النائب المحمي ... والشعب بلا حماية

بدري نوئيل يوسف

النائب المحمي ... والشعب بلا حماية

في بلادنا العجيبة، أصبح السؤال الذي يطرحه المواطن أحياناً ليس: مَن يحمي الوطن؟، بل: مَن يحمي النائب؟
فالنائب، يا سادة، ليس مواطناً عادياً.
إنه مواطن من نوع خاص، يحتاج إلى حماية، وربما إلى موكب، وربما إلى سيارة مصفحة، وربما إلى سيارة احتياطية في حال تعطلت السيارة المصفحة!
أما المواطن العادي، فليدبر أمره بنفسه... وإذا حصل له شيء، فربما يقال له: الله كريم.
نحن لا نعترض على حماية أي إنسان إذا كان هناك خطر حقيقي يهدد حياته. النائب شخصية عامة، وقد يتعرض فعلاً إلى تهديدات، وفي هذه الحالة تكون الحماية الأمنية ضرورة وليست ترفاً.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحماية امتيازاً ثابتاً للمنصب، لا إجراءً مرتبطاً بحجم الخطر.
فلماذا يحتاج نائب لمجرد كونه نائباً إلى ما لا يحتاجه المواطن الذي انتخبه؟
المواطن يمشي في الشارع، والنائب يمشي وسط الحماية.
المواطن ينتظر سيارة الأجرة أو يقود سيارته القديمة، والنائب قد يحيط به الموكب.
المواطن إذا تعطلت سيارته ينزل ويدفعها إلى جانب الطريق، أما النائب، فلا نعرف ماذا يحدث إذا تعطلت السيارة المصفحة... ربما تُستدعى لها سيارة مصفحة أخرى!
والأجمل أن النائب جاء إلى مجلس النواب أصلاً ممثلاً عن هذا المواطن.
أي أنه يفترض أن يعيش مشاكله، ويسمع صوته، ويعرف كيف يعيش المواطن في الشارع، لا أن يصبح بعد فوزه في الانتخابات من طبقة أخرى لا تصل إليها حرارة الشمس ولا غبار الشوارع.
حماية النائب... أم حماية الامتياز؟
السؤال الحقيقي ليس: هل يستحق النائب الحماية؟
السؤال هو: متى تكون الحماية ضرورة أمنية، ومتى تتحول إلى امتياز؟
إذا أثبتت الجهات الأمنية أن نائباً معيناً مهدد فعلاً، فمن الطبيعي توفير الحماية المناسبة له.
لكن إذا أصبح المعيار هو أنت نائب، إذن لك سيارة مصفحة وحماية، فنحن أمام مشكلة أخرى.
فالمنصب النيابي ليس جائزة في مسابقة سيارات، ولا بطاقة عبور إلى عالم الامتيازات.
النائب أخذ صوته من المواطن، وراتبه من المال العام، ومهمته أن يراقب الحكومة ويشرّع القوانين.
أما المواطن، فقد أعطاه صوته ثم عاد إلى بيته ليواجه الكهرباء والماء والأسعار والبطالة والطرق والحفر، وربما يبحث عن طبيب أو دواء أو معاملة لا تنتهي.
المواطن أيضاً يحتاج إلى حماية
هناك ملايين المواطنين في بلادنا العجيبة الذين يحتاجون إلى حماية من شيء آخر:
حماية من الفقر،
حماية من البطالة،
حماية من الفساد،
حماية من الإهمال،
حماية من الطرق المتهالكة،
وحماية من طوابير المعاملات التي يبدو أنها أطول عمراً من بعض الحكومات!
المواطن لا يطلب سيارة مصفحة.
هو يريد فقط سيارة إسعاف تصل عندما يحتاجها.
لا يريد ستة عشر حارساً.
يريد شرطيّاً واحداً يصل عندما يتعرض للسرقة.
لا يريد موكباً.
يريد شارعاً يستطيع أن يسير فيه دون أن تتحول الحفر إلى امتحان في قيادة السيارات.
نائب واحد... أم مواطن واحد؟
قد يقول البعض: النائب شخصية مهمة ويجب حمايته.
نعم، إذا كان الخطر حقيقياً.
لكن المواطن أيضاً مهم.
بل إن النائب لم يصبح نائباً إلا لأن هناك مواطنين وقفوا أمام صناديق الاقتراع واختاروه.
لذلك فإن احترام المواطن لا يكون فقط يوم الانتخابات.
لا يصح أن يتذكر السياسي المواطن كل أربع سنوات، ثم ينساه في اليوم التالي لإعلان النتائج.
والأجمل من كل سيارة مصفحة أن يشعر النائب أن المواطن الذي انتخبه هو أهم ما يجب حمايته.
فإذا كان هناك مال عام يكفي لسيارات فارهة وحماية ومواكب، فليكن السؤال الأول:
كم مدرسة سنبني؟
كم مستشفى سنجهز؟
كم طريقاً سنصلح؟
وكم مواطناً سنوفر له حياة كريمة؟
عندها فقط تصبح الحماية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا عنواناً لامتيازات أصحاب المناصب.
الخاتمة
في بلادنا العجيبة لا يحتاج إلى نواب يعيشون خلف الزجاج المصفح، بينما المواطن يعيش خلف أبواب القلق.
ولا يحتاج إلى مسؤول يمر في الشارع محاطاً بالحراس، فيما المواطن يبحث عن رجل أمن يحميه.
الحماية الحقيقية للنائب ليست في سمك زجاج السيارة، ولا في عدد الحراس الذين يمشون خلفه.
الحماية الحقيقية هي أن يكون القانون قوياً، والدولة عادلة، والمواطن آمناً.
وحين يصبح المواطن آمناً، قد يكتشف النائب أن أفضل سيارة مصفحة في بلادنا العجيبة هي دولة تحترم مواطنيها.
أما إذا بقي النائب محاطاً بالحماية، وبقي المواطن يبحث عن حماية من كل شيء... فسنضطر إلى تغيير اسم مجلس النواب:
مجلس النواب المحمي... ومجلس المواطنين المنسي!

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

932 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك