
اعداد وترجمة : نبيل كوزه جي

سيرة في محراب الكلمة.. حمزة حمامجي أوغلو:نبض كركوك الصادق وحارس الحكاية الكادحة
البدايات والنشأة :
*من عتمة الحمامات إلى ضياء الحرف
في زوايا كركوك العريقة، حيث تتقاطع اللغات وتتوارث الأجيال حكايات الصبر والكدح، وُلد الأديب حمزة صالح محي الدين زينل (المعروف بحمزة حمامجي أوغلو) عام 1945 في حي "صاري كهية". نشأ في كنف عائلة بسيطة عُرفت بالعمل الشاق واليد الممتدة بالخير؛ فوالده تنقل بين حمامات الأحياء الشعبية والبقالة وحراسة البلدية، ووالدته كانت امرأة تمتلئ روحها بعذوبة "الخوريات" وارتجال الشعر بالفطرة. هذه البدايات القاسية لم تكسر روح الصبي، بل زرعت في وجدانه تعاطفاً أبدياً مع المنسيين والبسطاء، ليخرج من رحم المعاناة صوتاً أدبياً فذاً ينحاز للطبقة العاملة والإنسان البسيط.
*الصحافة والالتزام: قلم لا يساوم
لم تكن طريق الأدب مفروشة بالورد أمام حمامجي؛ فقد أجبرته ظروف الحياة على ترك مقاعد الدراسة المتوسطة ليعين عائلته، فعمل حاملاً لأثقال الحياة قبل أن يجد ذاته الحقيقية في عوالم الصحافة والثقافة.
مع مطلع سبعينات القرن الماضي، انطلق محرراً ومترجماً في جريدة "يورد" البغدادية، ليبدأ رحلة طويلة من العطاء الصحفي والأدبي امتدت لعقود. لم يترك القلم قط، بل واصل رسالته محارراً في صحف ومجلات بارزة مثل "جريدة كركوك"، و"توركمن إيلي"، و"الإخاء (قارداشليق)"، و"الفنار" وغيرها. وخلال مسيرته، حمل هموم أدباء شعبه عضواً فاعلاً في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، واتحاد أدباء تركمان العراق، ونادي الإخاء التركماني، ليكون دائماً في صف المدافعين عن هوية الكلمة الحرة.
*عوالم الإبداع: شعر يلامس الروح وروايات تحيي المكان
تميز حمامجي أوغلو بهدوء طبع عجيب، وشغف جارف بمكتبته الشخصية التي كانت تعد وطنه البديل. كان قارئاً ندساً نهل من الأدب التركي والعربي والعالمي، ما أعطى نصه الأدبي عمقاً وسبكاً رفيعاً.
في الشعر: أطل ديوانه الفريد "الكأس السابع" عام 1989 ليضع بصمته البارزة بين شعراء الواقعية الاجتماعية، حيث امتزج الحنين للطفولة بحب الإنسان والشفقة على الفقراء.
في الرواية: يُعد بحق أحد رواد الرواية التركمانية العراقية الحديثة. فرواياته المسلسلة مثل "الحذاء المطرز" (سيرمالي بابوج)، و"الديك الأبيض" (بياز خوروز)، و"إفسون"، و"يورغون كوتا"، لم تكن مجرد حكايات تُسرد، بل كانت تنفس روحاً حية في المكان والزمان، حتى ليُخيل للقارئ أن شوارع كركوك وأزقتها وأحجارها تتحول بين يديه إلى شخصيات ناطقة تنبض بالألم والأمل.
*الترجل الأخير والبقاء الأبدي:
بعد رحلة طويلة من الكفاح والإبداع المخلص، وتقاعده عن عمله الوظيفي فنيّاً للكهرباء عام 2008، ظل قلبه وقلمه ينبضان بحب مدينته حتى آخر قطرة حبر. وفي مساء الأحد 16 أبريل 2017، ترجل فارس الكلمة عن عمر ناهز الثانية والسبعين، إثر مرض عضال ألّ به.
وُوري جثمانه الثرى في مقبرة سيد علاوي بكركوك، وبناءً على وصيته، أُحيط قبره بكلمات "الخوريات" التي أحبها منذ صباه لتكون أنيسته الأبدية. لقد رحل حمزة حمامجي أوغلو، لكنه ترك خلفه إرثاً إنسانياً وأدبياً خالداً، وذكراً عطراً في وجدان كل من قرأ حرفاً كتبه بصدق ونقاء.
المصادر والمراجع :
1- الدكتور راويار جباري
2- فلاح يازار اوغلو - مجلة تركمن ايلي – العدد 111 – نيسان 2017 – السنة العاشرة – ص 6
3- نظرة الى تاريخ الادب التركماني العراقي – الجزء الثاني – عبداللطيف بندر اوغلو – مديرية الثقافة التركمانية – وزارة الثقافة والاعلام – بغداد 1989 \ ص 357
4- موسوعة اعلام التركمان – الجزء الثاني – الدكتور صباح عبدالله كركوكلي – بغداد 2018 \ ص 302

1259 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع