
نداء عبدالوهاب*

في أيلول حكايات التاريخ والأثر..حين تغفو الشمس بين غيوم ماطرة ..هنا نُبصر معنى الحياة مع رحلات لاماسوو..جولة رقم 94 محافظة دهوك
الأربعاء 9/9 - السبت 9/12 _2026 م
في الحياة لابد من شئ نتقن فيه فن العيش ..يجعلها نصحو كل صباح بروح جديدة .. تُرى ماهذا الشئ ..؟
إنها صباحات رحلاتنا مع فريق لاماسوو وهذا هو الجواب الأوفر حظا عندي لأني استمد روح الحياة فعلا حين اتبع شغفي وأُغذيه بتلك الرحلات التي تجعلني أعود القهقرى إلى مجاهل الزمن . كل الحواس في ترقب ولكل منها رؤيا وكلمات تُقال . شيئا منها احساسي الداخلي استأثر به احيانا وابوح به احيانا اخرى .. ومشاعر تُكتب هي بوصلة نشترك بها أنا ومن معي تأخذنا في الطريق إلى خبايا الزمن وأطلاله..
وهذا هو فنجان قهوتي مبتسما ينتظر ان أبدأ ليشاركني السرد إلى آخر رشفة منه...
في الطريق والليل رفيق أتأمل وشاح الظلمة وهو يلتف حولنا ويغمر الكائنات بعتمته.. وبعض ظلال من مصابيح هنا وهناك ..
أربعة أيام سنكون بها بضيافة مدينة دهوك يأخذنا الوقت نتقفى التاريخ وآثاره ..و الأنهار والشلالات و دور العبادة ..
#ستكون اغلب جولاتنا أماكن لنا سبق الوصول اليها ..وهذا يعود للدكتور مثنى واختياراته للأماكن الجديدة ..
محطتنا الأولى في مدينة فايدة عند تل قيصر الأثري اخذتنا الخطى إلى هذا التل صعودا وامتدّ البصر ودار حوله ..حيث ترقد المدينة في هدوء الصباح ...وينساب ضوء الشمس على أرض التل ليمنحها الدفء بعد ليلة خريفية تلمّضت فيها طعم الندى بعد جفاف الصيف ..
عند متنزه البرزاني كانت لنا استراحة وفطور وتجوال في اروقة المتنزه ..ومن ثم انطلقنا الى متحف دهوك الحضاري . تجولنا في قاعته التي تضم الكثير من القطع الاثرية . استقبلنا فيه منتسبي المتحف وقدموا لنا الشرح الوافي حول المعروضات في المتحف . ..
بعد استلامنا لغرف الفندق .
اتجهنا إلى كهف چارستين وهو من أقدم الكهوف التي عاش فيها الانسان ..ارتقينا السلالم الى الكهف وشاهدنا معالمه وسبب تسميته تعود الى الاعمدة الأربعة فيه .. كلمة چارستين ..تتكون من( چار ) وتعني رقم أربعة و(ستين ) تعني عمود ..
استراحة في احدى مقاهي سد دهوك . ومن ثم انطلقنا الى جبل زارة بالتلفريك والاستمتاع بالاجواء الهادئة هناك ..

اليوم الثاني في جولتنا ..
16 ساعة كانت لنا فيها مغامرات في قضاء زاخو .. صباح جميل والمدينة تصحو رويدا رويدا ونحن بين هدوء الصباح وأصوات احاديثنا والضحكات .. أخذنا مقاعدنا في الحافلة وانطلقنا إلى قرية فيشخابور أقصى شمال غرب العراق . عند المثلث العراقي السوري التركي . هناك استأثر بنا الزمان والمكان حيث كانت محطتنا الأولى كنيسة مريم العذراء سيدة الزروع التاريخية والتي بنيت عام 1861م وتقع على شاطئ دجلة مقابل قرية الخالدية السورية .. وتجولنا في مزار مار گورگيس وقلعة قرلا وقرية قرلا وتل قرلا الأثري والتي تقع على نهر الخابور مقابل الحدود التركية ..
صوت جريان نهر الخابور يرتطم بنباتات القصب والصفصاف والتين وطيور النورس والاشجار تفترش الضفاف والارض يغازلها نسيم ناعم يتسلل بينها ضوء الشمس فترمي بظلالها على الأرض ..احتظن المكان كل افكاري ..جريان الماء ..وجمال نهر الخابور ..ضوء الشمس الشجر والصخر المتناثر غمرتني كلها بمشاعر ليس لها مسمّى ..كنت أتمنى المكوث في المكان وألغي كل الحضور لأكون وحدي مع هذا الجمال ..
أنا الصمت وهو الموسيقى التي أحب ..
في تلك القرية الجميلة المستلقية على ضفاف نهر الخابور . استقبلتنا إحدى العوائل الكريمة والتي كانت تسكن في منطقة البتاوين في بغداد . وقد غمرتنا السيدة الجميلة بفيض من الترحيب وقدمت لنا طبق كبير من التين والعنب بكل ود وسعادة . وودعتنا وقلبها ينبض بالسلام والمحبة لنا ولبغداد ..
و في ناحية باطوفه شرق زاخو كانت محطتنا التالية
في مصيف صوريا الجميل بشلاله الهادر والشجر يسوّر المكان وقد اغدق عليه بلونه الأخضر وتسلقت جذوعه الأعشاب ..ارتقيت درجات سلّم ترابي لأكون بجانب الشلال صديقة الطبيعة حيث ما تكون أكون جزءّ منها ..استنشقت الهواء النقي وامتلأت بصوت الشلال حتى خفتت من حوالي كل الأصوات ..وحده صوت الشلال يهدر في مسمعي ..استمتعت بالمنظر وجمعت بعض من نباتات البنفسج المتناثر.. على طول درجات السلم الترابي الموصل إلى الشلال .. تراشق الجميع بالماء وكانت الضحكات والألفة حاضرة بيننا مضى الوقت بها وعدنا فيها لزمن الطفولة الجميل ...
وعلى نهر الخابور مرة أخرى في مصيف كفكى.. المنظر الساحر والظل الوفير والبرودة المنعشة وصوت النهر والاشجار الباسقة الموغلة في عمر الزمان ..التقطنا الصور وعبّأنا الذكريات في دفاتر العمر ..
حل المساء ونحن في تجوالنا لنصل إلى قشلة زاخو التاريخية تجولنا فيها وفي سوق القلعة التراثي وكانت لنا فرصة لحضور حفل موسيقي في أجواء جميلة مليئة بالفرح ..والتقنيا مع بعض العوائل تبادلنا ارقام جوالاتنا على أمل اللقاء في بغداد .
ومن ثم اتجهنا إلى جسر دلال العباسي في كورنيش زاخو..جمال أخّاذ ومناظر مازالت تُذكر في كل شرود ..
ودعنا آيات الجمال تلك وعدنا إلى الفندق بانتظار الصباح لجولة أخرى ..
في اليوم الثالث من رحلاتنا . عاد بنا الزمن لأكثر من 400 سنة في زيارة لجامع وتكية ومرقد الشيخ نور الدين البريفكاني في قرية بريفكان وكان برفقتنا الأستاذ جاسم بريفكاني والاخ جكر أدى الجميع صلاة الجمعة في جامع نور الدين البريفكاني ومن ثم رافقنا الدكتور عبد الرحمن البريفكاني والدكتور محمد جلال البريفكاني لزيارة مرقد الشيخ نور الدين البريفكاني مع الحديث عن حياته وشاهدنا مكان خلوته التي كان يتعبد فيها منفرداً ..
توقفنا هنا مع الإخوة وتقديم شعار فريقنا لهم مع الشكر والامتنان ..
انطلقنا بعدها إلى سولاف عن طريق جانبي تحفه الأشجار الباسقة والمزدانة بلونها الأخضر ..وقام بعض أعضاء الفريق في زيارة إلى مدرسة قبهان التاريخية .. سرنا صعودا في طريق بين أشجار الجوز والتين والعنب والنسيم البارد ينعش ارواحنا وبعد تعب المسير وصلنا إلى مدرسة قبهان اطلال مبنى فيه اعمدة قائمة واخرى افترشت الارض تسللت الأعشاب بين ثناياها وعلى الجدران وبين الحجر.. هذه المدرسة ذاكرة تأخذنا إلى القرن الثالث عشر الميلادي وكما تفضل دكتور مثنى والدكتورة بشرى قد خرّجت هذه المدرسة الكثير من الاعلام وأصحاب الفتوى والقضاء وكان يدرّس فيها شتى العلوم ..
تخيلت تلك الأعشاب والتي تفترش الأرض كأنها تلاميذ هذه المدرسة وصوت النسيم بين الشجر والأحجار كأنها تلاوة الصلوات بين الحصص . انصت فيها إلى نداءات بعيدة من ذاك الزمان أخطو بحذر فالمكان تطوف حوله أرواح من كانوا هنا يوماً ما..تسلقت درجات السلم لاستطلع المنظر حولها لم يكن سوى الشجر في واديها يغني اغنية الصمت الأزلية أصغي لهذه الأغنية وأسترسل مع الصمت ..
.غادرنا هذا التاريخ وتدحرجت خطواتنا مسرعة إلى حيث بقية أعضاء الفريق ..
مع عودتنا وقد غادر النهار كان للشمس حكاية أخرى هي بداية لصباح نودع به مدينة دهوك الزاخرة بالجمال والتاريخ..
في اليوم الأخير
غادرنا مدينة دهوك عند منتصف النهار وفي طريق عودتنا كانت هناك مفاجأة لمشاهدة معلم تاريخي عثماني يسمى خان النجمي أو قصر النجمة يقع في القيارة جنوب الموصل وبواسطة تطبيق GBS وصلنا إلى المكان ولكن مع الأسف تعذر الوصول اليه ..ولكننا شاهدنا اطلاله من مسافة ربما تصل إلى الكيلو متر أو أكثر التقطنا له الصور عن بعد ومضينا.
وكانت محطتنا الأخيرة قبل مواصلة العودة إلى بغداد . التوقف بين الحضر وبيجي وكانت جلسة جميلة في الهواء الطلق شربنا الشاي والقهوة ومضينا إلى بغداد حبيبتنا وقد غادرت الشمس وحلّ المساء وفي قلوبنا شغف لرحلة قادمة ..فرحلات لاماسوو أصبحت جزءٓ من حياتنا ننتظرها بشوق الباحث والمستكشف..المترقب يزهو ويتألق البريق في عينيه حين يعثر على أثر بعد عناء البحث في قلب الحجارة فيه ويتأمل شكلها وطراز بناءه ويتلمس حيطانه وينصت إلى صمته في بهاء ..
*مدير مكتب الگاردينيا في بغداد

1336 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع