
د. صلاح رشيد الصالحي
بغداد 2026

الجسر الخشبي في الأعظمية.ذاكرة جسرٍ ومحلةٍ لا تُنسى
كانت دارنا سابقًا تقع بين حديقة السفينة ومستشفى النعمان، وكانت المنطقة تُعرف بمحلة هيبة خاتون، وكان الجسر الخشبي (شيد عام 1925) يربط منطقة الأعظمية من جهة محلة السفينة، التي سُمّيت بهذا الاسم لأنها كانت مرسى للزوارق، بمعمل فتاح باشا وساحة الشوصة القريبة من مرقد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الكاظمية من جهة أخرى.
وأتذكر، عندما كنت صغيرًا، أنني عبرت الجسر الخشبي برفقة والدتي (رحمها الله) في طريقنا إلى الكاظمية، وكان في الجسر ممران للمشاة، أحدهما على اليمين والآخر على اليسار، فعند ذهابنا إلى الكاظمية كنا نسلك الجانب الأيمن، وعند العودة نسلك الجانب الأيسر.
ولم تكن حافلات نقل الركاب تعبر الجسر، لأنها كانت ثقيلة الوزن، وكنت خلال عبورنا الجسر، أمسك بيد والدتي خوفًا، والسبب أن الجسر كان يرتفع وينخفض عند مرور السيارات، لأنه كان قائمًا على زوارق تُسمّى (دوبة)، وجمعها (دوب).
وكانت المنطقة الممتدة من مكان الجسر في محلة السفينة إلى المقبرة الملكية منطقة حيوية، تمر فيها حافلات مصلحة نقل الركاب (الأمانة) عبر شارع سعده، وتلتقي بالسيارات القادمة من الكاظمية، فأصبحت منطقة السفينة تعج بالحياة والحركة، وانتشرت فيها المحلات التجارية الكثيرة.
وكان مقهى (الجرداغ) أحد معالم تلك المنطقة، فكنا نسمع من رواده أصوات الدومينو، والنرد (بمعنى الطاولي)، والضحكات، والسباب أحيانًا، وكانت محلة السفينة لا تهدأ ليلًا ونهارًا، تعج بالحركة والناس.
لكن بعد افتتاح جسر الأئمة عام (1957)، خيّم السكون على المنطقة، وكأن الحياة قد توقفت في محلة السفينة، وأصابها الإهمال بسبب تغيّر طرق المواصلات من جهة، وانتقال أصحاب المحلات بتجارتهم إلى منطقة رأس الحواش من جهة أخرى، فازدهرت رأس الحواش على حساب محلة السفينة.
والآن، وبعد سنين طويلة، أصبحت محلة السفينة خربة، تعاني النسيان والإهمال من الحكومات المتعاقبة، وليس هناك من ينقذها، بل ولا من ينقذ العراق كله... تحياتي للجميع....

1274 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع