيرانهم البرتغال ويُخرجوهم من البطولة، فانهالت الدموع من عيني رونالدو لأن تلك المباراة كانت الوداعية له، لتُنهي رحلته في كأس العالم ومسيرته المونديالية بعد ستة مشاركات تاريخية، دون أن ينجح في تحقيق اللقب الوحيد الذي استعصى عليه.

وكان يوم الثلاثاء 2026/7/7 يوما ساخننا في البطولة حيث التقت مصر بالأرجنتين، وقد أدى المصريون مباراة قوية واستطاعوا أن يُحرزوا هدفين، وبقوا متفوقين هكذا حتى الدقائق الأخيرة. ثم جاءت اللمسات الخبيثة للحكم الفرنسي والتي قلبت الموازين رأسا على عقب لتصبح النتيجة 3-2 لصالح الأرجنتين وخروج مصر من البطولة.
وعلى الرغم من استخدام أحدث الأدوات العلمية في تحكيم المباريات، فقد كشفت هذه البطولة العديد من الأخطاء التحكيمية والانحياز والتحيّز لبعض الفرق. وكانت هذه الصورة القاتمة واضحة في مباراة مصر ضد الأرجنتين.
لقد تحولت مباراة مصر والأرجنتين إلى "قضية رأي عام عالمي"، ووجدت الصحف العالمية، التي لطالما تغنت ببريق النجوم، وجدت نفسها اليوم أمام حقيقة "قبيحة" لا يمكن غض الطرف عنها: مونديال 2026 يُدار بمنطق "التسويق" لا بمنطق "كرة القدم". وأصبحت عناوين الصحف الكبرى لا تتحدث عن مهارة الأرجنتين، بل عن "الظلم الفادح" الذي تعرض له المصريون، مؤكدة أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يضع "استمرار ميسي" في البطولة فوق أي اعتبار رياضي أو قانوني!!
لقد أثارت القرارات التحكيمية المُنحازة إلى جماعة ميسي عاصفة جدلية كبيرة في الأوساط الصحفية والرياضية. وقد استنكر مدرب منتخب مصر الأسبق (حسن شحاتة) ما تعرض له المنتخب المصري أمام الأرجنتين منتقدًا سوء تعامل الحكم والمسؤولين وأنهم لم يكونوا على قدر الحدث.
وقد اتفق المحللون في كبرى القنوات الرياضية العالمية على أن الهدف الملغي للمنتخب المصري كان "نقطة تحول مُصطنعة"، وأن تقنية الفيديو في هذه المباراة لم تكن سوى أداة "شرعنة" لإنقاذ بطل العالم من خروج مُهين على يد المصريين. وأجمعت التقارير الدولية على أن المباراة كانت "مسرحية" وُزعت فيها الأدوار مسبقاً.
وكتبت صحف أوروبية بارزة تحت عنوان: "الأرجنتين تعبر إلى ربع النهائي بفضل صافرة الحكم، لا بفضل الكرة"، بينما أشارت صحف أخرى إلى أن (الاستعانة بـ VAR ضد مصر) كانت انتقائية ومشبوهة".
وسلطت صحيفة "ميرور" البريطانية الضوء على حالة الغضب العالمي العارم عقب مباراة مصر والأرجنتين في ثمن نهائي المونديال؛ وذكرت الصحيفة أن الجماهير شنت هجوماً عنيفاً واصفةً بطولة كأس العالم بأنها "مُفبركة وموجّهة"، وذلك بعدما نجح ليونيل ميسي في إنقاذ الأرجنتين وقيادتها للتأهل، في مباراة شهدت جدلاً تحكيمياً واسعاً وقرارات مثيرة أثارت استياء المتابعين.
وتحدثت الصحف العالمية بجرأة غير مسبوقة عن أن الفيفا يمارس ضغوطاً غير مباشرة لضمان بقاء الأساطير في البطولة لأطول فترة ممكنة، لدواعي "تسويقية" ضخمة. "الخوف من غياب ميسي عن الأدوار النهائية يدفع التحكيم لاتخاذ قرارات تتجاوز حدود المنطق"، هذا ما كتبته إحدى الصحف العالمية، واصفةً ما حدث مع منتخب مصر بأنه "تضحية بنزاهة المنافسة من أجل بريق النجم".
وقال المدرب البرتغالي الشهير (جوزيه مورينيو) عن مباراة الأرجنتين ومصر: "هذه سرقة في وضح النهار.. من العار ما أصبحت عليه كرة القدم، كيف تسمح باستمرار اللعب وتترك الهدف يُسجَّل، ثم تقرر بعد ذلك العودة وإلغاءه؟ إذا كان هناك خطأ، فأوقف المباراة فورًا؛ لا تنتظر حتى بعد تسجيل الهدف؟".
هذا وقد قيّم موقع Archivo VAR أداء الحكم الفرنسي (فرانسوا ليتيكسييه) في مباراة الأرجنتين ومصر بـ 5.5 من 10.
لقد تقدم هاني أبو ريدة رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي (فيفا) للمطالبة بالتحقيق مع الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير وطاقم تحكيم مباراة مصر والأرجنتين، بما فيهم حكام تقنية الفيديو. وجاءت الشكوى بناءً على ما اعتبره الاتحاد أخطاءً تحكيمية فادحة وكيل بمكيالين، أدت إلى حرمان المنتخب المصري من هدف وركلة جزاء والتسبب في خروجه من دور الـ16، مطالباً باستبعاد الطاقم من المونديال في حال ثبوت التمييز ضد المنتخب.
ثم جاء خروج آخر الفرق العربية من كأس العالم، حيث لاقى منتخب فرنسا (أسود أطلس) المنتخب المغربي الشقيق. وكانت الأجواء قبل المباراة تعكس الحماس الكبير للجمهور المغربي، وقد اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من المنشورات الساخرة بعدما انتشرت صورة لشابة تحمل العلم المغربي مرفقة بعبارة: "إذا ربح المغرب فرنسا غادي نقبل نتزوج بلا عرس وبلا صداق".
ولم يكن أداء المنتخب المغربي مقنعا بسبب سوء الخطة التي لعب بها، فغادر المونديال بخسارة 0-2، فكان العراق أول المغادرين العرب والمغرب آخر المغادرين.
من سيفوز بكأس العالم 2026:
في سنة 2022 كانت بطولة كأس العالم بكرة القدم التي جرت وقائعها في قطر، وكانت المباراة النهائية بين فرنسا والأرجنتين، وكانت الترجيحات أغلبها تنصب لصالح فرنسا.
في ذلك الوقت نشرت شبكة "أوبتا" (OPTA) المتخصصة بالأعداد والإحصاءات قائمة المنتخبات المرشحة للظفر بكأس العالم باستخدام الذكاء الاصطناعي. وكانت ترشيحات شبكة "أوبتا" أن الفريق الفرنسي هو الفريق الأوفر حظا للفوز بكأس العالم 2022، يليه الفريق البرازيلي. إلا أن الأرجنتين هي التي أحرزت البطولة على حساب الفريق الفرنسي!.
الآن، وعلى نحوٍ مشابه، ومع تقدم كأس العالم 2026 في مراحله الحاسمة، تدخل توقعات الذكاء الاصطناعي على خط ترشيح الفائز المتوقع في البطولة، حيث تتصدر فرنسا قائمة المرشحين للفوز باللقب، ويتصدر نجمها (كيليان مبابي) لقب (أفضل لاعب في العالم)، وحظوظ أفضل ستة فرق للفوز بكأس العالم كما يأتي: فرنسا 31%، الأرجنتين 15%، إسبانيا 13%، البرازيل 9%، إنجلترا 8% والبرتغال 5%.
وبعد الخوض في معترك الحياة الواقعية سقطت الأسماء اللامعة وفشل الذكاء الاصطناعي من جديد في توقعاته (الذكية) لتسقط فرنسا مرة أخرى ولتتأهل إسبانيا والأرجنتين للمباراة النهائية وليعود (ميسي البرغوث) إلى القِمة من جديد ويزيح مبابي ومنتخب الديوك وكأنه يقول (لا أزال أنا ملك الكرة).
وهكذا هي كرة القدم دائما.. لا تعرف الأسماء ولا العناوين، بل تعرف العطاء والمثابرة واغتنام الفرص والعطاء المثمر، حالها كحال الحياة الواقعية.
تهانينا للفريق الفائز وحظا أوفر للفرق العربية في المسابقات القادمة.

915 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع