الحرب الأمريكية مع ايران الظاهر والمخفي ؟

بقلم الدكتور هاني الحديثي

الحرب الأمريكية مع ايران الظاهر والمخفي ؟

منذ استلام نظام ولاية الفقيه بزعامة الخميني السلطة في ايران برعاية ودعم غربي كامل ومعلن بالضد من حليفهم نظام الشاه والنظام الإيراني يرفع شعار اسقاط الشيطان الأكبر (امريكا ) و الشيطان الأصغر (اسرائيل ).

خلال العقود التي مضت شهدت العلاقات بينهم علامات بارزة منها الآتي :
- فضيحة ايران غيت حيث صفقات التسليح الواسعة التي زودت بها إسرائيل إيران بموافقات وترتيبات مع الولايات المتحدة طيلة الحرب العراقية -الإيرانية . (فضيحة ايران غيت و ايران كونترا ).ضمنها الترتيبات الخاصة والمشتركة بقصف مفاعل تموز النووي العراقي (تعاون معلوماتي ).
- التنسيق الأمريكي -الإيراني لاسقاط النظام السياسي في العراق عام 2003 والمعبر عنه بتصريحات رسمية من كبار القادة في ايران منهم الرئيس روحاني و احمد نجادي و مستشار الامن القومي الايراني ووزير خارجيتها الاسبق جواد ظريف والمثبت في مذكراته .
-التنسيق والتعاون بين الولايات المتحدة و ايران على الساحتين العراقية والسورية تحت ظروف ادخال داعش لكل من البلدين والذي حقق لاحقا اتفاقا أمريكيا -ايرانيا في مناطق النفوذ مقابل توقيع الاتفاق النووي بينهما عام 2015 م .
دون الدخول في التفاصيل كونها معروفة ،فان العلاقات الأمريكية -الإيرانية ظلت موضع اهتمام و أولوية بين البلدين .
ان مغادرة حالة السلام والتعاون والتنسيق خلال الأشهر الماضية لايعني انقطاع سلسلة الود والتخادم بينهما ، انما ينطلق من مسعى أمريكي -اسرائيلي لترشيد الدور الإيراني وعدم السماح له بالاستمرار في عبور الخطوط الحمر المرسومة له خاصة ان ايران نجحت في توظيف اجواء التخادم المذكورة لفرض هيمنتها وتوسيع مقاصدها في إقامة نظام (استعماري ) واسع يشمل كمرحلة اساسية عموم بلدان المشرق العربي وهو الأمر الذي يشكل تهديدا لطموحات إسرائيل في اعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت هيمنتها الاقليمية لوحدها ، عزز من ذلك نجاح ايران في تطوير برنامجها النووي المدعوم بقدرات صاروخية فاعلة وهو الأمر الذي وجدت فيه إسرائيل منافسا عنيدا يهدد سطوتها وهيمنتها ومشروعها الاقليمي .

لاجل ذلك تبدو خارطة العلاقات الأمريكية -الإيرانية معقدة ومتداخلة .
هنا يثار السؤال :هل ترغب ادارة ترامب فعلا تغيير النظام الإيراني او قصقصة اجنحته وأذرعه ، وكبح جماحه داخل ايران وفي محيطها الاقليمي ؟
ان متابعة تصريحات ترامب ومنها التي يهدد فيها بمحو ايران والقضاء على نظامها القائم تشير إلى تناقضات كبيرة حيث يردف تلك التهديدات دائما برغبته في التوصل إلى حل توافقي معها بعيدا عن وسائل الاذعان القسري مع عدم إخفاء اعجابه بايران كما سبق للرؤساء الأمريكان وكرروا ذلك .
مايؤكد عدم جدية ادارة ترامب ومن سبقه في تحقيق التغيير الجذري الداخلي لايران هو الموقف السلبي عمليا من اكبر انتفاضتين قامت بها الشعوب الإيراني عهد جوبايدن وعهد ترامب ، واتخاذهما مواقف محبطة للشعوب الإيرانية دفعها لعدم التفاعل الإيجابي مع دعوة ترامب لها للثورة على النظام منذ بدء العمليات العسكرية بينهما .(غياب الثقة والمصداقية ).

ان ماتقدم يدفعنا للاعتقاد ان الإدارة الأمريكية جمهورية كانت ام ديمقراطية لاترغب بإجراء تغيير جدي للنظام السياسي في ايران ليس لانها غير قادرة على ذلك بالضرورة ، انما لان وجود هذا النظام المقلق للأمن الاقليمي العربي والشرق أوسطي يحقق للإدارة الأمريكية فرصة ممتازة لادارة أزمات المنطقة واستمرار ضخ الأسلحة بعشرات المليارات من الدولارات سنويا لبلدان المنطقة الصديقة والحليفة لها فضلا عن استمرار دورها في التواجد الفعلي على عموم الشرق الأوسط وهو مقصد استراتيجي ليس اتجاه التواجد والهيمنة والإخضاع حسب ،انما كبح جماح الصين في التغلغل بهذه المنطقة الجيواستراتيجية لما لذلك من اهمية في رسم معالم النظام الدولي كله .
إلى جانب ماتقدم فان استمرار الوضع القلق شرق أوسطيا يتيح للإدارة الأمريكية فرص دفع الأنظمة المتخوفة من النفوذ الإيراني لتحقيق التطبيع مع إسرائيل وانجاز المشروع الإبراهيمي .
في ضوء ذلك فان اغلب الأمنيات التي ترافق بعض التيارات والكتاب بالاعتماد على الولايات المتحدة لتحقيق التغيير داخل ايران ذهبت وتذهب ادراج الريح ولا تستند على تحليل واقعي .
هنا نستذكر المقال الذي كتبه المستشار السياسي للرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما الباحث تريتا بارسي ضمن كتابه المعنون Treacherous Alliance :The Secret Dealing of Israel ,Iran,and the United States(الصفقات السرية بين إسرائيل و ايران و الولايات المتحدة )والتي كشف فيها عن التعاون الخفي بين القوى الثلاث ومقاصدها المشتركة في تقاسم النفوذ اتجاه العالم العربي .
في ضوء ماتقدم فان السيناريوهات التي تعتقد ان الإدارة الأمريكية جادة في انهاء النظام الايراني وتحقيق تغيير جذري فيه تحتاج من وجهة نظري إلى مزيد من التدقيق من خلال قراءة مسارات العلاقات الأمريكية -الإيرانية دون ان ينفي ذلك إمكانية توظيف الإدارة الأمريكية لما يدعى الانقسام الحالي لدى القيادة الإيرانية بين متطرفين ومعتدلين لصالح التسريع بتحقيق توافقات تؤدي الى تنازلات ايرانية في مقاصد الإدارة الأمريكية من الحرب وخاصة في موضوع البرنامج النووي و صناعة الصواريخ بعيدة المدى .
صحيح ان هناك حرب ومعارك تتوقف عند التراشق بالنيران بينهما او مع حلفاء الأمريكان واصدقائهم في الخليج والأردن وحتى داخل العراق ،لكن الصحيح ايضا ان اياً من الطرفين يبدي استعداده للتفاوض بعيدا عن المعادلة الصفرية ، وان كل مراحل المفاوضات بينهما لم تشهد إلا مساومات تفضي بالنتيجة إلى الاختلاف على طريقة تقاسم النفوذ واستخدام الاخر للضغط على بلدان الاقليم العربي تحقيقا لمقاصد ومصالح متبادلة .
وهنا اطرح السؤال الآتي لمن يشكك في هذه الرؤية :هل ان إسرائيل والولايات المتحدة قادرتان على تمزيق المجتمع العربي طائفيا وعرقيا كما هو الحال لما حققته ايران ؟
الجواب عند الساحات التي دخلتها ايران والتي كانت سابقا تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل (العراق وسوريا نموذجا ).
بذلك نستطيع ان نفسر المقولات والشعارات التى رفعها نظام الولي الفقيه الايراني عقد الثمانينات بأن تحرير فلسطين يتم من خلال كربلاء وصولا إلى فلسطين .
لقد سقط العراق في احضان الاحتلال الامريكي عام 2003 وبمشاركة إيرانية حتى تم تسليم العراق كله لايران، تبع ذلك سوريا ولبنان . فلم لم يتوجه الجيش الايراني لتحرير فلسطين وبدلا من ذلك ذهب والحرس الثوري والملشيات التابعة لهما الى شن حروبا في الداخل السوري والعراقي و اللبناني ثم اليمن لتصبح هذه البلدان خرابا شاملا .
بناءا عليه فان اي اتفاق شامل بين ايران و الولايات المتحدة ستكون نتائجه معروفة سلبا على بلدان المشرق العربي ،بل ان غياب الاتفاق الشامل والذهاب نحو ادارة الأزمات المتلاحقة عبر اتفاقيات مؤقتة وهو الأرجح عندي سيكون ايضا بذات التداعيات على المشرق العربي .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

793 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع